إسرائيل تفرض الإيقاع الأمني على لبنان... وحزب الله يسأل عبر "الترا صوت": أين وقف النار؟
17 مايو 2026
ينتهي ليل الأحد – الاثنين قرار وقف إطلاق النار المعلَن بين لبنان وإسرائيل في 17 نيسان/أبريل، ليبدأ الاختبار الفعلي لتمديد الهدنة لمدة 45 يومًا في جولة المفاوضات المباشرة الأولى في واشنطن.
يكمن التحدي أمام لبنان بمدى قدرته على فرض وقف نار كامل، والضغط على إسرائيل للإلتزام بعدم احتفاظها، كما فعلت طوال الأشهر الماضية، بحرية التحرّك العسكري، متسلّحة بضوء أخضر أميركي بحجّة "الدفاع عن النفس".
مساع لبنانية
يحاول لبنان الرسمي استكمال مسار المفاوضات من خلال بذل مساعٍ تهدف إلى تثبيت الهدنة بشكل شامل، بما معناه عدم احتفاظ إسرائيل بحرية التحرّك عسكريًا، على أن يضمن لبنان في المقابل التزام كامل من جانب حزب الله، عبر رئيس البرلمان نبيه بري.
هذا المسعى يتوقف عند مدى التجاوب الإسرائيلي، وسط شكوك كبيرة بتجاوبها مع هذا الطرح، والاكتفاء بخفض التصعيد لا سيما لجهة عدم استهداف العاصمة بيروت والبنى التحتية.
من جهته، لن يكون حزب الله مستعدًا للتفاعل إيجابًا طالما العمليات الإسرائيلية مستمرة.
قدّمت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة مطالب إضافية إلى بيروت، من بينها إنشاء وحدة خاصة داخل الجيش اللبناني تتولى واشنطن تمويلها وتدريبها، بهدف نزع سلاح حزب الله
استنفار هجومي
في هذا الأثناء، ورغم "الأجواء الإيجابية" في البيانات الصادرة عن المتفاوضين في واشنطن، استمرت الغارات الإسرائيلية لا بل توسّعت لتصل إلى قرى البقاع الغربي، كما حصل صباح الأحد في بلدة سحمر، مخلّفة دمارًا كبيرًا.
وفي تطور ميداني تصعيدي، تعمّق إسرائيل مدى سيطرتها بالنيران على المزيد من القرى الجنوبية شمال نهر الليطاني، باتجاه قضاء صيدا ونهر الزهراني، حيث شملت إنذاراتها بعد ساعات قليلة من المفاوضات، سكان 9 بلدات في قضاءي صيدا والنبطية، هي: قعقعية الصنوبر، وكوثرية السياد، والمروانية، والغسانية، وتفاحتا، وأرزي، والبابلية، وأنصار، والبيسارية.
بالتزامن، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن "ما ينطبق على غزة ينطبق على كلّ ساحة تهدد إسرائيل ومستعدون للانتقال من الدفاع إلى الهجوم في أي لحظة".
وبات واضحًا أن إسرائيل تتعامل مع لبنان وفق مسارين ضاغطين، أمني وسياسي، وفي فصل كامل بينهما. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إنّ "إسرائيل لن تتمكن من وقف هجمات المسيّرات والصواريخ حتى وإن احتلّت جنوب لبنان بكامله. ونشر شبكة حماية جنوب لبنان لتقليص خطر إطلاق المسيّرات غير كافٍ، ويجب تحقيق اختراق سياسي مع حفظ هيبة الردع لتغيير الواقع جنوب لبنان".
تنسيق أمني
فرضت تل أبيب هذا الإيقاع على لبنان، من خلال فصل النقاش بين السياسي الذي سيُستكمَل بجولة جديدة في 2 و3 حزيران/يونيو، والأمني الذي سيجري في أروقة "البنتاغون" في 29 أيار/مايو، وهنا تكمن الأسئلة الكبرى حول الأهداف وطبيعة المباحثات التي ستشهدها، والتي ستتمحور بطبيعة الحال حول حزب الله وسلاحه.
وكان لافتًا ما أوردته صحيفة "هآرتس"، التي طالبت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوضيح موقفه من المسار الأمني الجديد الذي تم التوصل إليه خلال مفاوضات واشنطن، ولا سيما ما يتعلق بإنشاء آلية جديدة للتنسيق الأمني بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بإشراف أميركي، معتبرة أنّ هذا المسار قد يؤدي إلى تقييد هامش حرية التحرّك العسكري الإسرائيلي داخل لبنان.
وتضيف "هآرتس": "وفق معلومات تسرّبت إلى وسائل إعلام لبنانية، فقد قدّمت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة مطالب إضافية إلى بيروت، من بينها إنشاء وحدة خاصة داخل الجيش اللبناني تتولى واشنطن تمويلها وتدريبها، بهدف نزع سلاح حزب الله. كما أفادت التقارير بأن إسرائيل طلبت من لبنان رفع المقاطعة الرسمية المفروضة عليها، بما يسمح بإيجاد إطار قانوني للاتصالات المباشرة بين البلدين. ونقلت تقارير لبنانية عن مصادر مقرّبة من حزب الله أن المسار الأمني المعلن يهدف لتحويل لبنان إلى شريك في مواجهة الحزب، على غرار نموذج التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل".
"أين وقف النار؟"
وتعليقًا على هذا المسار، هاجم النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني حسين الحاج حسن المقرّرات التي صدرت عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في واشنطن، لا سيما إعلان تمديد وقف إطلاق النار، سائلًا: "أين وقف إطلاق النار؟".
وأضاف الحاج حسن في حديث لموقع "الترا صوت": "النتيجة الثانية السلبية هي بداية الحديث عن مسار أمني، فما هو هذا المسار؟ هل سمعت السلطة اللبنانية مثلًا من رئيس أركان الجيش الأميركي يقول إنهم سيشكلون فرقة من الجيش اللبناني يقومون بتسليحها واختيار أفرادها وضباطها لقتال حزب الله؟"، مستطردًا: "كل هذا ولا تدخل أميركي في السيادة اللبنانية. على كل حال، هذا الكلام قاله وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو منذ فترة، فماذا بعد؟".
وعن الهدف من هذا المسار الأمني، يقول: "فليُسأل روبيو ورئيس الأركان الأميركي. والموفد توم باراك قالها منذ فترة بعيدة أنهم لا يسلحون الجيش اللبناني لمواجهة اسرائيل إنما لمواجهة حزب الله، وها هو روبيو يكررها اليوم. وبالتالي فليجب المسؤولون اللبنانيون على هذا السؤال".
واستغرب الحاج حسن الحديث عن مسار سياسي قبل الحصول على أي ضمانة من الجانب الإسرائيلي، مضيفًا "كل ما يحصل ليس الا تنازلات تلو التنازلات".
وعن موقف "الحزب" من نتائج لقاءات واشنطن، يقول الحاج حسن: "نحن نعارض كل المفاوضات المباشرة، ونتائجها حتى الآن مخزية".
وردًا على سؤال حول مآل هذا المسار، يجيب: "فلنرى الأميركي إلى أين سيوصلهم لهم وليسوا نحن. الأكيد أنها مآزق تلو المآزق".
ولكن ماذا عن الدور الإيراني في ظل هذا المسار التفاوضي؟ يجيب الحاج حسن: "الإيراني أعلن أنه لن يبرم أي اتفاق في المنطقة من دون لبنان، الأمر الذي يرفضه كل من الأميركي والاسرائيلي حتى الآن. وللأسف السلطة اللبنانية لا تتحدث إلا بكل سلبية عن إيران".
انفتاح على النقاش!
وعن حقيقة انفتاح حزب الله في الأيام الماضية على كل من رئاسة الجمهورية والحكومة، يوضح الحاج حسن: "لا اتصالات لكننا لسنا في جو القطيعة"، مضيفًا "نحن مع حوار داخلي لبناني ولكن ليس فيما يذهبون إلى المفاوضات المباشرة بهذه الطريقة، والسكوت عن كل ما يقوله الأميركيون"، مشيرًا إلى أن حزب الله اطلع على البنود التي وضعها الوفد اللبناني من الإعلام.
وحول الخوف من اتجاه الإسرائيلي نحو تصعيد أكبر، يسأل: "طوشونا بقرار الحرب والسلم. فهل هذا القرار اليوم بيدهم أم بيد إسرائيل؟"، متابعًا "الدولة تتصرف بطريقة فيها الكثير من التنازل للأميركي، الذي هو بالنهاية حليف إسرائيل".
وردًا على سؤال حول متى يمكن أن يقبل "الحزب" بنتائج المفاوضات المباشرة، يقول الحاج حسن: "في حال إعلان وقف إطلاق نار حقيقي وشامل من دون حرية الحركة، انسحاب إسرائيلي، عودة النازحين، تحرير الأسرى وإعادة الإعمار على أن نناقش نحن قضايانا الداخلية اللبنانية بين بعضنا البعض التي لا علاقة للأميركي والإسرائيلي بها، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب".
هل هذا يعني انفتاح "الحزب" على النقاش بموضوع السلاح؟ يجيب الحاج حسن: "نحن دائمًا منفتحون على النقاش، ولكن فليخبرونا بأي استراتيجية دفاع وطني وبأي طريقة غير بكاء وزير الخارجية اللبناني عند الأميركي، وغير أن الدولة لا تسلّح الجيش اللبناني ولا تعطيه القرار السياسي".
ويؤكد التكامل والتفاهم والتنسيق في المواقف بين الحزب والرئيس نبيه بري.
17 أيار جديد؟
وكان حزب الله قد صعّد موقفه السياسي من المفاوضات، محذراً في بيان بمناسبة الذكرى الـ43 لاتفاق 17 أيار 1983 من "محاولات إعادة إنتاج ما هو أخطر من اتفاق 17 أيار" عبر الدفع نحو "اتفاق سلام كامل وشامل" مع إسرائيل.
وأكد رفضه بالكامل أي إملاءات وضغوطات ووصايات خارجية أميركية أو غير أميركية تحاول أن تفرض بالقوة على لبنان مسارًا ومصيرًا يطعن بسيادته واستقلاله وكرامته، معتبراً أن "قبول لبنان بالمفاوضات المباشرة يصب في خانة تعزيز وزيادة المكتسبات الإسرائيلية على حساب لبنان وأهله".
ودعا السلطة اللبنانية إلى عدم الذهاب بعيدًا في خيارات منحرفة مع العدو، لما للموضوع من تداعيات خطيرة على الاستقرار في لبنان دولة ومجتمعًا، مطالبًا السلطة بوقف مسلسل التنازل المجاني وسيناريو التفريط بالحقوق وبكرامة الوطن كونها مؤتمنة على ذلك بحكم القانون.
الإيقاع الإيراني
رغم الواقع الجديد الذي تفرضه نتائج مفاوضات واشنطن، التي تهدف بشكل أساسي لفصل المسار اللبناني عن الإيراني، إلا أنه لا زال من الصعب الفصل تمامًا بينهما.
وفي هذا السياق، اعتبرت مجلة "فورين بوليسي" أنّ "المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير وقف إطلاق النار في لبنان، رغم الضغوط الأميركية المتواصلة على بيروت". وأشارت إلى أنّ "أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد يطيح بالشروط التي حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل فرضها على لبنان، بما يعني أنّ القرار النهائي بشأن الهدنة يرتبط بنتائج الحوار الأميركي ـ الإيراني أكثر من ارتباطه بالضغوط المباشرة على الحكومة اللبنانية".
وتتزامن مساعي تثبيت وقف النار في لبنان مع التهديدات الأميركية والإسرائيلية بشنّ جولة جديدة من الحرب على إيران. وقد نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورة على منصة "تروث سوشيال" تُظهر سفناً حربية في مضيق هرمز، مرفقة بعبارة: "الهدوء ما قبل العاصفة".
وكان لافتًا ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز"، عن مسؤولين في الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان استعدادات مكثفة لاحتمال استئناف الهجمات على إيران، ربما خلال الأسبوع المقبل.
ووفق الصحيفة وُصف ما يجري بأنه أكبر انتشار واستعداد عسكري منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
الحرب مستمرة
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار أن الحرب لم تنته بعد، في إيران كما في لبنان، الذي دخل في مرحلة بالغة التعقيد والأفخاخ السياسية والأمنية. بانتظار اتضاح صورة الطروحات على لبنان بما يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله، كما آلية التنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، والتي ستكون على طاولة البحث في البنتاغون بعد أيام.
في هذه الأثناء، يتعاطى لبنان الرسمي بحذر شديد، لا سيما مع طرح تشكيل قوة عسكرية خاصة توكَل إليها مهمة نزع السلاح، والتي تضع الدولة والجيش بمواجهة مباشرة مع "الحزب". ومن المتوقع أن يقدّم خطة معدّلة عن تلك التي سبق للجيش وقدّمها للحكومة اللبنانية، تعيد للدولة قرار السلم والحرب وحصرية السلاح، وتحفظ في الوقت نفسه السلم الأهلي وتمنع أي فتنة داخلية.
تقرؤون المزيد في: إسرائيل ولبنان يمددان الهدنة 45 يومًا وسط استمرار القتال جنوبًا