الإدارة السورية الجديدة في مواجهة حزب الله: حدود الدور وحساباته
17 يونيو 2026
تتجاوز تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة دونالد ترامب حول إمكانية قيام الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، بدور في مواجهة حزب الله في لبنان حدود زلة سياسية أو تعليق عابر ارتبط بظرف ميداني مؤقت، إذ عاد الرجل خلال أيام قليلة إلى تكرار الفكرة نفسها بصيغ مختلفة، عندما اقترح أولًا أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله إذا كانت إسرائيل عاجزة عن القيام بذلك من دون التسبب بمزيد من الدمار والخسائر البشرية في لبنان، قبل أن يعود لاحقًا للحديث عن دور سوري محتمل في تسهيل تنفيذ ضربات "أكثر دقة" ضد الحزب.
ويكشف هذا التكرار عن وجود تصور أميركي آخذ بالتبلور داخل دوائر القرار في واشنطن يقوم على إعادة توظيف سوريا الجديدة داخل معادلات الأمن الإقليمي، بعد أن أمضت سنوات طويلة بكونها إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني وواحدة من أبرز الممرات الاستراتيجية التي اعتمد عليها حزب الله في بناء قدراته العسكرية واللوجستية قبل كانون الأول/ديسمبر 2024.
إعادة تموضع سوريا في الحسابات الأميركية والإقليمية
يكتسب هذا الطرح جرأة استثنائية لأنه يأتي في لحظة تشهد تحولات جذرية في بنية المشرق العربي، بعد سقوط نظام الأسد، وخروج القسم الأكبر من البنية العسكرية الإيرانية من الأراضي السورية (مع بقاء بعض الخلايا المرتبطة بالمحور)، وتزايد الانفتاح الأميركي على الإدارة السورية الجديدة، وتبنّي ترامب لهذه الإدارة بمجملها.
يكشف هذا التكرار عن تصور أميركي يتبلور في واشنطن لإعادة توظيف سوريا الجديدة ضمن معادلات الأمن الإقليمي، بعد أن كانت لسنوات ساحة رئيسية للنفوذ الإيراني وممرًا استراتيجيًا اعتمد عليه حزب الله في بناء قدراته العسكرية واللوجستية
تعكس إشادة ترامب المتكررة بالشرع، وحديثه عن التزام دمشق بتنفيذ ما تطلبه واشنطن، تصورًا أميركيًا يتجاوز حدود دعم الاستقرار داخل سوريا ليصل إلى محاولة بناء شراكة أمنية جديدة تمنح دمشق دورًا إقليميًا مختلفًا عن ذلك الذي لعبته خلال العقود الماضية؛ ومن هذا المنطلق، تبدو التصريحات الأميركية مرتبطة برؤية أوسع تسعى إلى إعادة رسم وظيفة سوريا داخل التوازنات الإقليمية، عبر تحويلها من ساحة كانت تستخدمها إيران لتعزيز نفوذها في لبنان إلى طرف يشارك في احتواء هذا النفوذ نفسه وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بحزب الله.
وتفتح هذه المقاربة الباب أمام أسئلة أكبر من مسألة الضربات العسكرية أو التنسيق الأمني، لأنها ترتبط بمستقبل توزيع النفوذ في المشرق العربي كله، وبطبيعة الأدوار التي تريد الولايات المتحدة منحها لحلفائها وشركائها الجدد بعد التراجع الكبير الذي أصاب المحور الإيراني في سوريا؛ إذ إن واشنطن لا تتحدث هنا عن عملية أمنية محدودة أو عن تعاون استخباراتي عابر، وإنما تختبر إمكانية إدخال دمشق إلى منظومة عسكرية وأمنية وعملياتية إقليمية جديدة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والتركية والعربية، وهو ما يجعل تصريحات ترامب جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بشكل النظام الإقليمي الذي تحاول الولايات المتحدة بناءه في مرحلة ما بعد الأسد.
بين الطموح الأميركي وتعقيدات الداخل
تستمد هذه التصريحات أهميتها من توقيتها السياسي، إذ تتزامن مع مرحلة شهدت انفتاحًا عالميًا متدرجًا على الإدارة السورية الجديدة، ورفعًا لجزء مهم من العقوبات الاقتصادية، ورفع اسم سوريا من قائمة الدول التي لا تتعاون في مكافحة الإرهاب (Countries Certified as Not Cooperating Fully With U.S. Counterterrorism Efforts)، وبدء نقاشات إقليمية ودولية حول مستقبل سوريا ودورها في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
تشير هذه الخطوات عمومًا إلى توجه أميركي يقوم على اختبار قدرة دمشق على التحول إلى عنصر فاعل في مشاريع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بلبنان وأمن الحدود ومواجهة النفوذ الإيراني والخلايا المرتبطة به؛ وتطرح هذه المقاربة تصورًا يقوم على توظيف التحولات التي شهدتها سوريا خلال العامين الأخيرين (سقوط نظام الأسد، تطوير وزارة الدفاع وتطوير قوات الأمن العام، دمج الفصائل، دمج قسد، وتهدئة الساحل) من أجل إحداث تغيير تدريجي في المشهد الأمني اللبناني، عبر الاستفادة من الموقع الجغرافي السوري وقدرته على التأثير في مسارات الحركة والاتصال الممتدة بين سوريا ولبنان.
الآن تفترض هذه الرؤية الأميركية امتلاك سوريا الجديدة هامشًا واسعًا من القدرة على التأثير في الملفات الإقليمية، بالاستناد إلى إرث سوريا في إدارة مجموعة ملفات في المنطقة بحكم موقعها ومكانة دمشق على المستوى الأمني والاستخباراتي والدبلوماسي؛ وهي فرضية تصطدم بجملة من الاعتبارات السياسية والأمنية المرتبطة بطبيعة المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد.
وتواجه الدولة السورية تحديات داخلية ضخمة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات العسكرية، إذ إن إسرائيل دمرت حوالي 80% من القدرة العسكرية للبلاد في أعقاب سقوط الأسد، والأمنية والإدارية، وإعادة تأهيل الاقتصاد المنهك، وإدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها سنوات الحرب الطويلة، الأمر الذي يدفع القيادة السورية إلى إعطاء الأولوية لملفات الاستقرار الداخلي وترميم الدولة وإعادة إنتاج السلطة المركزية على كامل الجغرافيا السورية، لا سيما في ظل توترات مع الأكراد وخروج السويداء عن السلطة المركزية في دمشق. بالنتيجة، تفرض هذه التحديات نهجًا سياسيًا مختلفًا يجعل الانخراط في مشاريع إقليمية معقدة أمرًا يحتاج إلى حسابات دقيقة تتجاوز الرغبات الأميركية أو التوقعات الإسرائيلية ولا يجب أن تلتقي معها بالضرورة ولا لعدم الحاجة.
الملف اللبناني بين إرث التدخلات وضبط الإيقاع السياسي السوري الجديد
يحمل الملف اللبناني بدوره حساسية استثنائية بالنسبة لصناع القرار في دمشق، قديمًا وحديثًا، نظرًا لما يختزنه من إرث سياسي وأمني يعود إلى عقود طويلة من التداخل بين البلدين؛ إذ خلفت تجربة الوجود السوري في لبنان بين عامي 1976 و2005 آثارًا عميقة على العلاقات الثنائية وعلى الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من السوريين واللبنانيين، الأمر الذي يجعل أي حديث عن عودة دور سوري مباشر في الداخل اللبناني محاطًا بقدر كبير من التعقيد والحذر. تدرك القيادة السورية الجديدة أن شرعيتها الداخلية والخارجية ترتبط بصورة الدولة التي تسعى إلى بناء علاقاتها الإقليمية على أساس السيادة المتبادلة والمصالح المشتركة، وهي معادلة تفرض الابتعاد عن أنماط النفوذ التقليدية التي طبعت العلاقات السورية اللبنانية خلال العقود السابقة.
تكتسب تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع حول عدم دقة وواقعية الدخول السوري إلى لبنان أهمية هنا، لأنها جاءت لتحدد بوضوح أولويات دمشق ورؤيتها للعلاقة مع لبنان في المرحلة المقبلة؛ وتعكس إشارات الشرع المتكررة إلى تعقيد ملف الحدود وإلى الحاجة لتركيز الجهود على الاستقرار والتنمية والربط الاقتصادي توجهًا سوريًا يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين انطلاقًا من الملفات التنموية والمؤسساتية بدلًا من المقاربات الأمنية التقليدية. ويعكس حديثه عن الجراح المتبادلة الناتجة عن التدخلات السابقة فهمًا سياسيًا لطبيعة التحولات التي شهدها البلدان خلال العقد الأخير، ورغبة في تأسيس مرحلة جديدة تقوم على إدارة المصالح المشتركة ومعالجة الملفات العالقة ضمن أطر سياسية وقانونية طويلة الأمد؛ ورغبة موصولة بفهم أوضح لماهية العلاقة بين المكونات اللبنانية وعلاقتهم بالسلاح.
المعنى هنا أن الدخول السوري سيكون ضد حزب الله، الذي بدوره ليس ضعيفًا، لكنه سيصطدم أيضًا بسلاح المسيحيين الرافضين لأي وجود سوري أصلًا (سواء مدني أو عسكري) وسلاح العشائر وغيرهم. وعلى مستوى أبعد سيصطدم بالقرار العربي (السعودي والقطري) الساعي نحو تهدئة في لبنان وترتيب البيت اللبناني بما يضمن إعادة الاستقرار إليه لترتيبات أمنية إقليمية أعلى.
تركيا وضبط توازنات الدور السوري
الآن تبرز تركيا هنا كأحد أهم العوامل المؤثرة في حدود الدور السوري المستقبلي داخل الإقليم، نظرًا لما تمتلكه من حضور سياسي وأمني واقتصادي واسع داخل سوريا الجديدة؛ لا سيما وأن أنقرة تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره جزءًا من أمنها القومي المباشر، كما تنظر إلى أي تغيير كبير في موازين القوى داخل المشرق من زاوية تأثيره على مصالحها الاستراتيجية ومكانتها الإقليمية. وتدفع هذه الاعتبارات تركيا إلى التعامل بحذر مع أي ترتيبات قد تفضي إلى توسيع المجال الحيوي الإسرائيلي أو إلى إعادة إنتاج صراعات إقليمية جديدة على الأراضي السورية واللبنانية، خصوصًا في ظل سعيها إلى تثبيت معادلة إقليمية تمنحها دورًا مركزيًا في إدارة ملفات المنطقة.
تضع الحسابات التركية سقفًا واضحًا لأي رهان أميركي أو إسرائيلي على توظيف سوريا في مواجهة حزب الله، إذ تنظر أنقرة إلى لبنان وسوريا باعتبارهما جزءًا من مجال استراتيجي واحد يرتبط بأمنها القومي وبمشاريعها الاقتصادية والجيوسياسية الممتدة نحو شرق البحر المتوسط والخليج العربي. ويعكس خطاب أردوغان الأخير حول أمن أنقرة الذي يمر عبر بيروت ودمشق قناعة متنامية داخل دوائر القرار التركية بأن إسرائيل لا تتحرك فقط لتفكيك النفوذ الإيراني أو إضعاف حزب الله، وإنما تعمل على بناء وقائع جيوسياسية جديدة تمنحها مساحة أوسع من النفوذ على امتداد المشرق العربي.
وفي ظل هذا الإدراك التركي، تكتسب سوريا أهمية مضاعفة بوصفها العمق الجغرافي للمشاريع التركية الإقليمية، وبوصفها أيضًا الساحة التي يمكن أن يتحدد فيها شكل التوازن المقبل بين أنقرة وتل أبيب. لذلك تأتي المقاربة التركية من فكرة احتواء النفوذ الإيراني وإعادة تنظيمه ضمن توازنات جديدة، فيما تقترب المقاربة الإسرائيلية من فكرة إزاحته بالكامل وملء الفراغ الناتج عنه، وهو اختلاف جوهري يجعل من الصعب تصور موافقة تركية على انخراط سوري في أي مشروع يستهدف دفع لبنان إلى مواجهة جديدة أو فتح المجال أمام توسع إسرائيلي إضافي على الحدود السورية واللبنانية.
تكشف مجمل هذه التطورات أن النقاش الدائر حول دور سوري محتمل في مواجهة حزب الله يتجاوز بكثير حدود الساحة اللبنانية، ليرتبط بمحاولة أميركية أوسع لإعادة صياغة التوازنات التي حكمت المشرق العربي طوال العقود الماضية
إيران بين أدوات النفوذ وحسابات تثبيت الدور
على الجانب الإيراني، تحتفظ إيران في الوقت نفسه بعناصر تأثير مهمة تجعلها طرفًا أساسيًا في أي معادلة تتعلق بمستقبل حزب الله أو بالتوازنات اللبنانية عمومًا؛ إذ تراكمت لدى طهران خلال سنوات الحرب السورية شبكة واسعة من العلاقات والخبرات والأدوات السياسية والأمنية والاجتماعية التي تسمح لها بمتابعة التحولات الجارية في سوريا والتكيف معها بصورة مستمرة.
في الواقع، تمنح هذه المعطيات إيران قدرة على التأثير في مسارات الأحداث وعلى حماية جزء من مصالحها الاستراتيجية في المشرق، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإعادة رسم المشهد اللبناني أو السوري مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات إيرانية تتعلق بموقعها الإقليمي وبمستقبل شبكة حلفائها التقليديين؛ وقد يصل هذا الأمر ليكون تهديدًا جريئًا يطاول إدارة أحمد الشرع بعدم التدخل في لبنان، وهذا وارد في ظل شراسة الوضع الأمني في المنطقة عمومًا.
تشابك التوازنات الإقليمية
تكشف مجمل هذه التطورات أن النقاش الدائر حول دور سوري محتمل في مواجهة حزب الله يتجاوز بكثير حدود الساحة اللبنانية، ليرتبط بمحاولة أميركية أوسع لإعادة صياغة التوازنات التي حكمت المشرق العربي طوال العقود الماضية بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات؛ لا سيما وأن إدارة دونالد ترامب تتعامل مع هذا المسار بالأدوات نفسها التي تعتمدها في مقاربة الملف الإيراني، عبر الجمع بين الضغوط العسكرية والاقتصادية من جهة، وفتح قنوات التفاوض وإطلاق الإشارات السياسية المتناقضة من جهة أخرى، بهدف دفع الخصوم والحلفاء معًا إلى إعادة تموضعهم داخل منظومة إقليمية جديدة تقودها واشنطن.
غير أن هذا المسار يصطدم بجملة من الوقائع المعقدة، تبدأ من الحسابات السورية المرتبطة بإعادة بناء الدولة وترتيب الأولويات الداخلية، مرورًا بالمصالح التركية التي تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما جزءًا من أمنها القومي ومجالها الحيوي، وصولًا إلى المصالح الإيرانية التي لا تزال ترى في حزب الله ركنًا أساسيًا من منظومتها الإقليمية. وبين هذه التوازنات المتشابكة، تتحول سوريا إلى ساحة تنافس على النفوذ أكثر من كونها أداة جاهزة في أي مشروع أميركي أو إسرائيلي، فيما يبقى لبنان في قلب هذا الاشتباك الجيوسياسي بوصفه الحلقة التي تتقاطع عندها مشاريع إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سباق بين مسار التفاهمات السياسية التي تسعى واشنطن إلى فرضها، ومسار التصعيد الذي قد تلجأ إليه إسرائيل كلما شعرت بأن إعادة تشكيل المنطقة تسير بوتيرة أبطأ مما ترغب.