ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

1 مايو 2026
ألتراس الجنوب
"ألتراس الجنوب" (منصة إكس)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

لم تعد جماعات "الألتراس"، وهي مجموعات المشجعين الأكثر حماسة وتنظيمًا في كرة القدم والمعروفة بعروضها البصرية وولائها الشديد، مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم، وتتحول تدريجيًا إلى ظاهرة ثقافية عابرة للرياضة، امتد حضورها إلى السينما والأدب والفنون البصرية.

ولا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد شكل "متطرف" من التشجيع، بل بوصفها انعكاسًا لتحولات أعمق في المجتمع الحديث، خصوصًا ما يتعلق بإعادة تشكيل الهوية ومعنى الانتماء، وتغير العلاقة بين الفرد والجماعة في سياق عالمي سريع التحول.

وقد انعكس هذا الاهتمام المتزايد في الإنتاج الثقافي العالمي، من الكتب التي تناولت الظاهرة إلى الأعمال الدرامية والوثائقية التي أنتجتها منصات مثل "نتفليكس"، والتي نقلت عالم "الألتراس" من المدرجات الإيطالية إلى فضاءات أوسع في أوروبا والمغرب العربي وأميركا اللاتينية وغيرها، باعتباره عالمًا اجتماعيًا قائمًا بذاته، له رموزه ولغته وطقوسه الخاصة.

تفكيك الظاهرة من داخلها

في هذا السياق، يبرز الفيلم الوثائقي "ألتراس" للمخرجة السويدية راغنهيلد إيكنر، كعمل يسعى إلى الاقتراب من الظاهرة من داخلها، لا من موقع خارجي نقدي. يمتد الفيلم عبر جغرافيا واسعة تشمل دولًا في أوروبا وشمال أفريقيا وأميركا اللاتينية، متتبعًا حياة هذه الجماعات في سياقات اجتماعية وثقافية مختلفة.

لا يركز الفيلم على المباريات بقدر ما يوجّه عدسته إلى ما يحدث في المدرجات: طقوس جماعية منظمة، هتافات منسّقة، وعروض بصرية تتحول إلى لغة خاصة تُعبّر بها هذه الجماعات عن ذاتها.

لا يمكن النظر إلى ظاهرة "الألتراس" باعتبارها مجرد شكل "متطرف" من التشجيع، بل بوصفها انعكاسًا لتحولات أعمق في المجتمع الحديث، خصوصًا ما يتعلق بإعادة تشكيل الهوية ومعنى الانتماء، وتغير العلاقة بين الفرد والجماعة في سياق عالمي سريع التحول

ومن خلال هذا الاقتراب الميداني، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا لـ"الألتراس"، لا تختزل في العنف أو الفوضى، بل تظهر كمساحات قائمة على الانضباط الداخلي وروابط التضامن والعمل الجماعي، بما يمنحها بُعدًا اجتماعيًا يتجاوز حدود التشجيع الرياضي التقليدي.

الانتماء في مواجهة الوحدة

في هذا الإطار، تصف إيكنر "الألتراس" بأنها "انتفاضة ضد الوحدة"، في إشارة إلى قدرتها على خلق لحظات اندماج جماعي كثيف في عالم يتزايد فيه الإحساس بالعزلة.

فمشاهد آلاف الأشخاص وهم يهتفون ويتحركون ككتلة واحدة لا تبدو مجرد طقس رياضي، بل تعبير عن حاجة اجتماعية أعمق إلى الانتماء، وإلى استعادة معنى الجماعة في زمن الفردانية المتصاعدة.

هذا البعد يرتبط أيضًا بتحولات كرة القدم نفسها، التي فقدت كثيرًا من جذورها المحلية لصالح نموذج عالمي تجاري عابر للحدود، ما جعل "الألتراس" في نظر كثيرين الرابط الأكثر حضورًا بين النادي ومحيطه الاجتماعي.

بين الدين والسياسة

لا يتوقف الأمر عند حدود الانتماء الاجتماعي، بل يتجاوزه إلى مستوى رمزي أعمق يجعل من ظاهرة "الألتراس" أقرب إلى تجربة شبه دينية في عالم يتراجع فيه حضور الدين التقليدي. فالكثير من الدراسات التي تناولت ثقافة الجماهير الكروية تشير إلى أن هذه المجموعات تبني منظومة رمزية خاصة بها، تقوم على مفردات ذات طابع إيماني مثل "الولاء"، "الانتماء"، و"التضحية"، وهي مفردات تُستعار من الحقول الدينية وتُعاد صياغتها داخل فضاء رياضي.

في هذا السياق، تتحول المدرجات إلى ما يشبه الفضاء الطقوسي، حيث لا يعود التشجيع مجرد فعل لحظي مرتبط بالمباراة، بل ممارسة جماعية منظمة تقوم على التكرار والانضباط والإيقاع. فالهتاف الموحد، والحركات الجماعية، والعروض البصرية المنظمة، كلها عناصر تمنح هذا الفضاء طابعًا احتفاليًا متكررًا، قريبًا منطق الطقس الجماعي الذي يهدف إلى خلق شعور بالتماسك والقداسة الرمزية داخل المجموعة.

وتذهب بعض القراءات الأنثروبولوجية لثقافة المشجعين إلى أن هذا الشكل من التفاعل الجماعي يعيد إنتاج فكرة "الجماعة المؤمنة"، حيث يصبح النادي في ذاته مركزًا للانتماء والهوية، ويُنظر إلى دعم الفريق بوصفه التزامًا يتجاوز حدود الترفيه إلى نوع من الوفاء شبه المقدّس. وضمن هذا الإطار، يبدو أن المشجعين لا يكتفون بمتابعة المباراة، بل يسعون، عبر الصوت والحركة والتنظيم، إلى التأثير في مجرياتها وكأنهم يشاركون في طقس جماعي يلامس فكرة "تغيير المصير" أو التأثير في ما يُنظر إليه رمزيًا كقدر المباراة.

بهذا المعنى، لا تعود الألتراس مجرد ثقافة تشجيع صاخبة، بل تتحول إلى بنية رمزية معقدة تستعير من الدين شكل الطقس، ومن الرياضة موضوع الانتماء، لتنتج تجربة جماعية شديدة الكثافة، تخلط بين العاطفة والهوية والبحث عن المعنى.

من المدرج إلى الشارع: "الألتراس" والبعد السياسي

لا يقتصر حضور جماعات "الألتراس" على الفضاء الرياضي، بل يمتد في بعض السياقات إلى المجال السياسي، حيث تتحول هذه المجموعات من مجرد تنظيمات تشجيع إلى فاعلين أكثر حضورًا وتأثيرًا. وقد برز هذا الدور بشكل واضح خلال أحداث الربيع العربي، خاصة في مصر، حين اكتسبت بعض مجموعات المشجعين خبرة تنظيمية وميدانية جعلتها قادرة على الانتقال من محيط المدرجات إلى ساحات الاحتجاج.

في تلك اللحظة، لم يعد الهتاف مرتبطًا بالمباريات، بل أصبح جزءًا من خطاب احتجاجي أوسع، يعتمد على نفس أدوات التنظيم الجماعي والانضباط الداخلي التي تشكلت داخل الملاعب. وهكذا، انتقلت هذه الجماعات إلى فضاء الشارع وهي تحمل معها ثقافة جماعية قائمة على الصوت الموحد، والكتلة البشرية المنظمة، والقدرة على الحشد السريع.

وتتبنى العديد من هذه المجموعات خطابًا يقوم على فكرة الدفاع عن الفئات المهمشة، وتقديم نفسها كصوت بديل خارج الأطر التقليدية للسياسة. ففي نظرها، لا تمثل المدرجات مجرد مساحة للتشجيع، بل يمكن أن تتحول إلى منصة رمزية للتعبير عن الغضب الاجتماعي، وإيصال أصوات لا تجد لها حضورًا في الفضاءات الرسمية.

وبين الرياضة والسياسة، يتضح أن "الألتراس" لا تتحرك فقط بدافع الشغف الكروي، بل أيضًا ضمن شبكة أوسع من المعاني الاجتماعية، حيث يتداخل الانتماء الرياضي مع أشكال من الوعي الجمعي، قد تأخذ أحيانًا طابعًا احتجاجيًا أو سياسيًا مباشرًا.

وجه الظاهرة الملتبس

رغم ما تمنحه جماعات "الألتراس" من شعور قوي بالانتماء والاندماج، فإن هذا البعد الجماعي الجاذب لا يخفي التناقضات العميقة التي تحكم عالمها الداخلي. فهي، من جهة، تقدم نفسها كمساحة للتحرر وبناء الهوية الجماعية، لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج أشكال من الإقصاء والحدّية، تصل أحيانًا إلى العنف الرمزي والمباشر.

تظهر هذه المفارقة بوضوح في مسألة الحضور النسائي؛ ففي بعض السياقات تُغلق المدرجات فعليًا أمام النساء أو يُنظر إلى وجودهن باعتباره استثناءً، بينما في سياقات أخرى يتصدرن المشهد ويشاركن في التنظيم والهتاف على قدم المساواة. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلافات محلية، بل يكشف الطبيعة غير المتجانسة لهذه الظاهرة، التي لا تخضع لنموذج واحد أو قواعد ثابتة.

ولا ينفصل العنف عن هذا العالم بوصفه طارئًا خارجيًا، بل يظهر أحيانًا كجزء من بنيته الداخلية، سواء في صورته الرمزية أو في ممارساته المباشرة. فالتوتر بين المجموعات، وعمليات اقتحام المدرجات المنافسة، والشغب، كلها تدخل ضمن ما يمكن اعتباره "مسرح صراع" داخل اللعبة نفسها، حيث تتداخل الرمزية الرياضية مع منطق المواجهة.

وفي بعض الحالات، يتجاوز الأمر حدود المنافسة الرياضية ليقترب من دوائر أكثر تعقيدًا، إذ ترتبط بعض القيادات داخل هذه الجماعات بشبكات منظمة تنشط في مجالات غير قانونية، كما هو الحال في بعض الأندية الإيطالية، حيث تداخلت تجارة التذاكر والمراهنات والأنشطة التجارية الجانبية مع شبكات التهريب وتجارة المخدرات.

تقاطعات مع اليمين المتطرف

إلى جانب الطابع الجماعي والانفعالي الذي يميز جماعات "الألتراس"، برز في بعض السياقات الأوروبية بُعد سياسي أكثر حساسية، يتمثل في انزلاق بعض مظاهر هذه الثقافة نحو تقاطعات مع خطاب اليمين المتطرف. ولا يعني ذلك أن هذه الجماعات تحمل توجهًا أيديولوجيًا موحدًا، لكنها في حالات محددة وفّرت بيئة رمزية يمكن أن تتسلل إليها خطابات قومية متشددة، تستفيد من قوة الحشد والانفعال داخل المدرجات.

في عدد من البلدان الأوروبية، ظهرت داخل بعض الملاعب شعارات وسلوكيات تتقاطع مع خطاب اليمين المتطرف، خصوصًا ما يتعلق بالقومية أو رفض الهجرة أو التشديد على هوية محلية مغلقة للنادي والمدينة. وغالبًا ما تتصاعد هذه التعبيرات في فترات التوتر الاجتماعي أو الأزمات الاقتصادية، حيث يُعاد توجيه الغضب الجماعي نحو "الآخر"، سواء كان مهاجرًا أو خصمًا ثقافيًا أو سياسيًا.

وتُذكر في هذا السياق بعض الحالات داخل ملاعب إيطاليا، حيث ارتبطت أجزاء من جمهور أندية كبرى في مدن مثل روما وميلانو ونابولي برفع رموز أو شعارات ذات دلالات قومية مثيرة للجدل. كما ظهرت في فرنسا بعض السلوكيات والهتافات داخل مدرجات مشجعين في باريس ومرسيليا حملت طابعًا إقصائيًا تجاه المهاجرين أو الأقليات.

لا يقتصر حضور جماعات "الألتراس" على الفضاء الرياضي، بل يمتد في بعض السياقات إلى المجال السياسي، حيث تتحول هذه المجموعات من مجرد تنظيمات تشجيع إلى فاعلين أكثر حضورًا وتأثيرًا. وقد برز هذا الدور بشكل واضح خلال أحداث الربيع العربي

ويرى باحثون في ثقافة الجماهير أن قوة التنظيم داخل مجموعات الألتراس، القائمة على الانضباط والولاء والتراتبية، تجعلها قابلة في بعض الحالات للاستثمار الرمزي من قبل خطابات سياسية شعبوية أو قومية، خصوصًا في فضاء جماهيري شديد الانفعال مثل الملاعب، حيث تنتقل الشعارات بسهولة من الرياضة إلى السياسة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال العلاقة بين "الألتراس" وهذه التيارات في اتجاه واحد أو قاعدة عامة، إذ تتباين المواقف بشكل واسع بين المجموعات وحتى داخل البلد الواحد. فبينما تنزلق بعض الجماعات نحو رموز وخطابات متشددة، تنخرط أخرى في مبادرات اجتماعية أو مواقف مناهضة للعنصرية، ما يجعل المشهد معقدًا ومفتوحًا على أكثر من قراءة، بدل أن يكون ظاهرة سياسية موحدة.

"الألتراس" كمرآة اجتماعية

في المحصلة، تبدو "الألتراس" أقرب إلى مرآة مكثفة للمجتمع الحديث، تعكس تناقضاته بقدر ما تعيد إنتاجها. فهي تجمع بين التضامن والانقسام، وبين الانتماء والانغلاق، وبين الرغبة في التغيير وإعادة إنتاج الحدود نفسها.

هذا الانتماء القوي لا يأتي بلا كلفة، إذ قد يفتح المجال أمام أشكال من الحدّية أو العنف أو الإقصاء، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة إنسانية عميقة إلى الجماعة والمعنى في عالم يتسع فيه الشعور بالعزلة.

وهكذا، لا تقدم "الألتراس" إجابة جاهزة، بقدر ما تضع سؤالًا مفتوحًا: كيف يمكن بناء الانتماء في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الأفراد على التماسك؟

كلمات مفتاحية
جدارية لأنطونيو غرامشي

المناهج الدراسية في إيطاليا.. صراع على الذاكرة الفكرية

أثارت التعديلات المقترحة على المناهج الدراسية في إيطاليا جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، إذ اعتُبرت محاولة لإعادة صياغة الإطار الفكري للمقررات، وسط اتهامات للحكومة اليمينية بالسعي إلى ترسيخ "هيمنة ثقافية جديدة"

مكتبات شخصية

عن القراءة والكتب المنسية

المكتبات الشخصية ليست مخازن للكتب بقدر ما هي أرشيف لحيوات سابقة

إدغار موران

إدغار موران: حياة فكرية خارج الأيديولوجيا المغلقة

برحيل إدغار موران، يُطوى مسار فكري استثنائي كرّسه صاحبه لمساءلة التاريخ، ومقاومة الأيديولوجيات المغلقة، والدفاع عن رؤية إنسانية للعالم تقوم على التعقيد بدل الاختزال، وعلى الحوار بدل الإقصاء

كأس العالم 2026
رياضة

إيران تهاجم الفيفا وأميركا: نحن المنتخب الأكثر تعرضًا للظلم في كأس العالم

تبدو بعثة إيران في كأس العالم 2026 مقتنعة بأن ما تواجهه من صعوبات في التنقل والإقامة والتأشيرات يضعها في وضع مختلف عن بقية المنتخبات المشاركة

كأس العالم 2026
رياضة

من تينيسي إلى فرجينيا الغربية.. كيف غيّرت معسكرات المونديال حياة مدن أميركية صغيرة؟

نجحت كأس العالم في تحويل مدن هادئة إلى مركز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة.

صبري لموشي
رياضة

بعد مباراة واحدة فقط.. لماذا قررت تونس التضحية بلموشي؟

قبل مواجهة السويد بيوم واحد فقط، بدا لموشي متفائلًا خلال حديثه لوسائل الإعلام، مؤكدًا رغبته في الاستمتاع بتجربة كأس العالم رغم الضغوط الكبيرة المحيطة بالمنتخب

مدينة الأبيض
قول

عروس الرمال "الأُبَيِّض".. مسيرة مدينة سودانية مع الحروب

على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي وسط تلالها الرملية التي زيّنتها عروسًا في بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار أكثر من مرة