استخدام الذكاء الاصطناعي وتأثيره البيئي.. نحو استهلاك رقمي أكثر وعيًا
29 يونيو 2025
مع التوسع المتسارع في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، تزداد المخاوف بشأن الأثر البيئي لهذه التكنولوجيا. فبينما توفر هذه النماذج إمكانيات هائلة في معالجة اللغة وتوليد المحتوى، إلا أن تشغيلها يتطلب موارد طاقية ضخمة، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامتها.
تشير الدراسات التي استعرضتها صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن كل استعلام نصي موجه إلى نموذج ذكاء اصطناعي يولد كمية صغيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ورغم أن هذه الكمية تبدو ضئيلة على المستوى الفردي، إلا أنها تصبح ذات أثر ملموس عند النظر إلى الاستخدام الجماعي من قبل ملايين الأشخاص حول العالم.
مراكز البيانات التي تستضيف هذه النماذج تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وقد دفعت الحاجة المتزايدة للطاقة بعض شركات الكهرباء إلى تمديد عمر محطات الفحم وبناء محطات جديدة تعمل بالغاز الطبيعي. كما أن تبريد الخوادم المستخدمة في تشغيل هذه النماذج يتطلب كميات كبيرة من المياه العذبة، وهو ما يضيف عبئًا بيئيًا آخر.
كل استعلام نصي موجه إلى نموذج ذكاء اصطناعي يولد كمية صغيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ورغم أن هذه الكمية تبدو ضئيلة على المستوى الفردي، إلا أنها تصبح ذات أثر ملموس عند النظر إلى الاستخدام الجماعي
رغم هذه التحديات، لا يدعو الخبراء إلى مقاطعة الذكاء الاصطناعي، بل إلى استخدامه بعقلانية. فليس من الضروري اللجوء إلى هذه النماذج في كل مهمة. في المهام البسيطة، مثل البحث عن معلومة عامة أو معرفة مواعيد عمل متجر، يُفضل استخدام محركات البحث التقليدية أو المواقع الموثوقة، حيث تستهلك هذه العمليات طاقة أقل بكثير. أما في المهام الأكثر تعقيدًا، مثل التلخيص أو الترجمة أو إعادة الصياغة، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يكون مبررًا، بل وقد يكون أكثر كفاءة من الناحية البيئية مقارنة بالقيام بهذه المهام يدويًا.
الاختيار بين النماذج المختلفة يلعب دورًا مهمًا في تقليل الأثر البيئي. فالنماذج الأكبر، رغم دقتها العالية، تستهلك طاقة أكبر بكثير من النماذج الأصغر. على سبيل المثال، يتيح ChatGPT للمستخدمين المدفوعين التبديل بين نماذج متعددة، من بينها نموذج مصغر أثبت فعاليته في أداء المهام اليومية دون الحاجة إلى استهلاك مفرط للطاقة. وقد أظهرت دراسة حديثة أن النماذج الصغيرة قادرة على تقديم أداء جيد في المهام البسيطة، بينما يُفضل استخدام النماذج الأكبر في الحالات التي تتطلب معالجة مفاهيم معقدة أو نظرية.
من النصائح العملية التي يمكن اتباعها لتقليل استهلاك الطاقة أثناء استخدام الذكاء الاصطناعي، تقليص طول الأسئلة والإجابات، وتجنب الإطالة غير الضرورية. فكل كلمة إضافية تعني استهلاكًا إضافيًا للطاقة. كما يشير بعض الباحثين إلى أن استخدام عبارات المجاملة مثل "من فضلك" و"شكرًا" لا يؤثر على أداء النماذج، وبالتالي يمكن الاستغناء عنها لتقليل عدد الكلمات المعالجة.
من المهم أيضًا الانتباه إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التفاعل المباشر مع روبوتات الدردشة. فالكثير من التطبيقات اليومية، مثل تنظيم محتوى وسائل التواصل الاجتماعي أو تصفية البريد الإلكتروني، تعتمد على خوارزميات ذكاء اصطناعي تعمل في الخلفية دون أن يشعر بها المستخدم. هذه الاستخدامات "الخفية" تشكل جزءًا كبيرًا من استهلاك الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن التحكم بها بسهولة، ما يجعل من الضروري أن تتحمل الشركات المطورة مسؤولية تحسين كفاءة هذه الأنظمة وتقليل أثرها البيئي.
يمثل الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكن أن تسهم في تحسين الإنتاجية وتسهيل الحياة اليومية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات بيئية لا يمكن تجاهلها. الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه التكنولوجيا هو السبيل لتحقيق التوازن بين الاستفادة منها والحفاظ على كوكبنا.






