أكثر جنونًا من الواقع.. كيف تنبأ صانع "The Boys" بصعود الاستبداد في الموسم الخامس؟
5 مايو 2026
في أكثر من مناسبة، لم يتردد إيريك كريبك في القول إن مسلسل "The Boys" (الرفاق) أصبح تجربة سردية تحاول فهم كيف تتشكل السلطة في زمن تتحول فيه الحقيقة إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة. في إحدى مقابلاته، يوضح أن الفكرة المحورية كانت دائمًا تتقاطع بين الشهرة والاستبداد، وأن ما يهمه هو "كيف تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والترفيه للترويج للفاشية"، كان في هذا الحوار يشير بشكل واضح إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي حديث قديم يعود إلى إطلاق الموسم الثالث، يذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن شخصية هوملاندر (أنتوني ستار) كتبت "نظيرًا لترامب"، ما يجعله نظير سياسي معاصر، في إشارة مباشرة إلى اعتماد ترامب على الخطاب الجماهيري والتأثير الإعلامي..
بهذه البساطة يمكن اختصار تصريح كريبك بأن العمل كان يدور دائمًا حول تحول شخص مشهور إلى مستبد فاشي. هذه الفكرة تضع الأساس النظري لما يمكن أن نراه في الموسم الخامس، لكنها تفتح أيضًا باب المقارنة مع واقع سياسي معاصر، حيث تتجاوز السلطة بيروقراطية المؤسسات لتواصل حضورها في الفضاء العام، وعبر إعادة تعريف ما هو مقبول يومًا بعد يوم. من هنا، تبدو المقارنة مع أسلوب مقدم برامج تلفزيون الواقع، أي ترامب، في ولايته الثانية قسرية، وامتدادًا منطقيًا لنفس الفكرة التي يتحدث عنها صانع العمل.
يمكن اختصار تصريح كريبك بأن العمل كان يدور دائمًا حول تحول شخص مشهور إلى مستبد فاشي. هذه الفكرة تضع الأساس النظري لما يمكن أن نراه في الموسم الخامس
في هذا السياق، يصبح من الصعب تجاهل الطريقة التي يُستخدم بها الخطاب كأداة حكم. فكما يشير كريبك، تخلى العمل عن فكرة إقناع الجميع ليصل إلى خلق قاعدة صلبة من المؤمنين بالسردية، قاعدة تعيد إنتاجها باستمرار. هذا ما نراه داخل المسلسل، حيث يعتمد هوملاندر على القوة وقدرته على تفسير الواقع لجمهوره. وهو ما يمكن ملاحظته أيضًا في الطريقة التي تُدار بها السياسة عبر منصات مثل "تروث سوشيال"، حيث يتحول الخطاب إلى عملية يومية لصياغة الواقع، متجاوزًا حدود التعليق عليه.
ما يقدمه الموسم الخامس تضخيم كاشف؛ فالعلاقة بين القائد والجمهور تُبنى على تكرار مستمر للرسائل، وعلى خلق حالة من الحضور الدائم. كل تصريح، كل منشور، كل ظهور، يصبح جزءًا من بنية أوسع تهدف إلى تثبيت رواية معينة، والذهاب أبعد بالنيل من أني جانوري/ستارلايت (إيرين موريارتي)، التي ينعتها جمهور هوملاندر بـ"قاتلة الأطفال".
هذا التحول في طبيعة السلطة هو ما جعل كريبك يذهب إلى فكرة كتابة "نسخة من رواية 1984 لما يبدو عليه الاستبداد الزاحف في أميركا"، وهي فكرة مركزية في فهم العمل. هنا، يشير كريبك إلى لحظة انقلاب حيث تتغير المعايير ببطء حتى يصبح ما كان مرفوضًا مقبولًا، وهنا يمكن التخمين أن الفكر تشكل إعادة تعريف مستمرة للواقع، بحيث يتكيف الناس مع كل خطوة دون أن يشعروا بأنها تمثل قطيعة مع ما قبلها.
في "The Boys"، يظهر هذا بوضوح في الطريقة التي يتعامل بها هوملاندر مع أفعاله. فهو يعيد تقديمها، ويضعها داخل إطار سردي يجعلها مبررة أو حتى بطولية. هذه القدرة على إعادة التوصيف هي جوهر القوة، لأنها تجعل من الصعب على الجمهور رفض الفعل دون رفض الرواية التي تفسره. وهنا تحديدًا تكمن خطورة هذا النوع من السلطة، بمعنى أن ليس في ما يفعله هوملاندر متقمصًا شخصية ترامب الواقعية، وبدلًا من ذلك يختبر في كل موقف قدرته على جعل الآخرين يرون ما يفعله بطريقة مختلفة.
هذه الديناميكية نفسها يمكن ملاحظتها في الخطاب السياسي المعاصر، حيث لا يكون الهدف هو تقديم معلومات دقيقة بقدر ما هو الحفاظ على الإيقاع، على التدفق المستمر للرسائل. في هذا التدفق، تضيع التفاصيل، وتصبح الصورة العامة هي ما يبقى. وهذا ما يجعل المنصات الرقمية أداة مثالية، لأنها تسمح بإنتاج هذا الخطاب بشكل دائم، دون توقف، ودون حاجة إلى مراجعة. لكن ما يضيفه المسلسل إلى هذه الصورة هو التركيز على دور الجمهور، وهو إشارة مباشرة إلى أن السلطة لا يمكن أن تستمر دون جمهور يريد تصديقها، بحيث تمتد إلى من يختار أن يصدق، أو أن يتجاهل التناقضات. في هذا المعنى، يتجاوز الجمهور دور الضحية ليصبح جزء من النظام.
هذا التواطؤ يظهر بوضوح في فكرة الولاء، التي تتحول داخل العمل إلى علاقة غير مستقرة، ويصبح الولاء التزام مستمر يحتاج إلى إثبات دائم، وحتى في حالة الإثبات يكون سهلًا التخلي عنه مقابل مشروع أكبر، مثلما حدث مع فايركراكر (فالوري كاري)، رغم ولائها المطلق لهوملاندر. وهذا ما يجعل الخطاب المتكرر ضروريًا، لأنه الوسيلة التي يتم من خلالها الحفاظ على هذا الولاء.
في حديث عن تطور العمل، أشار كريبك إلى أن أحد التحديات كانت أن الواقع أصبح أحيانًا أكثر جنونًا من المسلسل نفسه، مشيرًا إلى أن ترامب نشر صورة لنفسه وهو يرتدي زي المسيح قبل 48 ساعة من إطلاق هوملاندر "على نفسه لقب الله". هذه الملاحظة تفسر لماذا يبدو الموسم الخامس أكثر مباشرة، أقل اعتمادًا على السخرية وأكثر اقترابًا من الواقع. فحين يتجاوز الواقع حدود السخرية، يصبح من الضروري أن يقترب العمل منه بدل أن يبتعد.
كما يُظهر تصريح كريبك أن السخرية لم تعد قادرة على الحفاظ على مسافتها النقدية حين يتجاوز الواقع حدود العبث ذاته. المثال الذي يطرحه، عبر المقارنة بين هوملاندر وسلوك ترامب، يكشف أن الخطاب السياسي بات ينتج صورًا متطرفة دون حاجة إلى تضخيم فني. هذا يضع العمل أمام مأزق تمثيلي حقيقي، حيث يتحول الخيال من قوة استباقية إلى رد فعل متأخر، وتفقد السخرية وظيفتها الأصلية كأداة تفكيك، لتصبح مجرد انعكاس مباشر لما يفرضه الواقع بالفعل.
في هذا الإطار، لا يعود السؤال هو ما إذا كان المسلسل يبالغ، فالمبالغة هنا أداة تحليل تدفع الواقع إلى أقصى حدوده كي تنكشف آلياته الداخلية بوضوح كامل. عبر هذا الأسلوب، تتعرى البنية التي تتحكم في الخطاب وتظهر كمنظومة تعمل باستمرار دون توقف. في موسمه الأخير، يضع "The Boys" المشاهد أمام صورة مكبرة قاسية، تزيل أي مسافة بينه وبين ما يراه، وتحوّل التجربة إلى مواجهة مباشرة تفرض التفكير العميق وتدفعه إلى إعادة النظر فيما يعتقد أنه مفهوم أو ثابت.
في العودة إلى "الاستبداد الزاحف"، على سبيل الخاتمة، لا يبدو التحول صادمًا بقدر ما يبدو مألوفًا؛ إذ يتسلل عبر اللغة اليومية، عبر تكرار الخطاب وتطبيع الاستثناء، حتى يصبح ما كان مرفوضًا جزءًا من العادي
في النهاية، ما يربط بين العمل والواقع هو المنطق الذي يحكم كليهما، منطق يحوّل السياسة إلى سرد يومي مستمر، ويجعل التصديق جزءًا من الانتماء. السلطة هنا تُبنى عبر خطاب متكرر يعيد تعريف الأحداث ويضبط معناها باستمرار وفق إيقاع لا يتوقف. القصة تتحول إلى إطار شامل يبتلع التفاصيل ويعيد ترتيبها بما يخدم استمراريته ويمنع تفككه. في تصريحات كريبك يظهر التحذير بوضوح، حيث يبدأ الخطر عندما يتحول التصديق إلى سلوك ثابت ويتراجع فعل التساؤل تدريجيًا.
بهذا المعنى، يصبح الموسم الخامس من "The Boys" أكثر من نهاية درامية، ويتحول إلى أداة لفهم كيف يعمل السرد كوسيلة حكم فعّالة داخل المجتمعات المعاصرة. العلاقة بين السياسة والواقع تكشف بنية مشتركة تقوم على إنتاج المعنى عبر اللغة وتثبيته من خلال التكرار المستمر الذي يعيد تشكيل الإدراك. هذه البنية تستند إلى قبول جماعي يعيد إنتاجها في كل مرة دون انقطاع. هنا تتشكل مساحة نقدية واضحة تركز على تفكيك الآلية التي تصنع السلطة وتضمن استمرارها في الوعي العام.
في العودة إلى "الاستبداد الزاحف"، على سبيل الخاتمة، لا يبدو التحول صادمًا بقدر ما يبدو مألوفًا؛ إذ يتسلل عبر اللغة اليومية، عبر تكرار الخطاب وتطبيع الاستثناء، حتى يصبح ما كان مرفوضًا جزءًا من العادي. هنا يلتقي عالم هوملاندر في "The Boys" مع الواقع، كما أوضح كريبك في مقابلاته عن فكرة تسلل الاستبداد ببطء وذوبان الحدود بين السياسة والترفيه، حيث تُفرض السلطة وتُعاد صياغتها باستمرار، ويصبح تصديقها فعلًا جماعيًا.
وفي النهاية، يسرق ويليام بوتشر (كارل أوربان) المشهد في لحظة مكاشفة مع هوملاندر "أعلم أنه حتى لو كان لديك مليار شخص يقدسونك ويهتفون باسمك، لن تكون سعيدًا، لأنك في أعماقك، مجرد طفل ضعيف، رقيق المشاعر، ومتطلب للاهتمام". تختصر هذه المكاشفة مأزق السلطة المبنية على التصفيق؛ اعتراف جارح يكشف فراغًا خلف الأنا المتضخمة. هوملاندر يحتاج جمهورًا كي يشعر بالتماسك، وكلما تضخم الهتاف ازداد الاعتماد عليه، لتبرز المقاربة مع ترامب في مركزية الحضور والرغبة في الاعتراف الدائم. فالصورة العامة تتغذى على الانتباه، وأي تراجع فيه يهددها، فيتحول الخطاب إلى سباق مستمر للحفاظ على الإعجاب.