الأزمة الانسانية في غزة.. تداعيات التجويع مستمرة
23 أكتوبر 2025
تتكشّف مع كلّ يوم جديد من أيام وقف الحرب في غزة مزيدٌ من الفظائع التي خلّفتها حرب الإبادة. ومن بين أوجه المعاناة التي سلط صندوق الأمم المتحدة للسكان الضوء عليها مؤخرًا، معاناة الحوامل والرّضّع من سوء التغذية الحاد، وهي معاناة قد تمتدّ آثارها، وفق الصندوق، لأجيال مقبلة، ما قد يتطلّب رعايةً مدى الحياة للأطفال الذين يُولدون حاليًا في القطاع المحاصر منذ 18 عامًا، والذي تضاعفت مأساته خلال العامين الأخيرين بفعل الحرب المدمّرة التي استخدمت فيها إسرائيل التجويع كسلاح حرب.
ورغم أنّ محكمة العدل الدولية أقرت بأنّ الفلسطينيين في قطاع غزة لا يتلقّون الإمدادات الغذائية الكافية، وبناءً على ذلك ألزمت إسرائيل بالسماح بدخول المساعدات وتسهيل وصولها إلى القطاع، فإنّ دولة الاحتلال ما تزال ترفض الانصياع لمقتضيات حكم المحكمة الدولية.
مأساة إنسانية تفوق الوصف
عقَد صندوق الأمم المتحدة للسكان مؤتمرًا صحفيًا في مقرّ الأمم المتحدة بنيويورك، قال خلاله ممثل الصندوق، أندرو سابرتون، الذي زار مؤخرًا قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، إنّ ما شاهده من دمار في غزة "يشبه مشاهد فيلم هوليوودي". وأوضح المسؤول الأممي أنّ واحدًا من كلّ أربعة سكّان في غزة يعاني من الجوع، مشيرًا إلى أنّ من بينهم نحو 11,500 امرأة حامل.
محكمة العدل الدولية تلزم إسرائيل بالسماح بإدخال المساعدات الأممية وبالتعاون مع الأونروا
وبسبب حالة الجوع التي تعاني منها الحوامل، يُولد نحو 70% من الأطفال حديثي الولادة خدّجًا وبوزن منخفض، مقارنةً بـ20% فقط قبل اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفضلًا عن ضعف القدرات الاستيعابية للمستشفيات وتأثير ذلك على رعاية المواليد الجدد، فإن ثلث حالات الحمل في القطاع تُعدّ حاليًا عالية الخطورة، كما ارتفع معدل وفيات الأمهات بشكل واضح.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن "سوء التغذية هو المشكلة الأكبر" التي تقف وراء معاناة الحوامل والخدّج والمولودين الجدد، ممن يعانون من آثار المجاعة.
وأشارت معطيات الأمم المتحدة إلى أن 85% من الحوامل في غزة يواجهن خطر التعرض لمضاعفات أثناء الحمل، كما لفتت إلى أن بعض النساء "يلدن في ملاجئ مكتظة، من دون تخدير أو عقاقير، وأحيانًا يضطررن إلى قطع الحبل السري بأنفسهن تحت القصف".
محكمة العدل الدولية تلزم إسرائيل بإدخال المساعدات
تُعدّ محكمة العدل الدولية أعلى هيئة قانونية في الأمم المتحدة. وكانت الجمعية العامة للمنظمة قد طلبت رأيها بشأن المنع الإسرائيلي لإدخال المساعدات إلى القطاع المحاصر وعرقلة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وفي رأي استشاري أصدرته المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرًا لها، قضت بأنّ إسرائيل ملزمة بضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين في غزة، ودعم جهود الإغاثة التي تقدمها الأمم المتحدة، بما في ذلك وكالة "الأونروا".
وقال رئيس المحكمة، القاضي يوجي إيواساوا: "بصفتها قوة احتلال، فإن إسرائيل ملزمة بضمان الاحتياجات الأساسية للسكان المحليين، بما في ذلك الإمدادات الضرورية لبقائهم على قيد الحياة". وأضاف أن هذه الاحتياجات "تشمل الغذاء والمياه والمأوى والوقود والخدمات الطبية".
كما خلص القضاة الأحد عشر إلى أن إسرائيل لم تثبت ادعاءاتها بشأن تورط عدد كبير من موظفي "الأونروا" مع حركة حماس.
ورغم أن رأي محكمة العدل الدولية غير ملزم قانونيًا ولا تملك المحكمة سلطة إنفاذه، فإنه يحمل وزنًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا، وقد لقي ترحيبًا من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومن الوكالة الأممية، في مقابل امتعاض الحكومة الإسرائيلية وانتقادها.
وقال غوتيريش إن على إسرائيل "الامتثال لالتزاماتها بموجب رأي محكمة العدل الدولية"، بينما اعتبر المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن رأي المحكمة "سيكون له تأثير حاسم في تحسين الوضع المأساوي في غزة".
من جانبه، قال بول رايشلر، محامي الطرف الفلسطيني، إن ما توصلت إليه المحكمة يثبت أن "إسرائيل لا تمتثل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي"، مضيفًا أن المحكمة قضت أيضًا بأن "استخدام التجويع كأداة حرب غير قانوني"، وأن إسرائيل "منعت عمدًا وصول الغذاء إلى السكان المدنيين في غزة".
أما "الأونروا"، التي كانت في قلب الاستهدافات الإسرائيلية، فقالت في بيان لها إنه "يجب تحقيق المساءلة عن مقتل موظفيها، وعن سوء المعاملة الجسيمة التي تعرض لها العاملون الإنسانيون أثناء احتجازهم، وعن تدمير مرافق الأونروا أو إساءة استخدامها"، مؤكدة أنها "الجهة الإنسانية الرئيسية ذات الصلة المستدامة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ويجب تسهيل عملياتها بدلًا من عرقلتها، خاصة في ظل الظروف المأساوية الراهنة في غزة".
ويُشار إلى أن محكمة العدل الدولية أصدرت في وقت سابق من العام الماضي رأيًا استشاريًا خلصت فيه إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني وينبغي أن ينتهي فورًا.
إسرائيل ترفض الانصياع للقانون الدولي الانساني
حظرت إسرائيل عام 2024 عمل "الأونروا" في غزة، زاعمةً أن بعض موظفيها أعضاء في حركة حماس، وتعرّضت مدارس ومراكز الوكالة لقصف متواصل خلال حرب الإبادة الجماعية.
ومع صدور رأي محكمة العدل الدولية الذي نسف المزاعم الإسرائيلية، أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا شكّكت فيه في نتائج المحكمة، مؤكدة تمسّكها بموقفها الرافض للتعاون مع "الأونروا"، مدّعيةً أن "الأنشطة الإرهابية تنخرها".
ويُستنتج من ذلك أن تل أبيب لن تسمح للأونروا باستئناف عملها في قطاع غزة. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أمني قوله إن "إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بمواقفها، وأعربت عن أملها في أن يتوافق الموقف الأميركي معها في هذا الملف".