استهداف الصحافيين والمسعفين في لبنان.. نمط يتكرّر على خطى غزة وتبريرات جاهزة
28 مارس 2026
لم يعد استهداف الصحافيين والطواقم الطبية في جنوب لبنان حادثًا عابرًا يمكن عزله عن سياقه، بل يتكرّس تدريجيًا كنمط متكرر يعيد إلى الأذهان ما جرى في الحرب على غزة، حيث تحوّلت الفئات المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني إلى أهداف مباشرة، غالبًا تحت ذرائع أمنية متشابهة.
في أحدث هذه الهجمات، قتلت إسرائيل مراسل قناة "المنار" علي شعيب، ومراسلة شبكة "الميادين" فاطمة فتوني، والمصور محمد فتوني، إثر استهداف سيارتهم على طريق جزين جنوبي لبنان. وجاءت العملية في وضح النهار، وفي منطقة مدنية، ما أثار موجة إدانات رسمية وإعلامية واسعة.
الرئيس اللبناني جوزاف عون وصف الهجوم بأنه "جريمة سافرة" تنتهك القوانين الدولية، مذكّرًا بأن الصحافيين يتمتعون بحماية واضحة بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول، وقرار مجلس الأمن 1738، اللذين يحظران استهدافهم ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال القتالية.
قتلت إسرائيل مراسل قناة "المنار" علي شعيب، ومراسلة قناة "الميادين" فاطمة فتوني، والمصور محمد فتوني، إثر استهداف سيارتهم على طريق جزين جنوبي لبنان. وجاءت العملية في وضح النهار، وفي منطقة مدنية
التبرير الإسرائيلي: من "صحافي" إلى "هدف عسكري"
قال مراسل "التلفزيون العربي" إن طائرات الاحتلال قصفت السيارة التي كان يستقلها الصحفيون بأربعة صواريخ على طريق جزين في جزين، ما أدى إلى سقوط الصحفية فاطمة فتوني على الأرض. بعد ذلك، أُطلق صاروخ إضافي أصابها مباشرة، واستشهد أثناء محاولة إسعافها شخصان آخران. كما أُصيب مراسلون آخرون كانوا موجودين في المكان، ما يشير إلى أن الهجوم كان متعمدًا لاستهداف الصحفيين.
في المقابل، لم تنفِ إسرائيل الاستهداف، بل أعلنت صراحة اغتيال علي شعيب، مدّعية أنه كان عنصرًا في "قوة الرضوان" التابعة لحزب الله، وأنه عمل لسنوات "متخفيًا بصفة صحافي"، واتهمته بنقل معلومات ميدانية عن تحركات الجيش الإسرائيلي.
هذا النوع من التبرير ليس جديدًا، بل يتكرر بصيغ مختلفة، حيث يُعاد تصنيف الصحافي كـ"عنصر مرتبط بجهة عسكرية"، بما يبرر استهدافه. وقد ذهبت وسائل إعلام إسرائيلية، مثل "يديعوت أحرونوت"، إلى أبعد من ذلك، حين وصفت شعيب بأنه "قناة معلومات استراتيجية" وأن تغطيته "تعادل الأسلحة العسكرية" من حيث التأثير.
هذا الخطاب يعكس توجّهًا أوسع لإعادة تعريف مهنة الصحافة في مناطق الحروب، بحيث يصبح العمل الإعلامي نفسه موضع اشتباه، خصوصًا عندما يسلّط الضوء على الخسائر أو الإخفاقات الميدانية أو جرائم الحرب.
الطواقم الطبية… أهداف تحت النار
لا يقتصر الأمر على الصحافيين، فبالتوازي مع ذلك يتواصل استهداف الطواقم الطبية بشكل لافت. فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن مسيّرة إسرائيلية شنّت غارة على سيارة إسعاف تابعة للدفاع المدني في "الهيئة الصحية الإسلامية"، انطلاقًا من مركز كفرصير، على طريق كفردجال النبطية، أثناء نقلها جرحى إثر غارة استهدفت البلدة، ما أدى إلى إصابة أفراد طاقمها.
وتشير شهادات عاملين في القطاع الصحي إلى أن الهجمات لم تعد عشوائية، بل تتخذ طابعًا ممنهجًا، يشمل استهداف سيارات الإسعاف أثناء تأدية مهامها، أو قصف مراكز الإسعاف الأولي، بل وحتى اعتماد ما يُعرف بـ"الضربات المزدوجة"، حيث يُستهدف الموقع مرة ثانية بعد وصول فرق الإنقاذ.
المعطيات الميدانية تفيد بأن معظم الضربات طالت جهات صحية متعددة، بينها "الهيئة الصحية الإسلامية"، والدفاع المدني الرسمي، والصليب الأحمر اللبناني، وجمعيات طبية محلية، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل البنية الصحية ككل، وليس جهة بعينها.
أرقام تكشف حجم الاستهداف
بحسب وزارة الصحة اللبنانية، استشهد 51 من العاملين في القطاع الصحي، ودُمّر أكثر من 100 مرفق صحي منذ بداية التصعيد في 2 آذار/مارس. من بين الحوادث البارزة، الغارة التي استهدفت مركز الرعاية الصحية الأولية في برج قلاويه، والتي أدت إلى استشهاد 12 عاملاً صحيًا.
وقال وزير الصحة اللبناني، ركان ناصر الدين، اليوم السبت، خلال مؤتمر صحافي طارئ، أن "القطاع الصحي في لبنان تعرّض لـ75 اعتداءً منذ بداية التصعيد، بينها 5 اعتداءات خلال اليوم فقط".
وأوضح الوزير أن "9 مستشفيات تعرّضت للاستهداف، وأُقفلت 5 منها نتيجة الأضرار"، مشيرًا إلى "تسجيل 18 اعتداءً على مراكز إسعافية، وتضرّر 48 آلية".
وردًا على ادعاءات إسرائيل حول استخدام سيارات الإسعاف لأغراض غير إنسانية، شدّد ناصر الدين على ضرورة "إجراء كشف ميداني على آليات الإسعاف التابعة للدفاع المدني والصليب الأحمر"، مؤكداً أن "هذه الفرق تعمل حصراً على إنقاذ الأرواح وتحظى بحماية القانون الدولي".
كما خرجت خمسة مستشفيات عن الخدمة في الضاحية الجنوبية وجنوب البلاد، ما يضع النظام الصحي تحت ضغط غير مسبوق، في ظل تزايد أعداد المصابين واستمرار الغارات.
من جهتها، حذّرت منظمة "اليونيسف" من أن المستشفيات تواجه ضغطًا هائلًا، وأن الأطفال من بين الأكثر تضررًا، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بوتيرة أسرع من القدرة على الاستجابة.
من غزة إلى لبنان… نمط يتكرر
تؤكد منظمات دولية أن ما يجري في لبنان يعكس نمطًا سبق توثيقه في غزة، حيث تعرضت منشآت صحية وطواقم طبية وصحافيون لهجمات متكررة. وتشير هذه المنظمات إلى غياب المساءلة حتى الآن، رغم المطالبات المتكررة بالتحقيق في هذه الانتهاكات باعتبارها جرائم حرب.
اللافت أن التبريرات المستخدمة في الحالتين متشابهة: ربط الأهداف المدنية بأنشطة عسكرية، أو اتهامها بتقديم دعم لوجستي أو معلوماتي، ما يفتح الباب أمام استهدافها.
استهداف المدنيين… توسيع دائرة النار
ولا يقتصر الأمر على الصحافيين والمسعفين، إذ تتواصل الضربات على مناطق مدنية، كما في بلدة الحنية بقضاء صور، حيث أُستشهد أربعة مزارعين سوريين وأصيب 11 آخرون أثناء عملهم في الأراضي الزراعية.
هذا التوسع في دائرة الاستهداف يعزز المخاوف من أن تصبح البيئة المدنية برمتها عرضة للخطر، في ظل غياب خطوط فاصلة واضحة بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية.
تقويض قواعد الحماية الدولية
ما يجري في جنوب لبنان لا يُقرأ بوصفه حوادث معزولة، بل مؤشر على نمط متكامل تتقاطع فيه عدة عناصر: استهداف فئات يفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي، كصحافيين ومسعفين، يتبعه تقديم تبريرات أمنية تعيد توصيفهم كأهداف "مشروعة". ويتعزز هذا النمط مع تكراره في مناطق أخرى، وعلى رأسها غزة، في ظل غياب مساءلة دولية فاعلة تحدّ من استمراره.
في هذا السياق، يتجاوز الجدل مسألة قانونية الضربات بحد ذاتها، ليطال تحوّلًا أعمق في قواعد الاشتباك، حيث تصبح الحماية القانونية للمدنيين موضع تقويض، وتُترك عملية تحديد "الهدف المشروع" لتقديرات الجهة المعتدية على الأرض.