الاستسلام للخوارزميات.. أزمة الذكاء الاصطناعي مع الرعاية الصحية
15 ديسمبر 2025
الاستسلام للخوارزميات.. أزمة الذكاء الاصطناعي مع الرعاية الصحية
تشهد الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية تحولًا جذريًا بفعل انتشار الذكاء الاصطناعي في المستشفيات والعيادات، لكن هذا التحول يحمل معه مخاطر عميقة على الإنسان والمجتمع، ليس فقط على صعيد التشخيص والعلاج، بل على جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض وعلى أساس الديمقراطية نفسها.
فقدان البعد الإنساني
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، ففي إحدى العيادات، صاحبت سيدة مسنة في السبعينيات من عمرها لتلقي العلاج. كانت تعاني من صعوبات في التنفس عند صعود السلالم، وظهرت عليها علامات القلق والخوف من تفاقم حالتها. أثناء حديثها مع الطبيب، بدأ برنامج الذكاء الاصطناعي بتسجيل وتحليل كلماتها واقتراح تشخيصات وفواتير التأمين. وعلى الرغم من دقة التلخيص الذي قدمه البرنامج، إلا أنه لم يلتقط الفيض العاطفي في صوتها، أو مخاوفها المتعلقة بتاريخها الشخصي أو علاقتها بوفاة والدتها. هنا يظهر الفرق بين الدقة التقنية والاهتمام الإنساني العميق.
أصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتحويل حياة البشر إلى بيانات رقمية قابلة للقياس والتقييم المالي، دون النظر إلى التجارب الإنسانية العميقة
وفي مثال آخر، استخدم رجل في أواخر الستينيات الذكاء الاصطناعي كمعالج نفسي أساسي، حتى أصبح البرنامج مصدرًا رئيسيًا للراحة والتواصل الاجتماعي له. تعلم الرجل أن يصف معاناته النفسية وفق لغة البرنامج، مستبدلاً تعبيراته الشخصية بمصطلحات طبية، ليحصل على تجاوب آلي يطمئنه لكنه لا يعالج جذور معاناته. هذه الحالات تعكس خطر أن يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا للعلاقة الإنسانية المباشرة، وأن يحدد اللغة التي يستخدمها المريض للتعبير عن نفسه.
الذكاء الاصطناعي: أداة أم تهديد؟
يُروج للذكاء الاصطناعي بأنه قادر على معالجة مشاكل الإجهاد لدى الأطباء، وتخفيض التكاليف، وتوسيع الوصول للرعاية. لكن عندما يُستخدم في نظام صحي يركز على الكفاءة والربح، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتحويل حياة البشر إلى بيانات رقمية قابلة للقياس والتقييم المالي، دون النظر إلى التجارب الإنسانية العميقة.
البيانات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي ليست محايدة، فهي تعكس تحيزات تاريخية واجتماعية، مثل التمييز العرقي في اختبارات وظائف الكلى أو نقص تمثيل النساء والأقليات في التجارب السريرية. هذه التحيزات قد تؤدي إلى إهمال الفئات الأضعف، وزيادة التفاوتات الصحية والاجتماعية.
التأثير على الممارسة الطبية
أظهرت الدراسات أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يؤدي أحيانًا إلى "تآكل المهارات السريرية" لدى الأطباء، حيث يصبح التفكير النقدي واستقلالية القرار أقل، ويزداد الاعتماد على التوصيات الآلية. كلما زادت الإنتاجية المتوقعة من الأطباء، كلما استُغل الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي لمزيد من الزيارات والربح، بدلًا من تحسين جودة الرعاية.
نتج عن ذلك حضورًا إنسانيًا أقل في الرعاية. المرضى يشعرون بأنهم مجرد بيانات وأرقام، والأطباء يصبحون متقيدين بالأنظمة، بعيدا عن القدرة على الاستماع العميق والتفاعل الإنساني مع المخاوف والهواجس والصعوبات العاطفية للمرضى.
الرعاية كقيمة أخلاقية وسياسية
الرعاية الحقيقية تتجاوز التشخيصات والوصفات الطبية، فهي تعتمد على الاستماع العميق، والاهتمام بالمريض كشخص كامل، وليس مجرد كيان مرضي. الفلاسفة وعلماء الأخلاق يرون أن الرعاية ممارسة سياسية وأخلاقية، تعزز الروابط الاجتماعية وتقوي الديمقراطية. الاستماع والاعتراف بالآخر يعززان الثقة والاندماج المجتمعي، بينما تحويل الرعاية إلى بيانات رقمية يعمّق العزلة ويضعف الأساس الاجتماعي للديمقراطية.
اقتصاد الرعاية: الربح مقابل الإنسان
في الولايات المتحدة، يُنظر إلى الرعاية الصحية على أنها سلعة. فتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحرير الأطباء من عبء العمل، غالبًا ما تُستغل لتعظيم الأرباح من خلال زيادة عدد المرضى وسرعة الإجراءات. شركات التأمين تستخدم التحليلات التنبؤية لتصنيف المرضى على أساس التكلفة، وقد تُرفض مطالباتهم للعلاج حتى قبل مراجعة الطبيب، كما حدث مع كبار السن في شركات مثل UnitedHealth وCigna.
البديل لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في إعادة صياغة النظام الصحي بأكمله حول مفهوم الرعاية. يجب دعم القوى العاملة للرعاية، وتعزيز الأنظمة العامة للصحة والرعاية الاجتماعية، وتوسيع برامج الرفاه الاجتماعي لمكافحة التفاوت. في نظام يركز على الإنسان، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في متابعة السلامة الدوائية، تحديد الفئات الأكثر ضعفًا لتقديم الدعم، ودعم الكوادر الطبية دون استغلال حياتهم للربح.
وإذا سلم المجتمع الرعاية للآلات، فإن ما سنخسره "حسب الغارديان" ليس مجرد تفاصيل طبية، بل جوهر الإنسانية والاتصال البشري. الرعاية الحقيقية هي ممارسة قائمة على الاستماع والثقة، وليست مجرد معاملات رقمية. مواجهة الهيمنة الرقمية على الطب تتطلب وعيًا جماعيًا، استثمارًا في الإنسان والمجتمع، وإعادة ترتيب الأولويات بعيدًا عن الربح والتقنية وحدها، نحو تعزيز الإنسانية والعدالة الصحية والاجتماعية.







