الأسرى في سجون الاحتلال: بين القمع والمضي قدمًا بقانون الإعدام
14 فبراير 2026
شهد سجن عوفر العسكري، قرب مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة، صباح الجمعة اقتحامًا قام به وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير برفقة مدير مصلحة السجون الإسرائيلية، في خطوة وصفتها مصادر حقوقية بأنها جزء من تصعيد ممنهج في تعامل سلطات الاحتلال مع الأسرى الفلسطينيين، في وقت يزداد فيه الحديث عن تشديد العقوبات والتوجه نحو تشريع يجيز عقوبة الإعدام بحق المعتقلين.
جاء الاقتحام قبيل حلول شهر رمضان، وشمل جولة داخل زنازين السجن، في مشهد بثّته القناة السابعة الإسرائيلية، أظهر إطلاق قنابل الغاز والصوت داخل الأقسام، ورفع أسلحة في وجوه الأسرى والتنكيل بهم، ما أثار استنكارًا واسعًا عبر منصات التواصل وشبكات إعلامية متعددة.
وأظهرت لقطات مصورة مسؤولين أمنيين يحيطون بالأسرى داخل الزنازين، بينما تُسمع أصوات انفجارات وإشارات تهديد من داخل الممرات، في ما اعتبره مراقبون استعراض قوة وإذلالًا ممنهجًا للأسرى قبل بدء شهر الصيام، في سياق يفتقر إلى الضمانات الإنسانية الأساسية.
وفي تصريحات أدلى بها بن غفير خلال الجولة، اتسمت بالتهديد، حذر الأسرى من أي تحرّك خلال الشهر الكريم، متفاخرًا بأن "تغييرات جعلت السجون سجونًا حقيقية وليست فنادق" وفق قوله، في إشارة إلى تشديد القيود ومحاربة ما وصفه بـ"الرفاهية" داخل السجون. كما أشار إلى سعيه للدفع نحو تشريع يسمح بعقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المدانين بعمليات ضد إسرائيليين، وهو ملف أثار قلقًا كبيرًا لدى منظمات حقوقية.
أظهرت لقطات مصورة مسؤولين أمنيين يحيطون بالأسرى داخل الزنازين، بينما تُسمع أصوات انفجارات وإشارات تهديد من داخل الممرات، في ما اعتبره مراقبون استعراض قوة وإذلالًا ممنهجًا للأسرى قبل بدء شهر الصيام
التنكيل بالأسرى في السياق القانوني
في القانون الدولي الإنساني، يُحظر تعريض الأسرى أو المعتقلين لأي شكل من أشكال التعذيب الجسدي أو النفسي، أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، أو الإذلال والحطّ من الكرامة، أو العقوبات الجماعية، وتنطبق هذه الحماية على المعتقلين في الأراضي المحتلة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهدت سجون الاحتلال الإسرائيلي تصعيدًا كبيرًا في سياسة التنكيل بالأسرى الفلسطينيين، بالتزامن مع تصاعدت حملات الاعتقال التعسفي والاقتحامات الليلية في مختلف المحافظات الفلسطينية، مع توسع غير مسبوق في استخدام الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة عادلة واستهداف متعمد للأطفال والنساء والصحفيين والأسرى المرضى والأسرى المحررين.
كما استمرت سياسة الإهمال الطبي المتعمد، ما أدى إلى استشهاد عدد من الأسرى، وتفاقم انتشار الأمراض الجلدية المعدية، خاصة مرض "السكايبوس" في سجن جلبوع، بينما شهدت الأقسام والزنازين عمليات قمع واقتحام متكررة، والاعتداء على الأسرى بالضرب والإهانات، إلى جانب تمديد العزل الانفرادي في ظروف احتجاز قاسية، وتدهور الأوضاع المعيشية بما يشمل سوء الطعام، وشح المياه، وسوء النظافة، وانسداد مرافق الصرف الصحي. ولم يقتصر القمع على الذكور، بل شمل اقتحامًا عنيفًا بحق الأسيرات في سجن الدامون، واستمرت سلطات الاحتلال في سنّ وتشريع قوانين وإجراءات تهدف إلى تشديد العقوبات على الأسرى، بما في ذلك مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في إطار سياسة ممنهجة للضغط والتنكيل بحقهم داخل السجون.
وأوضح تقرير صادر في يناير/كانون الثاني 2026 ، عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان "بتسيلم" أن السجون تحولت إلى ما وصفه بـ"شبكة معسكرات تعذيب ممنهجة"، تشمل الضرب والتنكيل الجسدي المتكرر، التجويع وتقليص الوجبات بشكل ممنهج، الإهمال الطبي المتعمد الذي يفاقم الأمراض والإصابات، العزل المطول لأسابيع أو أشهر، ومنع الزيارات والتواصل مع العالم الخارجي، ما يزيد من العزلة النفسية للأسرى. كما أشار التقرير إلى استشهاد عشرات الأسرى منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 داخل السجون أو أثناء التحقيق، بينهم أطفال ومسنون، ما يعكس تصاعد سياسة التنكيل الممنهجة كجزء من استراتيجية الاحتلال للضغط على الفلسطينيين في المعتقلات.
أوضح تقرير صادر عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان "بتسيلم" أن السجون تحولت إلى ما وصفه بـ"شبكة معسكرات تعذيب ممنهجة"
الأرقام ودلالاتها
تشير معطيات حتى نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2026 إلى وجود 9350 أسيرًا فلسطينيًا داخل سجون الاحتلال، بينهم 350 طفلًا و56 أسيرة و3385 معتقلًا إداريًا. وتشير تقارير حقوقية إلى استشهاد 88 أسيرًا داخل المعتقلات منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بينهم 52 أسيرًا من غزة. وتعكس هذه الأرقام استراتيجية الاحتلال لفرض الضغط على الفلسطينيين، في حين يواصل الأسرى الفلسطينيون مواجهة الظروف الصعبة التي تهدد حياتهم وصحتهم، مع محدودية أي تدخل دولي فعال للحد من هذه الانتهاكات.
الجدل حول قانون الإعدام
رغم أن إسرائيل لم تُنفَّذ حكم الإعدام إلا مرة واحدة بحق أدولف أيخمان عام 1962، يسعى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى الدفع بإعدام الأسرى الفلسطينيين "المدانين" بعمليات مقاومة. وبحسب جهات حقوقية، فإن مصادقة الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون محاكمة ما يُسمّى "مقاتلي النخبة" يمثل تصعيدًا خطيرًا في المنظومة التشريعية الإسرائيلية، وخطوة إضافية نحو شرعنة الإعدام التعسفي والمحاكمات الاستثنائية بحق الأسرى الفلسطينيين، لا سيما المعتقلين من قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وينص المشروع على إنشاء محكمة خاصة تمنح صلاحيات استثنائية واسعة، بما في ذلك إمكانية الإدانة استنادًا إلى أدلة ظاهرية، ما يقوّض مبدأ قرينة البراءة وينتهك الحق في محاكمة عادلة ومستقلة كما يكفله العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتشير الجهات الحقوقية إلى أن هذا النص يشكّل خرقًا جسيمًا لأحكام المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، التي تحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات عبر محاكم تفتقر إلى الضمانات القضائية الأساسية، ويتعارض كذلك مع الاتجاه الدولي الراسخ نحو إلغاء عقوبة الإعدام.
وحذّرت هذه الجهات من أن استثناء المدانين بموجب القانون من أي صفقات تبادل مستقبلية سيحوّل الأسرى إلى رهائن، ويكرّس منطق العقوبة الجماعية والانتقام السياسي، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ما يعمّق المخاطر على حياة الأسرى الفلسطينيين ويضاعف الانتهاكات بحقهم داخل السجون الإسرائيلية.