استهداف الناشطة نردين كسواني.. تصاعد التهديدات ضد مناصري فلسطين في الولايات المتحدة
28 مارس 2026
تطرح محاولة استهداف الناشطة نردين كسواني في نيويورك تساؤلات جدية حول حدود التوتر السياسي في الولايات المتحدة، بعدما أعلنت شرطة المدينة والسلطات الفدرالية إحباط مخطط لاغتيالها، في واقعة تعكس تداخل العنف السياسي مع تصاعد الاستقطاب المرتبط بالحرب على غزة والموقف من القضية الفلسطينية.
عملية أمنية معقّدة
بدأت خيوط القضية حين تمكّن محقق في شرطة نيويورك يعمل متخفيًا من رصد رجل يخطط لاستهداف نردين كسواني، قبل أن يتم تحديد هويته وتوقيفه لاحقًا. وأعلنت السلطات أن هذا جاء بعد تحقيق ومتابعة لما وُصف بأنه محاولة وشيكة لتنفيذ الهجوم.
وأبلغ مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) كسواني ومحاميها، في وقت متأخر من مساء الخميس، بأنه تم تنفيذ عملية اعتقال شخص على خلفية تهديد مباشر لحياتها، دون الكشف عن الدوافع الكامنة وراء المخطط.
المشتبه به، ويدعى ألكسندر هايفلر، البالغ من العمر 26 عامًا، أُوقف بعد مداهمة منزله في هوبوكين بولاية نيوجيرسي، حيث عثرت سلطات إنفاذ القانون على ثماني زجاجات مولوتوف جاهزة للاستخدام. ووجهت إليه تهم تتعلق بصنع وحيازة مواد حارقة، مع توقع مثوله أمام محكمة فدرالية في نيوارك بنيوجيرسي.
تفاصيل التخطيط
تكشف الوثائق القضائية أن المخطط لم يكن وليد لحظته، بل بدأ منذ شباط/فبراير على الأقل، حين ناقش هايفلر خلال مكالمة فيديو جماعية فكرة تصنيع واستخدام زجاجات "مولوتوف"، في ما وصفه بـ"الدفاع عن النفس". غير أن أحد المشاركين في تلك المكالمة كان محققًا متخفيًا، ما أتاح للسلطات تتبع الخطة منذ مراحلها الأولى.
تُعد نردين كسواني من مؤسسي مجموعة "في حياتنا" (Within Our Lifetime)، إحدى أبرز المجموعات المؤيدة لفلسطين في نيويورك. وتبرز المنظمة كجهة رئيسية لتنظيم الاحتجاجات الطلابية والشعبية في الولايات المتحدة
وبحسب الادعاء، قام هايفلر، برفقة المحقق الذي تواجد في المنزل، بتجهيز الزجاجات الحارقة بنفسه، وكان يعتزم استخدامها لاستهداف منزل كسواني. كما أظهرت التحقيقات أنه كان يخطط لمغادرة الولايات المتحدة بعد يومين من تنفيذ الهجوم، قبل أن يؤجل سفره إلى منتصف أيار/مايو القادم.
وأعلنت النيابة العامة في نيوجيرسي أن التهم الموجهة إلى ألكسندر هايفلر، تشمل حيازة وصناعة أجهزة متفجرة، مع اتهامه بالتخطيط لاستهداف منزل كسواني بزجاجات "مولوتوف". كما وُجّهت اتهامات لشخص آخر على صلة بالقضية.
وفي أول تعليق لها، قالت كسواني لصحيفة "نيويورك تايمز" إن عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي أبلغوها ومحاميها بأن "مخططًا لاغتيالها كان على وشك التنفيذ"، مؤكدة أنها "لن تتوقف عن الدفاع عن الشعب الفلسطيني".
ردود رسمية: إدانة للتطرف وتحذير من التصعيد
في السياق، وصف عمدة نيويورك، زهران ممداني، الحادثة بأنها "عمل مروع من أعمال العنف السياسي ومحاولة اغتيال واضحة"، مشيرًا إلى أن المشتبه به يُزعم ارتباطه بـ "رابطة الدفاع اليهودية"، التي سبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن صنفها كمنظمة متطرفة وعنيفة.
وأضاف أن المتهم كان يخطط للفرار إلى إسرائيل بعد تنفيذ الهجوم، مؤكدًا أن المدينة "لن تتسامح مع التطرف العنيف"، وأنه "لا ينبغي لأي شخص أن يتعرض للعنف بسبب معتقداته السياسية أو نشاطه الحقوقي".
كسواني: نشاط داعم للقضية الفلسطينية
تُعد نردين كسواني، البالغة من العمر 31 عامًا، من مؤسسي مجموعة "في حياتنا" (Within Our Lifetime)، إحدى أبرز المجموعات المؤيدة لفلسطين في نيويورك. وتبرز المنظمة كجهة رئيسية لتنظيم الاحتجاجات الطلابية والشعبية في الولايات المتحدة، حيث نظمت العديد من المظاهرات منذ اندلاع الحرب على غزة، وحشدت آلاف المشاركين للتعبير عن رفضهم للجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في القطاع.
لكن هذا النشاط لم يمر دون جدل، إذ تواجه كسواني والمجموعة التي تنتمي إليها انتقادات حادة من جماعات مؤيدة لإسرائيل. وقد أدت شعارات المجموعة التي ترفعها في المظاهرات إلى اتهامها بـ"معاداة السامية"، وهو ما تنفيه كسواني باستمرار، مؤكدة أن مواقف المجموعة موجهة ضد سياسات إسرائيل وليس ضد اليهود. ومن بين الشعارات البارزة في الاحتجاجات: "نعم لليهودية، لا للصهيونية".
في المقابل، ترفض مجموعات مؤيدة لإسرائيل هذا التمييز، معتبرة أن الصهيونية جزء أساسي من الهوية الدينية والقومية لقطاع واسع من اليهود، وأن مهاجمتها تمثل استهدافًا غير مباشر لهم.
تصاعد الضغوط والتهديدات
تعكس الحادثة أيضًا بيئة متزايدة من العداء لمناصري القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة، حيث لم يقتصر الأمر على الضغوط فحسب بل امتد إلى التهديدات الأمنية المباشرة. فقد رفعت الناشطة نردين كسواني دعوى فيدرالية ضد مجموعة "بيتار الولايات المتحدة" (Betar US) تتهمها بتنظيم حملة من المضايقات والتهديدات تجاهها شخصيًا، بما في ذلك ما وصفته بـ"مكافآت" تُعرض لمن يحرّض أو يستهدفها جسديًا عبر الإنترنت، في خضم نشاطها لمتواصل للتعبير عن دعمها للقضية الفلسطينية.
وجاءت هذه الدعوى بعد تحقيق واسع أجراه مكتب النائب العام في ولاية نيويورك ليتيتيا جيمس في أنشطة "بيتار الولايات المتحدة"، أسفر عن تسوية قضائية في كانون الثاني/يناير 2026 قضت بوجوب وقف المنظمة لنشاطها فب الولايات وما وُصف بـ"اضطهاد واسع" استهدف مسلمين وعربًا وفلسطينيين ويهودًا على حد سواء، بعد أن خلص التحقيق إلى أن المجموعة ارتكبت أعمالًا من العنف والمضايقة والتهديد، بما في ذلك إزالة أعلام فلسطينية، والتحرش بمتظاهرين ومعارضين في احتجاجات مرتبطة بالحرب على غزة.
وكانت "بيتار الولايات المتحدة" قد واجهت اتهامات متعددة بتشجيع السلوك العدائي تجاه النشطاء المناصرين لفلسطين، بما في ذلك حملة أطلقت عليها "Pager Campaign" هدفت إلى مضايقة شخصيات وصفتها بأنها معادية لإسرائيل، إضافة إلى نشر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تقدّم حوافز مالية لاستهداف المعارضين لإسرائيل.
ورغم أن التسوية لم تفرض إدانات جنائية مباشرة، إلا أنها أتت في سياق ضغط متزايد من سلطات نيويورك لوضع حد لسلوكيات اعتُبرت تنتهك قوانين الحقوق المدنية، ما يشير إلى أن البيئة التي يعمل فيها الناشطون المؤيدون لفلسطين في الولايات المتحدة قد أصبحت محفوفة بالمخاطر.
دلالات أوسع
لا تبدو محاولة الاغتيال، حادثة منفصلة عن المشهد السياسي في الولايات المتحدة، بل تأتي في سياق تصاعد الاستقطاب الحاد، حيث يتقاطع النشاط الحقوقي مع خطاب الكراهية، وتتقاطع حرية التعبير مع مخاطر العنف المباشر.
هذه القضية تكشف بيئة متوترة، أصبح فيها موقف النشطاء من الحرب في الشرق الأوسط عاملًا محفوفًا بالمخاطر، يتجاوز الخلافات السياسية إلى تهديدات أمنية ملموسة.