اقتصاد المبدعين تحت ضغط الذكاء الاصطناعي: هل انتهى عصر الأرباح السهلة؟
24 فبراير 2026
في أسبوع واحد، تصدّر اسمان المشهد الرقمي: نجم يوتيوب الأشهر MrBeast، وشركة التكنولوجيا الصينية ByteDance.
الأول أعلن توسّعًا جديدًا في أعماله عبر الاستحواذ على شركة التكنولوجيا المالية Step، والثانية أطلقت نموذجًا جديدًا لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تحت اسم Seedance 2.0، ما أثار جدلًا واسعًا وصل إلى أروقة هوليوود.
قد تبدو القصتان منفصلتين، لكنهما في الحقيقة تعكسان تحوّلًا عميقًا يمرّ به "اقتصاد المبدعين" عالميًا، حيث تتقاطع أزمة نماذج الربح التقليدية مع تسارع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
عندما لا تكفي الإعلانات
في نقاش حديث على بودكاست Equity التابع لموقع "تيك كرانش"، ناقش صحافيون متخصصون تحولات نموذج أعمال صناع المحتوى، خصوصًا على يوتيوب. واللافت أن نموذج الإعلانات، الذي كان لسنوات العمود الفقري لدخل المبدعين، لم يعد كافيًا حتى لأكبر الأسماء.
قد يكون الرد الطبيعي على فيض المحتوى الاصطناعي ارتفاع قيمة "الأصالة"، أي أن الجمهور قد يميل أكثر إلى المحتوى الذي يشعر بأنه صادر عن إنسان حقيقي، لا عن "نسخة رقمية" أو خوارزمية
فبحسب النقاش، حقق خط المنتجات الغذائية الخاص بـ MrBeast الذي يشمل الشوكولاتة، أرباحًا بمئات ملايين الدولارات في 2024، وكان مربحًا، في حين أن نشاطه الإعلامي نفسه تكبّد خسائر. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان أكبر يوتيوبر في العالم يعاني لجعل نشاطه الإعلامي مربحًا، فمن يستطيع ذلك؟
الإجابة المتداولة داخل الصناعة تشير إلى أن التشبّع بلغ ذروته. سوق الإعلانات مزدحم، والخوارزميات متقلبة، والمنافسة لا ترحم. لذلك يتجه كبار المبدعين إلى التجارة الإلكترونية، المنتجات الاستهلاكية، الاستثمار، وحتى إطلاق علامات تجارية مستقلة. لكن ماذا عن صناع المحتوى الجدد؟ ليس الجميع قادرًا على إطلاق خط شوكولاتة أو شركة مالية ناشئة.
من صانع محتوى إلى "علامة تجارية"
يرى بعض المستثمرين أن الحل يكمن في تحويل المبدع إلى علامة تجارية متعددة المصادر. فشركة الاستثمار Slow Ventures، على سبيل المثال، أطلقت صندوقًا لدعم المبدعين في بناء مشاريعهم الخاصة، سواء كانت أدوات نجارة متخصصة أو منتجات تستهدف جمهورًا ضيقًا لكن وفيًا.
التحوّل يشبه ما حدث مع مشاهير التلفزيون في العقود الماضية، الذين وسّعوا نفوذهم عبر خطوط إنتاج خاصة بهم. الفرق اليوم أن نجوم الجيل الجديد ليسوا ممثلين أو مغنين، بل "نجوم تيك توك" ويوتيوب. وهنا تظهر معضلة أخرى: كلما زاد عدد المبدعين الذين يحاولون تنويع مصادر دخلهم، اقترب السوق من نقطة تشبّع جديدة.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
بالتوازي مع هذا التحوّل، فجّر إطلاق Seedance 2.0 من ByteDance جدلًا كبيرًا. النموذج الجديد، الذي يتيح توليد مقاطع فيديو بالذكاء الاصطناعي، شهد انتشار مقاطع فيديو، بينها فيديو تخيلي يظهر فيه براد بيت يقاتل توم كروز، ما دفع استوديوهات هوليوود، بما في ذلك Netflix، إلى إرسال رسائل قانونية تطالب بوقف استخدام ملكياتها الفكرية. الشركة الصينية أقرت لاحقًا بأن الإطلاق تم دون "ضوابط كافية"، وتعهدت بتحسين الإجراءات.
لكن خلف السجال القانوني، يكمن سؤال أعمق: هل ستُغرق أدوات الذكاء الاصطناعي الإنترنت بطوفان من المحتوى منخفض الجودة؟ أم أنها ستفتح الباب أمام ديمقراطية إبداعية تمكّن صناعًا محدودي الموارد من إنتاج أفلام وإعلانات بجودة احترافية؟
بين "الرداءة" والديمقراطية
وفقًا لموقع "تيك كرانش"، فالانقسام واضح داخل القطاع. فمن جهة، يخشى كثيرون من انفجار محتوى "سهل ورخيص" يصعّب التمييز ويزيد الضجيج الرقمي. ومن جهة أخرى، يرى البعض أن الأدوات الجديدة تمنح الشركات الصغيرة والمبدعين المستقلين قدرة غير مسبوقة على الإنتاج دون ميزانيات ضخمة. لكن حتى في حال ديمقراطية الإنتاج، تبقى معضلة الاكتشاف. إذا أصبح الجميع قادرًا على إنتاج فيديوهات جذابة خلال دقائق، فكيف سيبرز أحدهم وسط بحر المحتوى؟
عودة "الأصالة" كقيمة نادرة
يرى بعض المحللين أن الرد الطبيعي على فيض المحتوى الاصطناعي سيكون ارتفاع قيمة "الأصالة". أي أن الجمهور قد يميل أكثر إلى المحتوى الذي يشعر بأنه صادر عن إنسان حقيقي، لا عن "نسخة رقمية" أو خوارزمية.
حتى بعض نماذج الفيديو الأخرى، مثل Sora من OpenAI، شهدت موجة اهتمام أولية ضخمة تبعها تراجع نسبي في التفاعل، ما يعكس ربما حدود الانبهار الأولي أمام غياب العنصر الإنساني.
السيناريوهات المحتملة متعددة، منها تقلّص دائرة المبدعين القادرين على تحقيق أرباح مستدامة، وظهور وسائط جديدة تعيد توزيع الفرص، كذلك انتقال التركيز من عدد المشاهدات إلى عمق العلاقة مع الجمهور، بالإضافة إلى اندماج أكبر بين المحتوى والمنتجات والخدمات. لكن المؤكد أن اقتصاد المبدعين يقف اليوم عند مفترق طرق.