"الأمل الأسود".. الحرب تدفع العالم نحو الاعتماد المتزايد على الفحم
13 ابريل 2026
تتسبب الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على دول الخليج، في خلق صدمة جديدة في أسواق الطاقة العالمية، صدمة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خيارات الدول الاستراتيجية في مزيج الطاقة، مع مؤشرات متزايدة على عودة الاعتماد على الفحم بوصفه "حلًا سريعًا" في مواجهة أزمة الوقود المتصاعدة.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي يعيد إلى الأذهان مرحلة أزمات الطاقة في السبعينيات، فحسبما نقلت صحيفة "الغارديان"، واجه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر تداعيات نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ودفع باتجاه استراتيجية مزدوجة، تتمثل بترشيد الاستهلاك من جهة، وتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري، خصوصًا الفحم، من جهة أخرى، الذي وصفه وزير الطاقة آنذاك جيمس شليسنجر بأنه "الأمل الأسود" للولايات المتحدة.
تضع الحرب العالم أمام خيارين، فإما تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة كوسيلة لتحقيق الاستقلال الطاقي والاستقرار الاقتصادي، أو العودة المؤقتة إلى الفحم باعتباره حلًا سريعًا في مواجهة الأزمات
واليوم، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في معادلة مشابهة من حيث الضغوط الاقتصادية، مع ارتفاع أسعار الوقود وعودة مخاوف "الركود التضخمي"، أي تزامن التضخم مع تباطؤ النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأميركي أقل اعتمادًا على الطاقة مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، فإن صدمات السوق الحالية تعيد إنتاج نفس المخاوف القديمة، وتدفع نحو سياسات طاقة أكثر تشددًا.
وفي هذا السياق، يواصل ترامب الدفع نحو تعزيز إنتاج الوقود الأحفوري محليًا، باعتباره وسيلة لتأمين السوق الداخلية وتقليل التعرض للتقلبات الجيوسياسية، خاصة مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل النفط والغاز في العالم.
يشكل التوتر في منطقة الخليج، وخصوصًا في مضيق هرمز، عنصر ضغط رئيسي على الأسواق العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة. ومع تعطل أو تهديد حركة الملاحة في هذا الشريان الحيوي، ترتفع أسعار النفط والغاز، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل والتضخم العالمي.
هذا الواقع يدفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الطاقوية، ليس باتجاه تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، بل في بعض الحالات نحو العودة إلى الفحم، باعتباره مصدرًا متاحًا ورخيصًا نسبيًا مقارنة بالبدائل الأخرى.
ورغم أن الطاقة المتجددة تُطرح عادة كخيار استراتيجي لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، فإن الأزمة الحالية تكشف حدود هذا التصور. فمكونات أساسية مثل المعادن النادرة المستخدمة في تصنيع التوربينات والبطاريات تظل مرتبطة بسلاسل توريد تهيمن عليها الصين، ما يخلق نوعًا آخر من التبعية الجيوسياسية.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التمويل نتيجة الضغوط التضخمية يجعل الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة أكثر صعوبة، ما يبطئ خطط التحول الأخضر في عدد من الدول.
ووسط هذه الظروف، يعود الفحم إلى الواجهة كخيار "واقعي" في نظر العديد من الحكومات. وتشير البيانات التي عرضتها صحيفة "الغارديان" إلى أن استهلاك الفحم العالمي ارتفع بنحو 1.3 مليار طن منذ عام 2020، ليصل إلى حوالي 8.8 مليار طن.
ورغم الالتزامات الدولية المتكررة خلال قمم المناخ في ريو 1992، وكيوتو 1997، وباريس 2015، فإن الفحم لا يزال يحتفظ بحصة كبيرة من مزيج الطاقة العالمي، إذ ارتفعت مساهمته من 23% عام 2000 إلى 28% في عام 2023.
وتبرز بشكل خاص دول آسيا الأكثر تأثرًا بأزمات الإمدادات، مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وبنغلاديش والفلبين وتايلاند وتايوان، حيث تتجه بعض هذه الدول بالفعل إلى زيادة استخدام الفحم أو إعادة تشغيل محطات كانت قد أُغلقت سابقًا.
وفي أوروبا، التي تُعد من أكثر المناطق التزامًا بأهداف المناخ، بدأت مؤشرات التراجع تظهر، مع قرار إيطاليا تأجيل إغلاق محطات الفحم لسنوات طويلة، إضافة إلى دراسة ألمانيا إعادة تشغيل بعض المحطات المعطلة لضمان أمن الطاقة.
تجد أوروبا نفسها اليوم أمام معادلة صعبة بين التزاماتها المناخية واحتياجاتها الاقتصادية والأمنية. فبعد أزمة الغاز الروسي والحرب في أوكرانيا، أصبح الأمن الطاقي أولوية تفوق أحيانًا أهداف خفض الانبعاثات.
وتعكس تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هذا التحول، حين أشار إلى أن الاعتماد على الطاقة المحلية والمتجددة يمكن أن يساهم في استقرار أسعار الفواتير، إلا أن الواقع السياسي والاقتصادي يدفع في اتجاه أكثر تعقيدًا.
وتُظهر التجربة التاريخية، بدءًا من حقبة كارتر وصولًا إلى اليوم، أن الأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تعرقل مسار التحول نحو الطاقة النظيفة. فعلى الرغم من التقدم الذي تحقق في مجال إزالة الكربون، لا يزال الفحم حاضرًا بقوة، بل ويزداد استخدامه في فترات الاضطراب.
ففي الولايات المتحدة، لا تتجاوز حصة الفحم من استهلاك الطاقة نحو 9% حاليًا، وهي أقل من حصة الطاقة المتجددة، إلا أن الاتجاه العالمي العام يشير إلى أن الاستقرار السياسي والاقتصادي هو العامل الحاسم في تسريع أو تعطيل التحول الطاقي.
تضع الحرب في إيران العالم أمام خيارين، فإما تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة كوسيلة لتحقيق الاستقلال الطاقي والاستقرار الاقتصادي، أو العودة المؤقتة إلى الفحم باعتباره حلًا سريعًا في مواجهة الأزمات. وكل المؤشرات الحالية ترجّح أن حالة عدم الاستقرار العالمي، وارتفاع تكاليف الطاقة، قد تدفع العديد من الدول إلى الخيار الثاني، حتى لو كان ذلك على حساب أهداف المناخ طويلة الأمد.