ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

ارتفاع أسعار الوقود رغم انخفاض النفط: ما السر وراء سياسات التسعير في مصر؟

17 أكتوبر 2025
زيادة في أسعار المحروقات
ارتفاع أسعار المحروقات يثقل كاهل المواطن المصري (وسائل التواصل الاجتماعي)
عماد عنانعماد عنان

في خطوة فاجأت الشارع المصري وأثارت موجة من التساؤلات والانتقادات، أعلنت الحكومة المصرية، ممثلة بوزارة البترول والثروة المعدنية، عن زيادة جديدة في أسعار الوقود، هي الأضخم منذ سنوات، لتفتح بابًا جديدًا من الجدل حول جدوى سياسات التسعير وعبء القرارات الاقتصادية على المواطن.
فبين ليلة وضحاها، قفز سعر لتر "بنزين 95" من 19 إلى 21 جنيهًا، و"بنزين "92 من 17.25 إلى 19.25 جنيهًا، بينما لحق به "بنزين 80" الذي ارتفع من 15.75 إلى 17.75 جنيهًا، أما السولار، شريان النقل والإنتاج، فقد زاد سعره من 15.5 إلى 17.5 جنيهًا للتر، في حين لم تسلم أسطوانة الغاز المنزلي من موجة الارتفاع لتقفز هي الأخرى من 200 إلى 225 جنيهًا.

حاول البيان الرسمي الصادر عن الوزارة إضفاء طابع "الاستقرار" على القرار، بالإشارة إلى أن الأسعار ستُثبّت لمدة عام كامل داخل السوق المحلي "كحد أدنى"، وكأن تثبيت الأسعار المرتفعة يعدّ منحة للمواطن أو بشارة خير وسط واقع اقتصادي يضيق به الخناق يومًا بعد يوم.

وللمفارقة، تأتي هذه الزيادة لتكون رقم 20 في سلسلة لا تنتهي من قرارات الرفع منذ إنشاء لجنة "التسعير التلقائي" عام 2019، ورغم الوعود المتكررة بضبط الأسعار وربطها بتحركات النفط العالمية، فإن تراجع أسعار الخام مؤخرًا لم يترك أثرًا يُذكر في السوق المحلية، وكأن المعادلة لا تعرف سوى اتجاهٍ واحد: الصعود.

أما المواطن، فكان على موعد جديد مع الصدمة، إذ لم تعد الأخبار الاقتصادية تحمل له سوى أعباء إضافية تلتهم دخله المحدود، فالارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود لا تظل حبيسة محطات البنزين، بل تمتد كالنار في الهشيم إلى كل سلعة وخدمة، من المواصلات إلى الغذاء، ومن الفاتورة الشهرية إلى أبسط ضروريات الحياة.

 تأتي هذه الزيادة لتكون رقم 20 في سلسلة لا تنتهي من قرارات الرفع منذ إنشاء لجنة "التسعير التلقائي" عام 2019

زيادات على أي أساس؟

في قراءة تحليلية منهجية لوقائع السوق والسياسات الاقتصادية، يوضح الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود تبدو متناقضة مع مؤشرات عالمية ومحلية واضحة، ما يثير السؤال حول الأسس الاقتصادية الحقيقية التي اعتمدت عليها السلطات عند اتخاذ القرار.

أول المؤشرات اللافتة هو التراجع المتواصل في أسعار النفط على المستوى الدولي منذ مطلع العام، ومع توقعات بمواصلة الهبوط نتيجة زيادة إنتاج تحالف "أوبك+ " وتراجع المخاطر الجيوسياسية وتسويات نسبية لبعض النزاعات، تصبح الزيادة المحلية في أسعار الوقود قرارًا منفصلًا عن ديناميكا العرض والطلب العالمية، ويفقد حجة ربط التسعير بحركة خام النفط جزءًا كبيرًا من مصداقيتها.

ثانيًا، يشير عبد السلام إلى وجود فجوة جوهرية بين سعر النفط الفعلي في السوق وأسعر النفط المفترض في موازنة الدولة للعام المالي الحالي، حيث تقل الأسعار الحالية بنحو 20% عن توقعات الموازنة، وما يعنيه ذلك من أثرٍ مباشر على موقف المالية العامة.

فبدلًا من تكبّد عبء إضافي، كان من المتوقع أن تنتج حالة وفرة مالية نسبية أو على الأقل تخفيفًا للضغوط على الموازنة حال تبلور هذا الفارق. وهذا يضع تساؤعًا حول ضرورة أو مبرر رفع أسعار الطاقة في وقت يُفترض فيه أن تتحسّن مداخل الخزانة العامة.

ثالثًا، يرفع الخبير قضية تحرّك أسعار صرف الدولار، مشيرًا إلى انخفاضٍ ملحوظ على المستوى العالمي، مما يخفّض تكلفة الاستيراد ويؤثر على تسعير السلع المتصلة بالدولار، وفي الوقت نفسه هبوط الدولار مقابل الجنيه في السوق المحلية بنسبٍ ملموسة يزيد من السؤال حول العلاقة بين سعر الصرف وتكلفة الوقود، إذ إن النفط والوقود يسعران دوليًا بالدولار، وأي انخفاض للعملة الخضراء يجب أن ينعكس، منطقياً، على كلفة الوقود المحلية أو على الأقل يضع سقفًا لضغط الارتفاع.

من ثمّة، وبتركيب هذه المؤشرات، يخلص عبد السلام إلى استنتاج حاسم: أن قرار زيادة أسعار البنزين والسولار بنسب تصل إلى نحو 13% لا يستند إلى قراءات سوقية واضحة أو إلى عوامل خارجية ضاغطة تحتم الرفع، بل يبدو معزولًا عن المؤشرات التي تشير إلى ضغوط هبوطية لكل من النفط والدولار، وهذا يطرح أسئلة منهجية حول شفافية آليات التسعير والتوقيت السياسي والاقتصادي للقرارات ذات الأثر الاجتماعي الواسع.

حكومة مدبولي.. الأثر الأسوأ على سعر الصرف والمحروقات

في قراءة متفحّصة للأرقام والمؤشرات التي ساقها الباحث الاقتصادي مصطفى عادل، يتبنّى الطرح استنتاجًا صارخًا: أن حكومة مصطفى مدبولي شهدت، خلال فترة ولايتها الممتدة، تدهورًا استثنائيًا في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، وهو تدهور يفوق أي تجربة معروفة في التاريخ الاقتصادي المصري الحديث.

يبدأ الدليل الزمني من لحظة تسلّمه رئاسة الوزراء في 14 حزيران/يونيو 2018، حيث كان سعر الصرف يقف عند نحو 17.84 جنيهًا للدولار، وسعر خام برنت يقدَّر بحوالي 62.45 دولارًا للبرميل. حينذاك كانت أسعار المحروقات المحلية منخفضة إلى حد كبير مقارنة باليوم: "بنزين 80" عند 3.65 جنيه/لتر، "بنزين 92" عند 5.00 جنيه/لتر، "بنزين 95" عند 6.60 جنيه/لتر، والسولار عند 3.65 جنيه/لتر.

ولكن بعد نحو 2681 يومًا من هذه النقطة المرجعية، تبدو الصورة مختلفة جذريًّا: برميل النفط تقريبًا عند نفس مستواه (حوالي 61 دولارًا)، فيما صار سعر صرف الدولار قريبًا من 48 جنيهًا، أي زيادة تقارب 170% (نحو 30 جنيهًا للدولار). هذه القفزة المتصاعدة في سعر الصرف ترافقها تآكل حادّ في القوة الشرائية للجنيه، التي قُدِّرت بتدهور يبلغ نحو 75%، ما يضع عبئًا ثقيلًا على قدرة الأسر والأنشطة الاقتصادية المحلية.

أما على صعيد أسعار الطاقة المنزلية والتشغيلية فقد شهدت زياداتٍ هيمن عليها الطابع التضاعفي: ارتفاعات بنسبة تقارب 368% لـ"بنزين 80"، و285% لـ"بنزين 92"، و218% لـ"بنزين 95"، و380% للسولار.

وفي ضوء أن سعر البرميل الدولي ظلّ مستقرًا تقريبًا، فإن هذه الزيادات المحلية الكبيرة لا يمكن اختصارها فقط في تحوّلات سوق النفط العالمية، بل تستدعي تفسيرًا يربطها بعوامل داخلية في السياسات النقدية والمالية لم تُترجم نتائجها لصالح استقرار القدرة الشرائية للمواطن أو لتهدئة أسعار السلع والخدمات.

من هذا المنطلق يخلص عادل إلى وصف قاس: أن هذه الحكومة هي، بالمعايير الموضوعية للأرقام والمؤشرات، الأكثر تأثيرًا سلبًا على سعر الصرف وتكاليف المحروقات والطاقة والدين العام في التاريخ الحديث لمصر. 

وهذه النتيجة تفتح بابًا واسعًا من الأسئلة المنهجية والسياسية عن أسباب التباين بين ثبات أسعار السلع الدولية وانفجارها محليًا، وعن آليات إدارة الاقتصاد الكلي التي اتبعَتْها السلطة خلال السنوات الماضية، وعن تكاليف التحوّلات الاقتصادية على فئات المجتمع الأضعف.

تراجع أسعار النفط عالميًا منذ مطلع العام، مع توقعات بمزيد من الهبوط، يجعل أي زيادة محلية في أسعار الوقود قرارًا منفصلًا عن ديناميكا السوق العالمية

المواطن يدفع الثمن دائمًا

بعيدًا عن كل ما تروّجه الحكومة من أسباب ومبررات لقرارها الأخير برفع أسعار المحروقات، يبقى الواقع أكثر وضوحًا من أي بيان، فالزيادة لن تتوقف عند البنزين أو السولار، بل ستتسلل إلى كل زاوية من حياة المصريين، لتصيب سلاسل الإنتاج والنقل والتوزيع، وتنعكس في النهاية على فاتورة المواطن، ذاك الذي صار يتحمّل وحده تبعات كل "إصلاح اقتصادي" يُعلن عنه من فوق.

في سوق الخضروات بحيّ شعبي في القاهرة، يقف أحمد سالم، تاجر في الأربعين من عمره، وهو يراقب الوجوه المتوجسة لزبائنه، يقول بنبرة يغلبها الإحباط: "السولار هو عصب النقل، وكل شاحنة أو سيارة نقل بتتحرك بالسولار، لما سعره يعلى، طبيعي كل حاجة تعلى معاه".

ويوضح في حديثه لـ "الترا صوت" أن تأثير الزيادة بدأ فعلًا قبل صدور القرار الرسمي، إذ بادر بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تراوحت بين 10 و25 %، وهي "هذه نسبة قاتلة بالنسبة للأشخاص الذين دخلهم ثابت أو يتناقص يومًا بعد يوم".

أما أم محمد، ربة منزل وأم لثلاثة أبناء، فتتحدث بوجع بسيط لكنه عميق: "كل مرة يعلنون عن زيادة أسعار البنزين ويقولون إنها لن تؤثر علينا، لكن الحقيقة أن ذلك يؤثر على كل شيء: الطعام والشراب والملابس، وحتى وسائل المواصلات".

تروي أنها فوجئت بارتفاع أسعار البقوليات والدواجن والأسماك في اليوم نفسه الذي علمت فيه، من التجار أنفسهم، بخبر الزيادة، " قالوا لي إن البنزين غالٍ، ومن الطبيعي أن ترتفع الأسعار… حتى وإن كانت بعض السلع لا علاقة لها بالنفط".

ثم بصوت متكسر من الإنهاك، وجهت أم محمد عبر "الترا صوت" نداءً مؤلمًا: "ارحمونا… لم نعد قادرين على العيش. أنا وأولادي نحسب كل لقمة، قلّلنا الطعام، وقلّلنا اللباس، وقلّلنا كل ما يمكن تقليله".

وتستعيد بصوتٍ حزين كيف كانت قبل سنوات تُعد من الطبقة المتوسطة، "أصبحنا الآن محسوبين على محدودي الدخل، وأخشى أن أكون بعد سنة أو سنتين تحت خط الفقر".

في وجوه أحمد وأم محمد وآلاف مثلهم، تتجلى القصة الحقيقية لقرار اقتصادي يبدو في ظاهره "فنيًا" واضطراريًا في ضوء التحديات الإقليمية والدولية الأخيرة، لكنه في عمقه يمسّ تفاصيل الحياة اليومية، طعام الناس، كرامتهم، وأمانهم الاجتماعي، فحين تتحدث الحكومة عن أرقام ونسب، يتحدث الناس عن وجبات ناقصة، وأطفال ينتظرون مصروفًا لم يعد يأتي، وأحلام كانت بسيطة… ثم باتت مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

كلمات مفتاحية
فيضانات آسفي

فيضانات آسفي تكشف هشاشة البنية التحتية وإهمال المسؤولين

فيضانات حولت مدينة آسفي إلى مأتم مفتوح

النزوح في السودان

تراجع النزوح الناتج عن الكوارث الطبيعية في السودان وسط أزمة إنسانية معقدة

مع دخول السودان عامه الثالث من الحرب، تضاعفت معاناة المدنيين بسبب تداخل النزاع مع الكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق

كارثة فاس

فاس تحت الركام: كيف اغتال الفساد أحلام البسطاء في "الحق في السكن"؟

في ليلة كان يُفترض أن تكون موعدًا للاحتفاء بالحياة، تحوّلت "الحياة" نفسها إلى تهمة، والسكن الآمن إلى قبر جماعي مفتوح ابتلع أحلام أسرٍ بأكملها

قوات الدعم السريع في السودان
سياق متصل

هواجس مصرية من تمدد قوات الدعم السريع في غرب ووسط السودان

تنظر القاهرة بقلق بالغ إلى تمدّد قوات الدعم السريع في غرب ووسط السودان، بعد سيطرتها على كامل إقليم دارفور، وعلى عدد من المدن والمواقع في إقليم كردفان

جولة السفراء غلى جنوب لبنان
سياق متصل

سفراء في أنفاق جنوب لبنان: الجيش يوثّق الميدان ومهلة أميركية جديدة

لم يكن ما جرى يوم السبت في بلدة يانوح جنوب لبنان حدثًا عابرًا، إذ تدخّل الجيش اللبناني عقب إنذار إسرائيلي، ما حال دون تنفيذ الضربة الإسرائيلية

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd-2.png
فنون

مديحة الحيدري وذكرى أحمد علي.. فنانتان تمردتا على التقاليد المجتمعية في اليمن

عن مديحة الحيدري وذكرى أحمد علي

رويترز
علوم

وجبات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد: بداية عصر جديد في صناعة الأغذية

وجبات خفيفة مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد من خلايا نباتية ومخلفات فاكهة، تغيير مفهوم التغذية المستدامة وإعادة تعريف مستقبل الطعام