إسرائيل واستهداف الصحفيين الفلسطينيين.. تاريخ من الدموية وحرب السردية الأحادية
13 أغسطس 2025
في جريمة جديدة تضاف إلى سجل انتهاكاتها بحق الصحفيين، قتلت إسرائيل الصحفي الفلسطيني الشاب أنس الشريف، مساء الأحد 10 آب/أغسطس، مع أربعة من زملائه، إثر استهداف خيمتهم بصاروخ إسرائيلي، بينما كانوا يؤدون مهامهم الصحفية في تغطية أحداث الحرب على قطاع غزة.
الشريف، الذي عُرف بصوته الصادق في نقل معاناة أهالي القطاع منذ اندلاع الحرب، لم يكن مقاتلًا أو طرفًا في أي نشاط عسكري كما تزعم السلطات الإسرائيلية، بل كان شاهدًا على الأحداث وناقلًا للصورة كما هي، من مواقع القصف والمستشفيات والمخيمات.
قبل 126 يومًا، كتب الشريف وصية مؤثرة قال في بدايتها: "إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي". كلمات عكست إيمانه العميق بأن عمله الصحفي في فضح رواية الاحتلال قد يجعله هدفًا مباشرًا، وأن الموت قد يكون ثمنًا للحقيقة.
اغتيال الشريف ورفاقه أثار إدانات واسعة من منظمات إعلامية وحقوقية دولية، من بينها مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين، التي أكدت أن استهداف الإعلاميين في غزة أصبح سياسة ممنهجة تهدف إلى حجب ما يجري على الأرض عن أنظار العالم.
وتُظهر الإحصاءات أن إسرائيل قتلت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أكثر من 230 صحفيًا في غزة، وهو رقم يفوق حصيلة الصحفيين القتلى في أكبر الحروب التي شهدها القرن الماضي. هذا السجل المروّع يعكس تاريخًا ممتدًا من الملاحقة والتصفية للصحفيين الفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وحرية الصحافة.
اغتيال الشريف ورفاقه أثار إدانات واسعة من منظمات إعلامية وحقوقية دولية، من بينها مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين، التي أكدت أن استهداف الإعلاميين في غزة أصبح سياسة ممنهجة
ومنذ عام 1948، اتبعت إسرائيل سياسة منهجية لإسكات الإعلام الفلسطيني، بهدف طمس الحقيقة ومنع العالم من الاطلاع على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. ودفع الصحفيون ثمنًا باهظًا لمجرد نقلهم الرواية الفلسطينية وفضحهم الانتهاكات، حيث اعتبرت منظمات حقوقية الحرب الأخيرة على غزة الأكثر فتكًا بالعاملين في الصحافة.
إرث من القمع الممنهج
منذ إعلان قيامها في 14 آيار/ مايو 1948، ورث الكيان المحتل عن الانتداب البريطاني أدوات قانونية لقمع حرية الصحافة، أبرزها قانون المطبوعات (سيئ السمعة) لعام 1933، هذا بجانب أنظمة الدفاع للطوارئ لعام 1945، وغيرها من العديد من اللوائح التي تم استحداثها لاحقًا.
منحت تلك القوانين القمعية سلطات الاحتلال صلاحيات مطلقة للرقابة المسبقة على النشر ومنع تداول أي مادة إعلامية في الصحافة الفلسطينية دون إذن رسمي، وضرورة تمرير أي مادة تٌنشرعلى الجهات العسكرية للحصول على الموافقة كشرط أساسي قبل النشر، وهو ما كبّل الكثير من الصحفيين عن أداء مهامهم خشية التنكيل والاعتقال
هذه النصوص القانونية لم تكن حبرًا على ورق، فقد شكّلت غطاءً قانونيًا لقمع الصحافة، مدعومة بممارسات ميدانية من قتل واعتقال وإبعاد وفرض إقامة جبرية، فضلًا عن مصادرة المعدات وتدمير المكاتب، ما جعل حرية العمل الصحفي هدفًا مباشرًا للقمع الإسرائيلي.
الصحفي الفلسطيني كـ "خطر استراتيجي"
أدركت إسرائيل منذ البداية أن المعركة الميدانية وحدها لن تحسم الصراع، وأن التفوق العسكري يحتاج إلى معركة موازية على الرواية والسردية. ومن هنا، برز الصحفي الفلسطيني كأكبر تهديد لمحاولاتها فرض صورة أحادية للحدث تخدم أجندتها.
على مدار عقود، ظل الصحفي الفلسطيني "حارس الذاكرة" و"صوت الميدان"، إذ نجح في نقل الصور والشهادات إلى العالم، ما أثار غضب الاحتلال ودفعه إلى تبني استراتيجيات قمعية متعددة المستويات: الاستهداف الجسدي المباشر عبر الاغتيال بالقصف أو الرصاص، والضغط العائلي والاجتماعي من خلال قصف منازل الصحفيين وقتل ذويهم، والتضييق المهني بتدمير مقار الإعلام ومصادرة المعدات ومنع التغطية الميدانية، إضافة إلى التقييد الجغرافي عبر منع السفر وحظر دخول الصحفيين الأجانب.
كما فرضت سلطات الاحتلال رقابة مشددة على المعلومات، فأخضعتها لإذن مسبق للنشر وألزمت الصحفيين بالعمل تحت مرافقة عسكرية، مع اللجوء إلى الترهيب القانوني عبر محاكمات جائرة وغرامات مالية، في محاولة لإخضاع الصحافة الفلسطينية وإسكات صوتها.
تاريخ من الاستهداف
منذ اغتيال الصحفي الفلسطيني حسن عبد الحليم الفقيه عام 1985 — مراسل جريدة القدس الذي اختطفته المخابرات الإسرائيلية بعد كشفه عن أسماء سماسرة بيع أراضٍ في القدس ورام الله — وحتى قصف خيمة الصحفيين أمام مستشفى الشفاء في 10 آب/أغسطس 2025، يسجل الاحتلال تاريخًا مشينًا من الجرائم الممنهجة ضد الصحافة الفلسطينية.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1994، اغتيل الصحفي هاني عابد (صحيفة الاستقلال) في خانيونس بتفجير سيارته، تلاه اغتيال الصحفي عزيز يوسف التنح في رام الله بتاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر 2000. وبعد أقل من عام، في 31 تموز/يوليو 2001، قصف طيران الاحتلال مقر المركز الفلسطيني للدراسات والإعلام في نابلس، ما أسفر عن استشهاد المصور محمد البيشاوي (الحياة الجديدة) والمراسل عثمان القطناني (وكالة كونا).
بين عامي 2002 و2004، نفذت الاستخبارات الإسرائيلية سلسلة اغتيالات طالت الصحفيين جميل نواورة، أحمد نعمان، عصام تلاوي، نزيه دروزة، ومحمد أبو حليمة. وتكررت السلسلة بين 2007 و2012، باستهداف فضل شناعة ( رويترز)، باسل إبراهيم فرج، حسام سلامة، محمود الكومي، ومحمد أبو عيشة.
حرب 2014 شكّلت محطة مفصلية، إذ ارتقى خلالها 17 صحفيًا. وفي مسيرات العودة عام 2018، اغتيل ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين برصاص قناصة الاحتلال. ثم جاء اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في أيار/مايو 2022، ليؤكد أن الصحفي — أياً كانت هويته — أصبح هدفًا مباشرًا طالما شكّل خطرًا على السردية الإسرائيلية.
بلغت المعركة ذروتها الدموية مع اندلاع حرب غزة الحالية؛ فمنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى منتصف 2025، استشهد أكثر من 237 صحفيًا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في ما وصفته صحيفة "الغارديان" بأنه "الصراع الأكثر دموية على الصحفيين في التاريخ الحديث".
وتجاوز هذا الرقم المٌرعب من شهداء الصحافة والكلمة خلال الحرب الحالية إجمالي ضحايا الصحفيين في كل الحروب والمعارك التي خاضها العالم خلال العقود الماضية، بما فيها الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وما تلاها من معارك حامية الوطيس، ليٌسطر الاحتلال صفحات سوداء من الدموية في التعامل مع الحقيقة.
وتعددت استراتيجيات الاحتلال في استهداف صحفيي غزة، فلم يقتصر الأمر على القتل، بل شمل تدمير مؤسسات إعلامية ومنع دخول الصحفيين الأجانب، مع السماح لعدد محدود من المراسلين بالعمل وفق الشروط الإسرائيلية، في محاولة لاحتكار الصورة وصياغة رواية متحيزة.
منذ اغتيال الصحفي حسن الفقيه عام 1985 حتى قصف خيمة الصحفيين في آب 2025، يواصل الاحتلال سجلّه الملطخ بالجرائم الممنهجة ضد الصحافة الفلسطينية
حرب الرواية ومعركة طمس الأدلة
لا يمكن قراءة استهداف أنس الشريف ومحمد قريقع وغيرهما من الصحفيين مساء العاشر من الشهر الجاري بمعزل عن سياق أكبر وأكثر اتساعًا على المستوى الجغرافي والتاريخي، سياق تخوض فيه تل أبيب حرب رواية حامية الوطيس، تحاول الانتصار فيها عبر تمرير سرديتها بالرصاصة والصاروخ والقنبلة.
فأمام الصمت الدولي الفاضح والعجز العربي والإسلامي المٌخزي لم تجد إسرائيل تهديدًا لها في حربها تلك سوى الصورة والكلمة، فهما السلاح الوحيد لعزل الكيان وإسقاط أقنعته المزيفة كدولة حضارية إنسانية، وهو ما بدت ارتداداته تلوح في الأفق، حيث المزاج العالمي الذي بدأ يميل للفلسطينيين وموجة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.
وتحاول دولة الكيان المحتل عبر تلك الحرب تحقيق هدفًا مزدوجًا، ما بين طمس الأدلة عبر منع توثيق الجرائم التي قد تشكل مادة لإدانة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، وإعادة تشكيل الوعي من خلال تمرير رواية رسمية تبرر العدوان وتبرئ الجاني، ويتكامل هذا الهدف مع منظومة دبلوماسية وإعلامية دولية تسعى تل أبيب عبرها لتقليل أثر الخطاب الفلسطيني في الرأي العام العالمي.
وهكذا تحول الصحفي الفلسطيني إلى شاهد وشهيد، ففي الوقت الذي يفترض أن يكون الصحفي فيه شاهدًا في كل الحروب، ومرآة الرأي العام العالمي على ما يدور بداخلها من معارك وأحداث، إذ بالمشهد الفلسطيني مختلفًا كالعادة، فالصحفي غالبًا ما يدفع حياته ثمنًا لشهادته، ومع استمرار الاحتلال في نهجه، تتحول مهنة الصحافة من وسيلة لنقل الحقيقة إلى مهمة مقاومة في حد ذاتها، حيث يصبح الكاميرا والقلم جبهة لا تقل خطرًا عن ميادين القتال.