الاقتصاد الروسي يتراجع لأول مرة منذ 2023.. هل بدأت كلفة الحرب تُرهق موسكو؟
17 مايو 2026
سجل الاقتصاد الروسي أول انكماش فصلي له منذ بداية عام 2023، في مؤشر جديد على الضغوط المتزايدة التي تواجهها موسكو مع استمرار الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التمويل والتضخم، رغم استمرار الإنفاق العسكري الضخم ومحاولات الكرملين الحفاظ على وتيرة النمو.
وأظهرت بيانات هيئة الإحصاء الفيدرالية الروسية أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في تراجع يُنظر إليه باعتباره إشارة مقلقة لاحتمال دخول الاقتصاد الروسي في مرحلة ركود تدريجي بعد سنوات من الاعتماد المكثف على اقتصاد الحرب.
سجل الاقتصاد الروسي أول انكماش فصلي له منذ بداية عام 2023، في مؤشر جديد على الضغوط المتزايدة التي تواجهها موسكو مع استمرار الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التمويل والتضخم
وحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد طالب في وقت سابق بتفسيرات للتباطؤ الاقتصادي، داعيًا المسؤولين إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على النمو. وخلال اجتماع متلفز الجمعة، أشار بوتين إلى أن الاقتصاد عاد للنمو بنسبة 1.8% في آذار/مارس بعد انكماشه في شباط/فبراير، معتبرًا أن ذلك يعكس نتائج التدخلات الحكومية.
لكن خبراء ومؤسسات اقتصادية روسية يرون أن جزءًا من هذا التراجع يعود إلى عوامل مؤقتة، أبرزها انخفاض عدد أيام العمل خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، وهو ما قد يكون اقتطع نحو نصف نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي خلال الربع الأول، بحسب تقديرات البنك المركزي الروسي.
كما ساهمت الظروف المناخية القاسية في تعميق الضغوط الاقتصادية، بعدما أدت موجات الثلوج الكثيفة والصقيع الشديد مطلع العام إلى تعطيل قطاع البناء، أحد أبرز محركات الاقتصاد الروسي، مقارنة بظروف أكثر اعتدالًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم تأكيد البنك المركزي الروسي أن الانكماش الحالي لا يعني بالضرورة تدهورًا واسع النطاق، فإنه حذر من أن التحسن المسجل في آذار/مارس قد يكون ناتجًا عن تلاشي بعض العوامل المؤقتة، وليس عن انتعاش اقتصادي حقيقي ومستدام.
وفي مؤشر آخر على القلق داخل موسكو، قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إن البلاد تواجه "العديد من التحديات الاقتصادية"، بينما خفضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها للنمو في عام 2026 إلى 0.4% فقط، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3%.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتسع فيه عجز الموازنة الروسية، إذ سجلت الميزانية فجوة قياسية خلال نيسان/أبريل، رغم ارتفاع عائدات النفط بسبب التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والحرب الإيرانية التي أثرت على الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وخلال العام الماضي، تباطأ الاقتصاد الروسي بشكل حاد بعد أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي إلى مستوى قياسي بلغ 21% في تشرين الأول/أكتوبر 2024 لمواجهة التضخم الناتج عن الإنفاق العسكري الضخم. ورغم بدء تخفيف السياسة النقدية تدريجيًا منذ منتصف 2025، فإن سعر الفائدة الحالي البالغ 14.5% لا يزال مرتفعًا بالنسبة للشركات والأسر الروسية.
كما ساهمت الضرائب الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ هذا العام في الضغط على النشاط الاقتصادي، بعدما سارعت الأسر الروسية إلى إجراء مشتريات كبيرة قبل تطبيق الزيادات الضريبية، ما تسبب في تراجع حاد بالاستهلاك خلال بداية 2026.
ومع ذلك، أظهرت بيانات مبيعات التجزئة بعض التحسن، إذ ارتفع النمو إلى أكثر من 6% في آذار/مارس مقارنة بنحو 2% فقط خلال كانون الثاني/ وشباط/فبراير، في إشارة إلى تعافٍ جزئي في الإنفاق الاستهلاكي.
ويعوّل الكرملين بشكل كبير على قطاع النفط والغاز الذي يوفر نحو خمس إيرادات الميزانية الروسية، كما رحبت موسكو بارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على الخام الروسي بعد اضطرابات الإمدادات في الخليج نتيجة التوترات الإقليمية الأخيرة.
لكن رغم هذه المكاسب المؤقتة، يرى مراقبون أن الاقتصاد الروسي يواجه اختبارًا صعبًا بين استمرار تمويل الحرب، وارتفاع التضخم، وتباطؤ الاستثمار والاستهلاك، ما قد يجعل الحفاظ على النمو أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.