"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت
9 ابريل 2026
عند الساعة الثانية والربع من بعد ظهر الأربعاء، في الثامن من نيسان/أبريل، وبعد 24 ساعة على إعلان هدنة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، جنّ جنون الجيش الإسرائيلي في لبنان، وأفرغت طائراته الحربية مئات القنابل والقذائف فوق بيروت والضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، ما أدّى إلى ارتقاء مئات الشهداء والجرحى وخلّف دمارًا هائلًا في المباني والبنى التحتية.
مشهدية "الأربعاء الأسود" بحسب ما أسماه المتابعون، وسيارات الإسعاف التي ملأت الشوارع وسحب الدخان التي غطّت السماء، أعادت إلى الأذهان أيام سوداء عاشها لبنان في السنوات الأخيرة، كحادثة تفجير أجهزة "البايجر" التي يستخدمها عناصر "حزب الله" في العام 2024، وانفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020.
المستشفيات تخرج عن طاقتها الاستيعابية
قبيل دخوله إلى جلسة مجلس الوزراء المنعقدة ظهر الخميس، قال وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين إن عدد شهداء الأربعاء تجاوز المئتين بالإضافة إلى أكثر من ألف جريح، وقد غصّت مستشفيات لبنان التي تعاني أصلًا من أزمة في أعداد الأطقم الطبية والأسرّة والمعدات بسبب الحرب، بالجرحى الذين ملأوا الأروقة والممرات بانتظار الحصول على المساعدة الطبية، فيما أُطلقت المناشدات للتبرع بالدم من جميع الفئات.
أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر
مجازر لبنان تستأثر بالمشهد
وقد تزامنت هذه المجازر، وهذا ليس من قبيل الصدفة، مع توقف العمليات القتالية في جميع الجبهات الأربعاء، فتصدرّت أخبار لبنان الاهتمام، واحتلت الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر عمليات رفع الأنقاض وانتشال المصابين والعالقين الأخبار والشاشات ومواقع التواصل، فيما كان عشرات المواطنين ينشرون صورًا لأفراد عائلاتهم المفقودين، مناشدين الجهات المختصّة بالإسراع في عملية الإغاثة لتحديد مصير أحبائهم.
حداد عام الخميس
وقد أعلنت السلطات الرسمية الحداد العام يوم الخميس، مع إقفال المؤسسات العامة، وتنكيس الأعلام اللبنانية فوق الإدارات، وتعديل برامج الإذاعة والتلفاز، فيما أدانت الرئاسات الثلاث العدوان الإسرائيلي، وقالت رئاسة الجمهورية عبر بيان إن " الاعتداءات الهمجية لا تحترم أي اتفاقات أو تعهّدات، وأثبتت مرارا وتكرارا استخفافها بكل القوانين والأعراف الدولية، وقد شهدنا على مدى 15 شهرا من اتفاق وقف الأعمال العدائية، حجم الانتهاكات والخروقات التي تمّ ارتكابها دون أيّ رادع".
أخبار مجازر الأربعاء تصدّرت اهتمام رواد مواقع التواصل في لبنان، بين من نعى أقاربه ورفاقه، ومن أعرب عن حزنه وأسفه بسبب الكابوس المظلم الذي يعيشه لبنان اليوم، فيما لم تغب المناوشات وتقاذف المسؤولية بين مؤيدي هذا الطرف أو ذاك.
كذلك تداول الناشطون بعض مقاطع الفيديو المؤثرة من قلب الحدث، من بينها السيدة التي ظهرت مذعورة وهي عالقة في إحدى الشقق المرتفعة بعدما دمّرت غارة تلة الخياط قسمًا كبيرًا من المبنى الذي تقطن فيه.
الإعلامي ريكاردو الشدياق نشر الصورة نفسها، وعلّق بالقول:" هذه ليست مجرّد صورة، بل لحظةُ حياةٍ معلّقة بين الحياة والموت. امرأةٌ عالقة تحت ركام مدينةٍ مكسورة، لا تعرف إن كانت النجاة في الطريق. هي تعرف فقط أنّ عليها أن تتمسّك بالحياة، وحيدة بين الخوف والرجاء".
بينما نشرت الناشطة والإعلامية سحر الخطيب صورةً لأطفال فقدوا خلال الغارات بهدف مساعدة ذويهم بالعثور عليهم.
من جهته اعتبر الكاتب مروان أبي سمرا أن ما جرى بالأمس هو يوم مجازر ويوم الانتقام من لبنان، وهو يذكّر بحصار شارون (رئيس وزراء إسرائيل الأسبق) لبيروت وقصفها في العام 1982.
الناشطة فاطمة أيوب نشرت بدورها صورة للشهيدة رنا ناجي، وهي إحدى ضحايا غارة كيفون وكتبت معلّقةً: " ذهبت لتشتري الحليب لابنتيها ولم تعد!
عثر على جثمانها الطاهر تحت ركام الصيدلية التي استهدفها أعداء الإنسانية
رنا ناجي قريبتي من بلدة حاروف شهيدة
لأن إسرائيل قاتلة للأطفال والنساء
الله يصبر أهلك وعيلتك وينتقم من الظالمين".
ونشرت مها الخطيب صورة لأمينة سويدان التي استشهدت مع ابنتها وحفيدتيها في غارة تلة الخياط ووصفتهن بأنهن بنك أهداف الاحتلال الصهيوني.
ولم يسلم النازحون السوريون من غارات الأمس، حيث تداول الناشطون صورة لعائلة سورية من محافظة دير الزور استشهد أفرادها.
خوف لبناني من كوابيس قادمة
لم يكن "الأربعاء الاسود" يومًا عاديًا في لبنان، بل تكثيفًا لما عاشوه في الأسابيع الأخيرة بسبب الحرب، فيما يسيطر الخوف والقلق على المواطنين، بينما تبدو شوارع بيروت شبه فارغة صباح الخميس، وأجواء الحزن والفقد تخيّم على البلاد.
وفي الوقت الذي تتوجه الأنظار إلى إسلام أباد عاصمة باكستان التي تحتضن المفاوضات، وإلى مضيق هرمز الذي لم يعرف مصيره بعد، وإلى طاولات مفاوضات بعيدة ستقسّم عليها المصالح ومغانم الحروب، يشعر اللبنانيون أنهم متروكون اليوم لآلة الموت الوحشية التي لا تشبع ولا تعرف الرحمة، وأنهم وحيدون تمامًا بعدما تخلّى الجميع عنهم.