ultracheck
  1. الترا لايت
  2. علوم

البيئة والحروب.. خسائر صامتة وثمن مؤجل

7 ابريل 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
زاهر هاشم زاهر هاشم

 أعاد الهجوم الذي استهدف ناقلات النفط مؤخرًا في الخليج العربي تسليط الضوء على المخاطر البيئية المرتبطة بالنزاعات والتوترات الإقليمية، حتى في الحالات التي لا تسفر عن أضرار مباشرة.

ورغم إعلان السيطرة على بعض الحوادث وعدم تسجيل تسرب نفطي، فإن هذه الوقائع تفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول هشاشة البيئة البحرية في مناطق كثيفة النشاط النفطي، وحجم المخاطر المحتملة في حال تكرار مثل هذه الحوادث.

تسهّل ضحالة مياه الخليج من وصول الملوثات النفطية إلى القاع، إذ يبلغ متوسط عمق المياه حوالي 40 مترًا فقط

ولا يقتصر تأثير مثل هذه الحوادث على البيئة الطبيعية فحسب، بل يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، فدول الخليج العربي تعتمد بشكل كبير على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، ما يجعل أي تلوث بحري تهديدًا مباشرًا للأمن المائي.

كما أن قطاع الصيد البحري قد يتعرض لخسائر كبيرة في حال تضرر المخزون السمكي نتيجة التلوث.

خصائص فريدة تضاعف الأثر البيئي

تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في منطقة الخليج العربي، التي تُعدّ من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا بحركة ناقلات النفط في العالم، وتتميز هذه البيئة البحرية بكونها شبه مغلقة، ما يعني أن تجدد المياه فيها يتم بوتيرة بطيئة نسبيًا، الأمر الذي يجعل أي تلوث حتى لو كان محدودًا، أكثر تأثيرًا واستدامة مقارنة بالمحيطات المفتوحة.

كما يؤدي المناخ الحار والجاف في المنطقة إلى ارتفاع معدلات التبخر السنوية إلى مستويات عالية تصنف على أنها الأعلى عالميًا، وبالتالي ارتفاع معدلات الملوحة في مياه الخليج، وجعلها بيئة هشة أكثر عرضة للانهيار مع أي كارثة بيئية.

وتسهّل ضحالة مياه الخليج من وصول الملوثات النفطية إلى القاع، إذ يبلغ متوسط عمق المياه حوالي 40 مترًا فقط، ومع ارتفاع درجات الحرارة وضعف حركة التيارات المائية في هذا النظام شبه المغلق، يمكن للملوثات أن تستقر لفترات طويلة، قد تصل إلى عدة عقود.

آثار بيئية معقدة

تُخلّف الحروب والصراعات العسكرية آثارًا بيئية عميقة ومعقّدة، لا تقل خطورة عن الخسائر البشرية والاقتصادية، بل تمتد غالبًا لسنوات طويلة بعد انتهاء النزاع.

وتتنوع هذه التأثيرات بحسب طبيعة العمليات العسكرية ونوعية الأسلحة المستخدمة، لكنها تتركز بشكل رئيسي في التربة، والمياه، والبيئة البحرية، والغلاف الجوي.

  • تلوث التربة

تُعد التربة من أكثر العناصر تأثرًا بالحروب، خاصة في مناطق الاشتباك المباشر، إذ تخلّف القذائف والمتفجرات بقايا معدنية وكيميائية، مثل الرصاص والزئبق واليورانيوم المنضب، تتراكم في التربة وتبقى فيها لفترات طويلة.

كما تؤدي الانفجارات إلى تدمير البنية الفيزيائية للتربة، ما يقلل من خصوبتها ويؤثر في قدرتها على دعم الزراعة، عدا عن الأضرار الناجمة عن سير المركبات العسكرية، وإزالة أجزاء من الغابات لإقامة نقاط عسكرية فيها، وشق الطرق في الأراضي الزراعية لاستخدامها في التحركات القتالية.

إضافة إلى ذلك، فإن تسرب الوقود والمواد النفطية من الآليات العسكرية أو المنشآت المتضررة يزيد من تلوث التربة، وقد يؤدي إلى انتقال هذه الملوثات إلى النباتات، ومن ثم إلى السلسلة الغذائية، ما يشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان.

  • تلوث المياه

تتعرض الموارد المائية خلال الحروب لضغوط كبيرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فاستهداف البنية التحتية، مثل محطات معالجة المياه وشبكات الصرف الصحي، يؤدي إلى تسرب الملوثات إلى الأنهار والمياه الجوفية، كما يمكن أن تختلط المياه بمخلفات عسكرية أو كيميائية، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام البشري أو الزراعي.

وفي بعض الحالات، تتسرب مواد سامة إلى الطبقات الجوفية، وهو ما يُعد من أخطر أنواع التلوث، نظرًا لصعوبة معالجته واستمراره لفترات طويلة، وقد يؤدي هذا النوع من التلوث إلى أزمات مياه مزمنة، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من شح الموارد المائية.

  • تلوث البيئة البحرية

تشكل النزاعات العسكرية تهديدًا كبيرًا للبيئات البحرية، خاصة في حال وقوع عمليات عسكرية بالقرب من السواحل أو استهداف ناقلات النفط والمنشآت البحرية.

وينتج عن تسرب النفط تكوين طبقات عازلة على سطح الماء، تمنع وصول الأكسجين والضوء إلى الكائنات البحرية، ما يؤدي إلى نفوق الأسماك وتدمير الشعاب المرجانية.

كما أن بعض المواد الكيميائية المستخدمة في العمليات العسكرية قد تصل إلى البحر، مسببة اختلالًا في التوازن البيئي.

وتكمن خطورة التلوث البحري في صعوبة احتوائه وسرعة انتشاره عبر التيارات البحرية، ما يجعله عابرًا للحدود والأقاليم وقد تمتد آثاره لتطال أكثر من دولة.

  • تلوث الهواء

تؤدي الحروب والصراعات العسكرية إلى تدهور كبير في جودة الهواء نتيجة الانفجارات والحرائق، خاصة عند استهداف منشآت النفط والغاز أو المصانع، إذ تطلق هذه الحرائق كميات ضخمة من الغازات السامة، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، إضافة إلى الجسيمات الدقيقة التي تشكل خطرًا على الجهاز التنفسي.

كما تسهم العمليات العسكرية في زيادة انبعاثات الكربون، سواء من الآليات العسكرية أو من الحرائق الواسعة، ما يفاقم من ظاهرة التغير المناخي، وفي بعض الحالات، قد تنتج عن الانفجارات سحب ملوثة تستمر في الجو لفترات طويلة، وتنتقل عبر الرياح إلى مناطق بعيدة عن موقع النزاع.

  • تقويض العمل المناخي وخطط الاستدامة

تؤدي الحروب والصراعات العسكرية إلى تقويض العمل المناخي، عبر تعطيل السياسات، واستنزاف الموارد، وإعادة ترتيب الأولويات على حساب الاستدامة.

وفي الوقت الذي يتطلب فيه التصدي لتغير المناخ استثمارات طويلة الأمد وتعاونًا دوليًا مستقرًا، تفرض النزاعات واقعًا معاكسًا يقوم على الطوارئ، وعدم اليقين، والتركيز على الأمن الآني.

في السياق نفسه، تتأثر الجهود المتعلقة بالطاقة المتجددة بشكل واضح، فهذه المشاريع تعتمد على استقرار سياسي وأمني، واستثمارات كبيرة، وشبكات بنية تحتية معقدة، ومع اندلاع النزاعات، تتراجع ثقة المستثمرين، وتتوقف المشاريع قيد التنفيذ، أو تُلغى خطط التوسع، بل إن بعض المنشآت القائمة قد تتعرض لأضرار مباشرة، خاصة إذا كانت ضمن مناطق العمليات العسكرية أو بالقرب من أهداف استراتيجية.

إلى جانب ذلك، تدفع الحروب الدول إلى العودة للاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، خصوصًا الوقود الأحفوري، ففي أوقات الأزمات، تصبح الأولوية لتأمين إمدادات الطاقة بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كانت أكثر تلويثًا، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة استخدام الفحم أو النفط، وتأجيل سياسات خفض الانبعاثات، وهو ما يتعارض مع أهداف الحد من الاحترار العالمي.

آثار اجتماعية وبعد إنساني

لا يقتصر التأثير البيئي للحروب على فترة الصراع، بل يمتد ليشكل تحديًا طويل الأمد أمام التعافي والاستقرار، فالتربة الملوثة لا تعني فقط تراجع الإنتاج الزراعي، بل تعني أيضًا فقدان مصدر دخل لآلاف الأسر، وارتفاعًا في معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

كما أن تلوث المياه، سواء السطحية أو الجوفية، يضع ضغوطًا إضافية على أنظمة الإمداد الهشة أصلًا، ويزيد من احتمالات انتشار الأمراض، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية، وبهذا المعنى، تتحول الأضرار البيئية إلى عامل مضاعف للأزمات، يطيل أمد التعافي ويعقّد جهود إعادة الإعمار.

ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ تؤثر هذه التراكمات البيئية على الاستقرار الاجتماعي أيضًا، فشح الموارد وتدهور البيئة قد يدفعان إلى نزوح داخلي أو هجرة، ويزيدان من احتمالات التوترات بين المجتمعات المحلية على الموارد المحدودة.

كما أن إعادة تأهيل الأراضي والمياه الملوثة تتطلب استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة، وهو ما يشكل عبئًا ثقيلًا على الدول الخارجة من النزاعات، التي تكون أولوياتها موزعة بين إعادة بناء البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.

لذا بات من الضروري إدماج البعد البيئي في تقييم آثار الحروب، ليس كعنصر ثانوي، بل كجزء أساسي من التخطيط للاستجابة والتعافي، ويشمل ذلك إجراء تقييمات بيئية سريعة خلال النزاعات، وتوثيق الأضرار، ووضع خطط مبكرة للمعالجة وإعادة التأهيل.

إضافة إلى ذلك، تبرز أهمية التعاون الدولي في دعم الدول المتضررة، سواء من خلال التمويل أو نقل التكنولوجيا أو بناء القدرات.

كلمات مفتاحية
الحرب على إيران

انتعاش لم يدم طويلًا.. صادرات النفط الخليجية تواجه اختبار الحرب مجددًا

بدأت آثار التصعيد العسكري تظهر سريعًا على حركة الشحن، إذ أظهرت بيانات الملاحة انخفاض عدد ناقلات السلع التي عبرت مضيق هرمز يوم الخميس إلى ثلاث ناقلات فقط

مطار العقبة في الأردن

الأردن.. ساحة مواجهة بين أميركا وإيران

يتحول الأردن تدريجيًا إلى إحدى ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أصبحت القواعد الأميركية على أراضيه هدفًا متكررًا للهجمات الإيرانية، بالتزامن مع وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الأجواء الأردنية

الحرس الثوري الإيراني

الحرس الثوري الإيراني.. تحولات ما بعد حرب 2026

أرغمت عمليات الاغتيال الممنهجة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل الحرس الثوري الإيراني على إعادة هيكلة قيادته العليا بسرعة فائقة، من أجل ضمان استمرارية القيادة والسيطرة

كأس العالم 2026
رياضة

"ميركاتو ما بعد المونديال".. لماذا زادت أسعار اللاعبين بشكل جنوني؟

ضخ الأموال الطائلة على اللاعبين بشكل مستمر يعطي إحساسًا خادعًا للجميع بأن هذه الأسعار صلبة وطبيعية، بينما هي في الحقيقة مجرد مضاربات

كأس العالم 2026
رياضة

أكثر 4 منتخبات خيبت الآمال في كأس العالم 2026

الكثير من المنتخبات ظنّت أن كأس اللعالم 2026 ستكون أسهل بحكم تواجد 48 منتخبًا، لكنها خيّبت آمال مشجعيها

المسرح المدرسي الفلسطيني
فنون

عن المسرح المدرسي الفلسطيني

لم أقرأ لمسرحي فلسطيني اعترافًا بدور المدرسة في تفجير موهبته المسرحية

كأس العالم 2026
قول

أساءت إلى نفسها أولًا.. عن الأرجنتين التي خسرت كل شيء في "نهائي العار"

كانت الهوية القتالية مصدر قوة المنتخب الأرجنتيني، لكنها تحولت إلى عبء عندما وصلت إلى فقدان السيطرة، لم تخسر الأرجنتين لأنها قاتلت، بل لأنها لم تعرف متى تتوقف عن القتال