ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

اتفاق غاز جديد بين تل أبيب والقاهرة.. مكاسب اقتصادية ومخاطر استراتيجية على مصر

31 يوليو 2026
محطة الغاز
توقع مصر صفقة غاز جديدة مع إسرائيل (Getty)
عماد عنان عماد عنان

وقّعت شركة "إسرامكو النقب 2" الإسرائيلية، إلى جانب شركة "مبادلة للطاقة تمار"، مذكرة تفاهم غير ملزمة لتصدير ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل "تمار" إلى مصر، في صفقة قد تصل قيمتها إلى نحو 20 مليار دولار.

ومن المقرر أن تمتد فترة التوريد من عام 2031 حتى عام 2038، مع إمكانية تمديدها تلقائيًا حتى نهاية عام 2043، بحسب ما نشرته مجلة "ميس"، المتخصصة في شؤون الطاقة والنفط والغاز في الشرق الأوسط.

ويمنح وجود شركة "مبادلة للطاقة تمار"، التابعة لحكومة أبوظبي والمالكة حصة قدرها 11% من حقل "تمار"، الصفقة بُعدًا إقليميًا؛ إذ لم يعد التعاون في هذا الملف محصورًا في الإطار المصري–الإسرائيلي، بل اتسع ليشمل شبكة من المصالح تضم شركات خليجية ودولية، من بينها شركة "شيفرون".

ويأتي هذا الاتفاق بعد نحو عام من الصفقة التي أُبرمت في آب/أغسطس 2025، وتضمنت تصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، بقيمة تُقدّر بنحو 35 مليار دولار حتى عام 2040. وقد وصفتها تل أبيب آنذاك بأنها "أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل"، وفقًا لتصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين.

تفاصيل الصفقة

تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الاتفاق المزمع لا يزال في إطار مذكرة تفاهم غير ملزمة، ما يعني أنه لم يُوقَّع بصورته النهائية بعد، غير أن التفاصيل الدقيقة التي كشفتها التقارير الواردة، توحي بأن الاتفاق بلغ مراحله الأخيرة، ولم يعد يفصله عن التنفيذ سوى استكمال الإجراءات والتوقيع الرسمي بين الأطراف المعنية.

وينص الاتفاق الحالي، وفقًا لما جرى تسريبه، على توريد شركة "إسرامكو" نحو 80 مليار متر مكعب من الغاز من حقل "تمار"، خلال الفترة الممتدة من عام 2031 حتى نهاية عام 2038، مع إمكانية تمديده تلقائيًا حتى نهاية عام 2043، حال تمديد امتياز إنتاج الحقل، ومن المقرر أن تبدأ عمليات التوريد بكميات سنوية محدودة في عام 2031، بالتزامن مع استمرار تنفيذ العقود السابقة، ثم ترتفع الكميات تدريجيًا مع اقتراب تلك العقود من نهايتها.

لا يمكن قراءة هذه النوعية من الاتفاقيات الاستراتيجية بمعزل عن سياقها العام، وهنا تبرز دلالة التوقيت؛ إذ يصعب التعاطي مع التوسع المصري في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي من زاوية اقتصادية بحتة، أو اعتباره مجرد انعكاس للنهج البراغماتي الذي يدعو إليه البعض

وتشير مجلة "ميس" إلى أن توريد الكمية المتفق عليها، والمقدرة قيمتها بنحو 20 مليار دولار، يتطلب انضمام جميع شركاء حقل "تمار"؛ إذ تمتلك شركتا "إسرامكو" و"مبادلة للطاقة"، الموقعتان على مذكرة التفاهم، نحو 39.75% فقط من حقوق الحقل، وهي حصة لا تكفي وحدها للوفاء بالكميات المطلوب توريدها. 
وتتوزع ملكية الحقل بين "إسرامكو" الإسرائيلية بنسبة 28.75%، و"شيفرون ميديتيرانيان" التابعة لمجموعة "شيفرون" الأميركية بنسبة 25%، و"تمار بتروليوم" الإسرائيلية بنسبة 16.75%، و"مبادلة للطاقة تمار" الإماراتية بنسبة 11%، و"تمار إنفستمنت 2" الإسرائيلية بنسبة 11%، و"دور لاستكشاف الغاز" الإسرائيلية بنسبة 4%، و"يونيون إنرجي آند سيستمز 2" الإسرائيلية بنسبة 3.5%.

وقدّرت المجلة متوسط السعر المحقق طوال فترة الاتفاق بنحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى من السعر الذي دفعته مصر مقابل الغاز المستورد من حقلي "تمار" و"ليفياثان" خلال عام 2025، والمقدر بنحو 5.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

كما ينص الاتفاق على احتساب سعر الغاز وفق معادلة مرتبطة بسعر خام برنت، مع وضع حد أدنى للسعر، إلى جانب إلزام مصر بسداد قيمة حد أدنى من الكميات المتعاقد عليها، حتى في حال عدم تسلُّمها كاملة، وفقًا للشروط التي ستحددها الاتفاقية النهائية.

ولم تحدد المجلة موعدًا محتملًا للموافقة الرسمية على الصفقة، لكنها ألمحت إلى إمكانية تأجيل إتمامها إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وفي الوقت نفسه، حذرت الشركة الإسرائيلية من عدم وجود ضمانات بشأن توقيع العقد النهائي أو استيفاء شروطه أو تحقق تقديرات الكميات والإيرادات. 



ورغم أن "ميس" لم تكشف هوية الشريك المصري في الصفقة، فإن صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أشارت إلى أن الطرف المصري هو شركة "بلو أوشن إنرجي"، التي تأسست عام 2021 بهدف أن تصبح المستورد الرئيسي للغاز من حقلي "تمار" و"ليفياثان" بموجب عقود طويلة الأجل تمتد حتى عام 2040، وهي الشركة ذاتها التي وقّعت عقد عام 2025 في خضم الحرب على قطاع غزة.

ليست الأولى

تُعد الصفقة المرتقبة الثالثة ضمن سلسلة من الاتفاقات طويلة الأجل لتصدير الغاز من حقل "تمار" إلى مصر؛ إذ وُقّعت الصفقة الأولى في شباط/فبراير 2018، ونصّت على توريد 32 مليار متر مكعب من الغاز، بقيمة تقديرية بلغت 7.5 مليارات دولار، قبل أن تُعدَّل في تشرين الأول/أكتوبر 2019، لتُخفض الكمية المتفق عليها إلى 25.3 مليار متر مكعب، على مدى 14 عامًا ونصف العام.

أما الصفقة الثانية، فأُبرمت في شباط/فبراير 2024، لتوريد 43 مليار متر مكعب إضافية خلال عشر سنوات، على أن ترتبط زيادة الإمدادات باستكمال خط أنابيب "نيتسانا"، وتوسعة مسار خط الغاز العربي عبر الأردن، إلى جانب خط الأنابيب البحري الواصل بين أشدود وعسقلان، الذي اكتمل في تموز/يوليو الجاري.

ماذا تريد القاهرة؟

تنطلق القاهرة في إبرام مثل هذه الصفقات للحصول على الغاز الإسرائيلي انطلاقًا من أزمة الطاقة التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات الاستهلاك، وهو ما دفع الحكومة إلى التوجه نحو الاستيراد من الخارج، ليصبح الغاز الإسرائيلي أحد أبرز مصادر الإمدادات، رغم توافر بدائل أخرى قد تكون أقل كلفة من الناحيتين السياسية والاستراتيجية.

ولا يُعد ارتفاع الاستهلاك وتراجع الإنتاج السبب الوحيد وراء لجوء مصر إلى الغاز الإسرائيلي، بل يرتبط الأمر أيضًا برغبة القاهرة في الوفاء بالتزاماتها التصديرية الخارجية، وسعيها إلى ترسيخ موقعها مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز وتسييله عبر محطاتها، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.

غير أن هذا الطموح قد يصطدم بإمكانية توظيف إسرائيل ورقة الغاز من حين إلى آخر، وفقًا للتطورات الإقليمية ومسار العلاقات السياسية بين البلدين، وهو ما قد يفرض تحديات وعقبات مؤثرة أمام استمرارية هذا الدور ويجعل أمن الإمدادات المصرية عرضةً للتقلبات والضغوط السياسية.

وماذا عن الكيان الإسرائيلي؟

أما الجانب الإسرائيلي، فيُعد المستفيد الأكبر من هذه الصفقات بطبيعة الحال؛ إذ تضمن لإسرائيل سوقًا ضخمة ومستقرة لتصريف إنتاجها من الغاز على مدى عقود مقبلة، متجاوزةً بذلك معضلة لطالما شكّلت تحديًا حقيقيًا أمام صانع القرار الإسرائيلي، كما توفر هذه الصفقات تدفقات دولارية مستمرة لسنوات طويلة، بما يسهم في إنعاش الخزانة الإسرائيلية ودعم الاقتصاد.

وتسمح هذه الاتفاقيات كذلك بترسيخ الحضور الإسرائيلي في المنطقة بوصف إسرائيل مركزًا إقليميًا للغاز وأحد اللاعبين المؤثرين في سوق الطاقة، وهو ما يمنحها ثقلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متزايدًا، ويخدم طموحاتها القديمة في التحول إلى حلقة وصل محورية على خريطة الطاقة العالمية.

ومن جانب آخر، تسهم مثل هذه الصفقات في تعزيز ارتباط الاقتصاد المصري بمصادر الطاقة الإسرائيلية، وهو اعتماد قد يتحول مستقبلًا إلى ورقة نفوذ وضغط تمتلكها تل أبيب، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في بعض الحسابات والمواقف المصرية المرتبطة بالقضايا والملفات الإقليمية.

الفصل بين السياسة والاقتصاد

تشير القراءة الأولية لمثل هذه الاتفاقيات المبرمة بين القاهرة وتل أبيب، رغم التباين في وجهات النظر السياسية بشأن الحرب على غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة، إلى أن العلاقات بين الطرفين انتقلت من مرحلة "السلام البارد" إلى مستوى أعمق من التعاون الاقتصادي وترابط المصالح.

كما تكشف هذه الاتفاقيات عن اتساع مساحة القواسم والمصالح المشتركة بين البلدين مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل استمرار التعاون في عدد من الملفات الحيوية، فإلى جانب قطاعي الغاز والطاقة، تمتد مجالات التعاون لتشمل أمن الحدود، وترتيبات الأوضاع في سيناء، وإدارة معبر رفح، فضلًا عن التنسيق الأمني في منطقة شرق المتوسط.

ومن خلال المضي قدمًا في هذا الاتفاق، تبعث القاهرة برسالة واضحة إلى تل أبيب مفادها قدرتها على الفصل بين الخلافات السياسية المرتبطة بالحرب على غزة وبين المصالح الاقتصادية البراغماتية مع إسرائيل، وهي المعادلة التي تبنّتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط في إدارة علاقتها مع إسرائيل، وإنما أيضًا في صياغة العديد من علاقاتها الخارجية القائمة على المصالح المتبادلة.

التوقيت مثير للجدل

لا يمكن قراءة هذه النوعية من الاتفاقيات الاستراتيجية بمعزل عن سياقها العام، وهنا تبرز دلالة التوقيت؛ إذ يصعب التعاطي مع التوسع المصري في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي من زاوية اقتصادية بحتة، أو اعتباره مجرد انعكاس للنهج البراغماتي الذي يدعو إليه البعض.

ويأتي هذا التوجه في توقيت بالغ الحساسية، تتزايد فيه الضغوط التي تفرضها السياسات الإسرائيلية على الأمن القومي المصري شرقًا وجنوبًا، في ظل التحركات الإسرائيلية في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وإثيوبيا والصومال، وما تثيره من مخاوف مرتبطة بالأمن المائي والمصالح الاستراتيجية المصرية.

ويُضاف إلى ذلك استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، وتعطيل مسار الاتفاقات التي تضطلع القاهرة بدور أساسي في رعايتها وضمان تنفيذها، ومن ثم، تتجاوز دلالات هذه الصفقة حسابات الطاقة والتكلفة، لتفتح الباب أمام قراءات سياسية وأمنية واستراتيجية أوسع تتعلق بطبيعة العلاقات بين الطرفين وحدود الفصل بين المصالح الاقتصادية والخلافات الإقليمية.

مما يتخوف المصريون؟

تثير مثل هذه الاتفاقيات، التي تزيد اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي، مخاوف واسعة لدى قطاع كبير من المصريين، ممن يرون أن هذا التوجه قد يمثل سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن أن يتحول في أي وقت إلى نقطة ضعف وورقة ضغط تستخدمها تل أبيب ضد القاهرة لتحقيق أهداف سياسية مستقبلية.

ويرى أصحاب هذا التخوف أن استمرار ارتباط السوق المصرية بالغاز الإسرائيلي لنحو 18 عامًا، من عام 2025 حتى عام 2043، وفقًا للاتفاقيات القائمة والمقترحة، يمثل ثغرة استراتيجية قابلة للتوظيف سياسيًا.

ويستندون في ذلك إلى ما جرى خلال الحرب على غزة، حين لوّحت الحكومة الإسرائيلية، في أكثر من مناسبة، بتقليص إمدادات الغاز إلى مصر أو وقفها تحت ذرائع مختلفة، فضلًا عن الحديث عن إعادة تقييم الاتفاقات القائمة، وهو ما كان يتعين على القاهرة، بحسب هذا الرأي، استخلاص الدروس منه، بدلًا من توسيع دائرة اعتمادها على الغاز الإسرائيلي.

كلمات مفتاحية
تلة علي الطاهر جنوبي لبنان

هل سقطت تلة علي الطاهر بيد إسرائيل في جنوبي لبنان؟

ما أهمية مرتفعات علي الطاهر التي ادعت إسرائيل السيطرة عليها؟

الحوثيين

تصعيد عسكري غربي تعز.. هل يعيد رسم حسابات باب المندب في اليمن؟

تشهد الجبهات الغربية لمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، تصعيدًا عسكريًا هو الأشد منذ سنوات

حقل نفط في فنزويلا

هل تعيد واشنطن إنتاج نموذجها القديم في فنزويلا؟

بعد أشهر من التدخل الأميركي في فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بدأت ملامح المرحلة التالية تتضح بصورة أكبر

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة