اتهامات فساد تلاحق عائلة رئيس الوزراء الإسباني.. لماذا انفجرت القضية الآن؟
30 مايو 2026
يواجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز صيفًا سياسيًا طويلًا وصعبًا، مع مثول قضايا فساد تتعلق بشقيقه وزوجته وسلفه خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو أمام القضاء خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
الزعيم الاشتراكي، الذي وصل إلى السلطة قبل ثمانية أعوام بعدما استخدم تصويتًا بحجب الثقة لإسقاط حكومة الحزب الشعبي المحافظ الغارقة في قضايا فساد، أكد عدم وجود أي مخالفات ارتكبتها عائلته. كما دافع عن ثاباتيرو وحقه في قرينة البراءة.
لكن مع اتهام اثنين من أبرز مساعديه السابقين بقضايا فساد أيضًا، ومنع المدعي العام السابق من ممارسة مهامه لمدة عامين بعد إدانته بتسريب معلومات سرية، يواجه سانشيز تحديات كبيرة قبل الانتخابات العامة المقررة العام المقبل.
ماذا يحدث مع شقيق سانشيز؟
يمثل ديفيد سانشيز، الشقيق الأصغر لرئيس الوزراء، أمام المحكمة في منطقة إكستريمادورا جنوب غربي إسبانيا الخميس، بتهم تتعلق باستغلال النفوذ وإساءة استخدام المنصب العام. ويواجه عشرة أشخاص آخرين التهم نفسها.
وتعود القضية إلى شكوى رفعتها منظمة "الأيدي النظيفة"، وهي نقابة تصف نفسها بأنها مستقلة لكنها مرتبطة باليمين المتطرف، ولها تاريخ طويل في استخدام المحاكم لملاحقة من تعتبرهم تهديدًا للمصالح الديمقراطية الإسبانية.
وبحسب الشكوى، حصل ديفيد سانشيز على وظيفة "مفصلة خصيصًا له" من قبل المجلس البلدي الاشتراكي في مدينة بطليوس عام 2017، حين لم يكن شقيقه زعيم حزب العمال الاشتراكي الإسباني قد أصبح رئيسًا للوزراء بعد.
وينفي ديفيد سانشيز الاتهامات، لكنه قد يواجه عقوبة السجن ثلاث سنوات إذا أدين.
من حيث التوقيت، تأتي هذه الدعوات المرتبطة بقضايا الفساد والمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، في وقت وصلت فيه العلاقات بين إسبانيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى واحدة من أسوأ مراحلها
وماذا عن زوجته؟
وجدت بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الوزراء، نفسها أيضًا أمام القضاء نتيجة شكوى رفعتها نفس المنظمة. وفي الشهر الماضي، وجه قاضٍ في مدريد إلى غوميز اتهامات باختلاس الأموال واستغلال النفوذ والفساد في المعاملات التجارية وسوء استخدام الأموال، بعد تحقيق استمر عامين.
واتُهمت غوميز باستخدام نفوذها بصفتها زوجة رئيس الوزراء للحصول على منصب في جامعة كومبلوتنسي بمدريد وإدارته، إضافة إلى استخدام الموارد العامة والعلاقات الشخصية لخدمة مصالحها الخاصة.
كما وجه القاضي خوان كارلوس بينادو اتهامات إلى مساعدة غوميز الشخصية كريستينا ألفاريث ورجل الأعمال خوان كارلوس بارابيس على خلفية القضية. وينفي جميع المتهمين ارتكاب أي مخالفات. ومن المقرر أن تمثل غوميز أمام القاضي في جلسة تمهيدية في 9 حزيران/يونيو.
لماذا يخضع ثاباتيرو للتحقيق؟
وُضع ثاباتيرو، الذي تولى رئاسة الحكومة بين عامي 2004 و2011 ولا يزال يُعد رمزًا لليسار الإسباني، قيد التحقيق بتهم تتعلق باستغلال النفوذ وجرائم أخرى، ضمن تحقيق بشأن خطة إنقاذ حكومية لشركة طيران مرتبطة بفنزويلا خلال جائحة كورونا.
ويأتي التحقيق ضمن مراجعة لعملية إنقاذ حكومية بقيمة 53 مليون يورو لشركة الطيران الإسبانية "بلس ألترا" في آذار/مارس 2021.
ويبحث المدعون فيما إذا كانت الشركة استخدمت الأموال العامة بطريقة "غير ملائمة"، بينما تحقق شرطة مكافحة الفساد في احتمال استخدام أموال خطة الإنقاذ لغسل أموال فنزويلية عبر فرنسا وسويسرا وإسبانيا.
وبحسب قاضي التحقيق، يُشتبه في أن ثاباتيرو أشرف على "هيكل هرمي لاستغلال النفوذ" هدفه "تحقيق مكاسب اقتصادية عبر الوساطة وممارسة النفوذ أمام الهيئات العامة لصالح أطراف ثالثة، خصوصًا شركة بلس ألترا".
وأكد ثاباتيرو براءته واستعداده للتعاون مع التحقيق، ومن المقرر أن يدلي بشهادته أمام المحكمة الجنائية العليا الإسبانية يومي 17 و18 حزيران/يونيو.
الدعوة إلى انتخابات مبكرة
في حزيران/يونيو من العام الماضي، أمر سانشيز سانتوس سيردان، أمين التنظيم في حزب العمال الاشتراكي الإسباني وأحد أبرز مساعديه، بالاستقالة بعدما قال قاضٍ في المحكمة العليا إنه وجد "أدلة قوية" على احتمال تورطه في الحصول على عمولات مقابل عقود إنشاءات عامة. وينفي سيردان ارتكاب أي مخالفات.
وترتبط قضية سيردان بقضيتين أخريين لرجلين كانا مقربين سابقًا من سانشيز، بحسب ما ذكرت الغاردين. ويُتهم وزير النقل السابق، إلى جانب مساعده السابق كولدو غارسيا ورجل الأعمال فيكتور دي ألداما، بالحصول على عمولات مقابل عقود عامة لتوريد معدات صحية خلال جائحة كورونا.
والأربعاء، دخل عناصر من شرطة مكافحة الفساد، الذين يحققون في مخطط مزعوم لعرقلة الإجراءات القضائية ضد الحزب الاشتراكي أو الحكومة، إلى مقر الحزب في مدريد بحثًا عن وثائق.
في بيان صدر بعد عمليات التفتيش، أكد حزب العمال الاشتراكي الإسباني أنه سيواصل "اتباع موقف يقوم على أقصى درجات التعاون مع القضاء والاحترام الكامل للإجراءات القضائية".
أما سانشيز، فرفض الدعوات لإجراء انتخابات عامة مبكرة، معتبرًا أن إسبانيا تحتاج إلى "الاستقرار".
لكن خصومه السياسيين، الذين يرون أن الأزمة تتفاقم مجددًا، يضغطون من أجل تقديم موعد الانتخابات المقررة العام المقبل.
وقال زعيم الحزب الشعبي المحافظ ألبرتو نونييث فيخو الأربعاء: "الخيار الوحيد المتبقي هو السماح للإسبان بالتعبير عن رأيهم الآن. لم يعد بإمكاننا تحمل هذا الوضع".
بدوره، قال زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال: "لا يمر أسبوع أو يوم أو حتى ساعة من دون ظهور تفاصيل جديدة عن المافيا التي تحكم إسبانيا... يجب إيقافهم وتقديمهم إلى القضاء".
لماذا الآن؟
ومن حيث التوقيت، تأتي هذه الدعوات المرتبطة بقضايا الفساد والمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، في وقت وصلت فيه العلاقات بين إسبانيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى واحدة من أسوأ مراحلها، نتيجة رفض مدريد لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة والعدوان على لبنان والهجوم على إيران.
ويبدي رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز انتقادات علنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، كما برزت انتقادات واسعة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه سانشيز.
وهدد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ووقف التعاملات الاقتصادية معها، واصفًا موقف مدريد بأنه "سيئ جدًا"، بعدما منعت الحكومة الإسبانية استخدام القواعد والأجواء الإسبانية من قبل القوات الأميركية في أي هجوم على إيران.
ومن زاوية أخرى، تتميز علاقة اليمين المتطرف الإسباني، المتمثل أساسًا بحزب فوكس بقيادة سانتياغو أباسكال، بتحالف وثيق مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتماهي مع توجهات المحافظين في واشنطن وتل أبيب، ما يضعه في تضاد واضح مع السياسة الخارجية للحكومة الإسبانية اليسارية الحالية.
وشهدت العلاقة بين حزب فوكس وإسرائيل زيارات ولقاءات مباشرة، كان أبرزها لقاء أباسكال مع نتنياهو في القدس، حيث أشاد بما وصفه بـ"حزم" إسرائيل في الدفاع عن نفسها، معتبرًا أن سانشيز لا يمثل الشعب الإسباني في مواقفه المناهضة لتل أبيب.
كما أعلن حزب فوكس أنه سيعمل على إلغاء اعتراف إسبانيا بالدولة الفلسطينية في حال وصوله إلى السلطة، معتبرًا أن خطوة الحكومة الاشتراكية تمثل "مكافأة للإرهاب"، ومحاولة للتغطية على قضايا الفساد التي تحيط بالحكومة الإسبانية.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد أدان تصرفات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، واصفاً المشاهد والانتهاكات التي مارسها بحق ناشطي "أسطول الصمود العالمي" المتجه إلى غزة بأنها مروعة وغير مقبولة ولا إنسانية. وجاء موقف سانشيز الحاد عقب قيام بن غفير بنشر مقطع فيديو يظهره وهو يهين ويتهكم على النشطاء الدوليين المحتجزين بعد تكبيل أيديهم وإجبارهم على الركوع.
وأكد سانشيز في تصريحات رسمية عبر حسابه على منصة "إكس" أن مدريد لن تتسامح مع أي شخص يسيء معاملة مواطنيها أو يمتهن كرامتهم. وكشف رئيس الوزراء الإسباني أن حكومته اتخذت قراراً وطنياً حازماً بمنع بن غفير من دخول الأراضي الإسبانية، معلناً أن إسبانيا ستدعو بروكسل بشكل عاجل لرفع هذه العقوبات إلى المستوى الأوروبي الشامل وفرض حظر سفر موحد يمنعه من دخول كافة دول الاتحاد الأوروبي.
ويذكر أن اللوبي الصهيوني في إسبانيا، يعمل عبر أذرع مثل "الرابطة الإسبانية من أجل إسرائيل" تعزيز نفوذه في مدريد بالاعتماد على تحالفات وثيقة مع حزبي الشعب واليمين المتطرف "فوكس"، التي تستهدف حاليًا سانشيز، إلى جانب شخصيات اقتصادية نافذة. ويتركز جهده الحالي على محاصرة حركة التضامن مع فلسطين، والضغط القانوني والإعلامي لإحباط قرارات المقاطعة، ومواجهة اعتراف الحكومة الاشتراكية بدولة فلسطين، من خلال ملاحقة النشطاء والمؤسسات المؤيدة للقضية قضائياً وعزلهم في المشهد العام.
تقرؤون المزيد في: كيف عززت مواجهة ترامب موقع بيدرو سانشيز داخل إسبانيا؟