استخبارات أميركية تحذر من هجوم روسي.. هل يختبر بوتين "الناتو"؟
7 أغسطس 2026
كشفت تقييمات استخباراتية أميركية جديدة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يحاول اختبار مدى استعداد حلف شمال الأطلسي "الناتو" للدفاع عن أعضائه، عبر تنفيذ هجوم محدود على إحدى دول الحلف، في تحول عن تقديرات أميركية سابقة كانت تستبعد إقدام موسكو على استفزاز الناتو بصورة مباشرة بينما تستمر حربها في أوكرانيا.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، الجمعة، استنادًا إلى مسؤولين أميركيين، فإن السيناريوهات التي تبحثها أجهزة الاستخبارات لا تقتصر على غزو عسكري واسع، بل تتراوح بين هجمات إلكترونية وعمليات هجينة وهجمات تنفذها مجموعات مسلحة غير نظامية، وصولًا إلى توغل بري محدود داخل أراضي إحدى الدول الأعضاء في الناتو.
يذهب السيناريو الأكثر خطورة إلى احتمال تنفيذ القوات الروسية توغلًا بريًا محدودًا داخل أراضي إحدى الدول الأعضاء
نافذة زمنية تبدأ من خريف 2026
تشير التقييمات الأميركية الجديدة إلى أن بوتين قد يحاول القيام بخطوة من هذا النوع في فترة تبدأ من خريف عام 2026 وتمتد حتى عام 2029.
ولا تفترض التقديرات أن روسيا تستعد بالضرورة لشن حرب شاملة ضد الناتو، بل تركز بصورة أكبر على احتمال قيام موسكو بعملية صغيرة ومحسوبة بعناية، يكون هدفها اختبار رد فعل الحلف ودرجة استعداده للتعامل مع اعتداء لا يصل منذ اللحظة الأولى إلى مستوى غزو واسع وواضح.
وقد يكون أحد أهداف هذه الخطوة معرفة ما إذا كانت جميع الدول الأعضاء، وخصوصًا الولايات المتحدة، مستعدة للالتزام فعليًا بمبدأ الدفاع الجماعي عندما يكون الهجوم الروسي محدودًا أو غامضًا.
هجوم إلكتروني أو عملية هجينة أو توغل بري
تتضمن السيناريوهات التي وضعتها الاستخبارات الأميركية عدة أشكال محتملة للتحرك الروسي.
أحد السيناريوهات يتمثل في شن هجوم إلكتروني واسع على دولة عضو في الناتو، بما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان الهجوم يرقى إلى مستوى يستوجب تفعيل الدفاع الجماعي.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بعملية هجينة يمكن أن تستخدم خلالها روسيا مجموعات مسلحة أو عناصر لا تحمل شارات عسكرية روسية واضحة، بطريقة تشبه التكتيكات التي سبق أن ارتبطت بموسكو في عمليات سابقة.
ويذهب السيناريو الأكثر خطورة إلى احتمال تنفيذ القوات الروسية توغلًا بريًا محدودًا داخل أراضي إحدى الدول الأعضاء، من دون تحويله فورًا إلى حرب واسعة النطاق.
وتكمن خطورة مثل هذه العمليات، وفق التصور الأميركي، في أنها قد تضع الحلف أمام موقف رمادي يصعب معه الاتفاق سريعًا على حجم الرد المناسب.
الهدف المحتمل: اختبار المادة الخامسة
يرتبط القلق الأميركي بصورة أساسية باحتمال أن يسعى بوتين إلى اختبار مصداقية المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تنص على أن الهجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف.
لكن الإشكالية تظهر عندما لا يكون التحرك الروسي هجومًا تقليديًا واسعًا، وإذا ما لجأت موسكو إلى عملية إلكترونية، أو تخريب، أو توغل صغير يمكن احتواؤه بسرعة، فقد يصبح السؤال داخل الناتو هو: هل يستوجب ذلك تحرك الحلف عسكريًا باعتباره اعتداءً يستدعي تطبيق المادة الخامسة؟
وتخشى واشنطن من أن تكون مثل هذه المساحات الرمادية تحديدًا هي ما قد يسعى بوتين إلى استغلاله لاختبار مدى وحدة الحلف والتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها.
تغيير في التقييمات الأميركية السابقة
تمثل التقارير الاستخباراتية الجديدة تحولًا عن التقديرات الأميركية السابقة، التي رجحت أن بوتين لن يخاطر باستفزاز الناتو مباشرة طالما أن القوات الروسية ما تزال منخرطة في حرب أوكرانيا.
وكان الافتراض السابق يقوم على أن موسكو ستتجنب فتح مواجهة إضافية مع حلف يمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا، خصوصًا في وقت تستنزف فيه الحرب القوات الروسية.
لكن المعلومات والتحركات الروسية الأخيرة دفعت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى تحديث تقييماتها، والنظر بجدية أكبر إلى احتمال أن يقدم بوتين على استفزاز محدود بدلًا من مواجهة شاملة.
مؤشرات روسية على حدود الناتو
جاءت التقييمات الجديدة بعد سلسلة من الحوادث التي اعتبرها مسؤولون غربيون مؤشرات إلى استمرار روسيا في اختبار حدود دول الناتو وردود أفعالها.
ومن أبرزها دخول صواريخ وطائرات مسيرة مرتبطة بالهجمات الروسية على أوكرانيا إلى أجواء دول أعضاء في الحلف.
وفي أواخر أيار/مايو الماضي، أصابت طائرة مسيرة روسية مبنى سكنيًا في مدينة غالاتس الرومانية، ما أدى إلى إصابة مدنيين.
وأكد الناتو لاحقًا أن الطائرة كانت روسية المنشأ، فيما اعتبر الأمين العام للحلف مارك روته الحادث جزءًا من سلوك روسي "متهور"، مؤكدًا استعداد الناتو للدفاع عن "كل شبر" من أراضي الدول الأعضاء.
وخلال عام 2026 وحده، سجلت رومانيا عددًا متزايدًا من عمليات اختراق مجالها الجوي بالطائرات المسيرة، وسط استمرار الهجمات الروسية على الموانئ والمواقع الأوكرانية القريبة من الحدود الرومانية.
لماذا قد يقدم بوتين على المخاطرة؟
تقول التقييمات إن أحد الأهداف المحتملة لأي استفزاز محدود هو إحداث انقسام سياسي داخل الناتو، كون وقع هجوم صغير على دولة عضو وترددت بعض الدول في الرد، فإن ذلك قد يسمح لموسكو بإظهار أن الالتزام بالدفاع الجماعي ليس مضمونًا كما يقول قادة الحلف.
وقد يكون الاختبار أكثر أهمية بالنسبة إلى موقف الولايات المتحدة، التي تشكل القوة العسكرية الأساسية داخل الناتو.
وفي هذا السيناريو، لن يحتاج بوتين إلى تحقيق انتصار عسكري واسع؛ إذ يمكن أن يكون مجرد إحداث خلاف بين أعضاء الحلف حول كيفية الرد مكسبًا استراتيجيًا لروسيا.
أوكرانيا تضغط على القدرات الروسية
يأتي التقييم الأميركي في الوقت الذي تواجه فيه روسيا تحديات متزايدة في حربها ضد أوكرانيا، نتيجة الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة داخل الأراضي الروسية ألحقت أضرارًا بمنشآت ومواقع روسية، كما زادت الضغوط الاقتصادية والأمنية الداخلية على الكرملين.
ورغم أن هذه التطورات قد تبدو عاملًا يقلل قدرة موسكو على فتح جبهة جديدة، فإن التقييم الأميركي لا يستبعد أن تدفع الضغوط بوتين إلى البحث عن تحرك محدود ضد الناتو، خصوصًا إذا اعتقد أنه يستطيع تنفيذه من دون الانجرار إلى حرب شاملة.
مشكلة أخرى لواشنطن: نقص الذخائر
يتزامن القلق من روسيا مع مشكلة أخرى داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، تتمثل في تراجع مخزون الولايات المتحدة من عدد من أنواع الأسلحة والذخائر التي ستكون ضرورية في حال اندلاع حرب كبرى مع روسيا أو الصين.
وقال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة استهلكت جزءًا كبيرًا من مخزون بعض الأنظمة نتيجة إرسال كميات ضخمة من الأسلحة إلى أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي، إضافة إلى استخدامها خلال الحرب الأميركية مع إيران.
وتشمل قائمة الأسلحة التي يثير حجم مخزونها القلق صواريخ "Precision Strike Missile"، وهي صواريخ دقيقة بعيدة المدى يستخدمها الجيش الأميركي لضرب أهداف عميقة.
وكانت الواشنطن بوست، قد نقلت عن أحد الأشخاص المطلعين، إن مخزون صواريخ "أتاكمز"، وهي صواريخ قصيرة المدى تحتاج إليها أوكرانيا أيضًا، استُنزف إلى درجة أنه لم يتبقَّ منه شيء تقريبًا، وهو ما أوردته "رويترز" في وقت سابق، إضافة إلى صواريخ "Stinger" قصيرة المدى أرض-جو المستخدمة بصورة خاصة ضد الطائرات والمروحيات وبعض أنواع الطائرات المسيرة.
البلطيق في قلب المخاوف
رغم عدم تحديد دولة بعينها بوصفها هدفًا مؤكدًا، فإن دول البلطيق وبولندا تمثل أبرز نقاط القلق في التقييمات الغربية.
وتعتبر إستونيا ولاتفيا وليتوانيا أكثر تعرضًا لسيناريوهات التوغل الروسي المحدود بسبب قربها الجغرافي من روسيا وبيلاروسيا، فضلًا عن وجود أقليات ناطقة بالروسية في بعض المناطق.
وتناقش دراسات استراتيجية منذ سنوات احتمال أن تستولي روسيا على منطقة حدودية صغيرة، ثم تراهن على تردد أعضاء الناتو في خوض حرب لاستعادتها.
تقرؤون المزيد في: البحر الأسود يتحول إلى ساحة حرب.. الهجمات الروسية الأوكرانية تهدد الملاحة وتجارة الحبوب