ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

التخلّي عن عرض الكتب.. هل هو إعلان عن موت النقد الأدبي؟

16 سبتمبر 2025
عروض الكتب (شبكات تواصل اجتماعي)
عروض الكتب (شبكات تواصل اجتماعي)
أحمد السلامي أحمد السلامي

كان خبرًا قصيرًا لم يلتفت إليه أحد، لكن مضمونه يحمل مؤشرًا خطيرًا على انهيار ثقافي عالمي نعيشه بصمت وبالتقسيط، ويبدو أنه انهيار يتسق مع ضغط المفهوم الجديد للترفيه الذي تفرد له وسائل الإعلام الحديثة مساحات انعكست على تبويب أقسامها وتمويلاتها، حيث لم يعد للثقافة والفكر والإبداع وعرض الكتب فيها نصيب، في مقابل مواد المنوعات وأخبار من يقدمون محتوى يخلو من القيمة وكل رأسماله أنه ضمن "التريند" والأعلى مشاهدة.

التعليق هُنا على القرار الذي اتخذته وكالة الأنباء العالمية الشهيرة "أسوشيتد برس" والذي قضى بوقف قسم مراجعات الكتب، في خطوة تتجاوز البُعد الإداري أو التعلل بخفض الميزانية، لأنه قرار يلقي بظلال كثيفة وتساؤلات حول ما يشبه الزلزال العنيف الذي سيكون له أثر على بنية المشهد الثقافي والإبداعي، ويحمل إشارة واضحة إلى أننا سنشهد مع مرور الوقت بداية التراجع في الاهتمام بتحليل الكتب، ويليه التدرج في صرف النظر عن الاهتمام بالنقّد الأدبي، والانتقال الحادّ إلى تعويم الذائقة في عصر الذكاء الاصطناعي وتوليد الأفكار والكتابات، بدون الحاجة إلى الدخول في حوار مع النصوص لتقييم أصالتها وجمالياتها. 

النتيجة الفعلية لهذا القرار أن الوكالة توقفت عمليًّا منذ الأول من أيلول/سبتمبر الجاري عن استقبال مواد محررين كانوا يكتبون مراجعات للكُتب الجديدة، وبالطبع فإن الوكالة كانت توزع هذه الكتابات على مشتركيها من مواقع وصحف ووسائل إعلام، ومعنى ذلك أن المحتوى النقّدي والمعرفي سيختفي من وسائل نشر عديدة وليس فقط من منبر الوكالة.

عروض الكتب من أهم أشكال الكتابة النقدية في الصحافة، وكانت ولا تزال تفيد القراء في ترشيحات القراءة وتقدم لهم إضاءات حول أحدث الإصدارات وما يجدر بهم مطالعته في مختلف المواسم، ومع اختفاء عروض الكتب سيفتقد الجمهور ذلك المؤشر والحافز الذي كان يقودهم للاهتمام بالكُتب وترشيحاتها، في ظلّ سيل الإصدارات والترجمات العالمية التي تصدرها كُبرى دور النشر.

جاء قرار الوكالة مكتوبًا بصيغة باردة، وطبقًا للوسائل التي نشرت فحواه فقد تم توزيعه في مذكرةٍ داخلية ربما بغرض إشعار الكُتّاب المتعاملين مع الوكالة بالتوقف عن إرسال هذا النوع من المحتوى.

عروض الكتب من أهم أشكال الكتابة النقدية في الصحافة، وكانت ولا تزال تفيد القراء في ترشيحات القراءة وتقدم لهم إضاءات حول أحدث الإصدارات وما يجدر بهم مطالعته في مختلف المواسم

بإزاء مثل هذه الخطوة القاسية التي يبدو أنها مرت بصمت، من الواضح أن وكالات ومنصّات أخرى ستمضي على هذا النهج لتتخلى عن عروض الكتب لصالح زيادة المساحة المخصصة لنشر صور المشاهير وأخبار زواج وطلاق الفنانين. وكأن ما جرى من قبل لم يكن كافيًّا، حين أصبح المحتوى الثقافي يندرج في تبويب كُبرى منصّات الصحف العالمية ضمن قسم الترفيه إلى جوار أخبار بعيدة الصِلة عن الأدب والفكر والإبداع، فإذا بنا نشهد بداية التخلّي عن تمويل استكتاب من ينتجون المحتوى الرصين، بقرار أقرب ما يكون إلى مرثية للتذوق وللوعي الإنساني الذي يتجه اليوم إلى احتساب كل شيء بلغة الأرقام وحسب مؤشرات الربح والخسارة، بدون النظر إلى الجوهر.

وطبقًا لما ورد على لسان أنتوني مكارتني، محرر (الترفيه) في وكالة "أسوشيتد برس" فإن جمهور مراجعات الكتب "منخفض نسبيًّا"، ولهذا ستعيد الوكالة "تركيز مواردها" على ما هو أكثر رواجًا. ولا براءة في هذه العبارة التي تخفي وراءها حقيقة قاسية تجسّد حرفيًّا الرؤية الجافة التي تحرّك لحظتنا الراهنة وتدفع للنظر إلى تراكم تقاليد الفكر والثقافة بمقدار ما يُمكن أن تمثله في ميزان السلع الأكثر رواجًا ومبيعًا، وتكتشف أن عروض الكتب أصبحت غير مربحة طبقًا لإحصاءات حسابية صارمة، تضمر في منطقها تفوق كل ما هو سطحي وجاذب لقراء اليوم، على مقياس نسبة ما يحقق كل محتوى من إعلاناتٍ وما يستقطب من مشتركين أعلى من عدد المهتمين بمراجعة رواية جديدة أو تحليل استنتاجات بحث أنثروبولوجي أو تقديم دراسة ثقافية.

هذا يقودنا إلى تساؤل من زاويةٍ أخرى، هل على المشتغلين بإنتاج النقّد والفكر ومتابعة جديد الأنشطة والإصدارات الإبداعية والمعرفية تغيير أسلوب العرض؟ وهل عليهم تحويل المحتوى إلى مقاطع فيديو قصيرة والتخلّي عن النصّ المكتوب؟ وهو سؤال يفترض أن على إرث الكتابة الاستسلام لمزاج جمهور اللحظة الراهنة، حيث مقاطع الفيديو القصيرة مرئية ومُتَابعة أكثر من النصوص المكتوبة، وحيث إن المقياس الجديد للحكم على أي محتوى لم يعد في الوقت الحالي يهتم بالجودة والعُمق بقدر التركيز على توقع إقبال الجمهور على متابعة المحتوى وكم سيحقق من المبيعات أو يجلب من المشاهدات، وبلغة الإنترنت والإعلانات كم عدد النقرات التي سيحققها للمنصة.

يحيلنا ذلك إلى مقال جديد للكاتبة والأديبة العراقية لطفية الدليمي نشرته في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس الماضي عبر حسابها على الفيسبوك، أبدت فيه رفضها لفكرة "موت المؤلّف" التي أطلقها رولان بارت، واعتبرت أن "الميتة الناجزة" هي موت الناقد الأدبي، واقترحت استبدال توصيف "الناقد الأدبي" بـ "المشتغل الثقافي"، وهي "إزاحة ليست توصيفية بقدر ما هي دلالية وحقيقية"، لأن المشتغل الثقافي – بحسب الدليمي- "يكتب رأيه من غير أن يشهر السيف في يده"، وبهذا ينتهي عصر "حارسي البوّابة المقدّسة لمعتمدات أدبية هم خالقوها". إلى هُنا انتهى كلام الأديبة العراقية، ولكن الأفق مسدود حتى أمام التوصيف الجديد الذي تقترحه للناقد وهو "المشتغل الثقافي" لأن الانحياز للترفيه وإلى كل ما يبعث على التسلية الجاذبة للجمهور لن يدع مكانًا للناقد مهما اقترحنا تبديل اسمه، بدليل الخطوة التي أقدمت عليها "أسوشيتد برس" بتخليها عن استكتاب متخصّصين بعروض الكتب.

هل على المشتغلين بإنتاج النقّد والفكر ومتابعة جديد الأنشطة والإصدارات الإبداعية والمعرفية تغيير أسلوب العرض؟ وهل عليهم تحويل المحتوى إلى مقاطع فيديو قصيرة والتخلّي عن النصّ المكتوب؟

عندما نطالع ما تبقى من عروض كتب يقتطف المؤلفون سطورًا منها للنشر على الأغلفة الأخيرة لكتبهم، نلاحظ أن لغة النقّد الأدبي ومصطلحاته المعرفة بدأت تتآكل، مع شيوع مفردات بديلة هدفها التسويق للكتاب كسلعة، مثل "ممتع"، "مؤثر"، "سيغيّر حياتك"، وغيرها من التوصيفات التي تنتمي إلى لغة الاستهلاك.

أعتقد أن أكبر متضرر من انتفاء الحاجة لعروض الكتب أو إهمالها في المنصّات ومواقع الصحف هو المؤلف، لأنه لا يمكن أن يقوم بدور التأليف وتقديم أو تبسيط كتابه للجمهور في الوقت نفسه، ومعظم الكُتّاب والأدباء ليست لديهم مهارة التسويق وتقديم كُتبهم للقراء إلا من خلال النصّ نفسه، لذلك ستبقى وظيفة عرض الكتب مهمة بالرغم من ضغوط أولويات عالم الترفيه السطحي الذي يلتهم مساحات التغطيات الإعلامية في كل المنصّات. هذا إلى جانب إشكالية غياب دور الناشر في الترويج الإعلامي لإصداراته، وعدم تخصيص ميزانيات لهذا الجانب، في ظل اكتفاء الناشرين بإبراز أغلفة إصداراتهم على حسابات دور النشر في وسائل التواصل الاجتماعي بالتزامن مع معارض الكتب، دون إضافة خطوات أخرى يمكن أن تشمل استكتاب محررين لكتابة عروض موجزة لإصداراتهم، وخصوصًا مع التراجع المتوقع في الاحتفاء بالكُتب الجديدة وعرض مضامينها للقُراء.

وفي حال تزايد تراجع دور وكالات الأنباء الكُبرى عن تزويد الصحف بمحتوى مراجعات الكتب، سيختفي هذا النوع من الكتابة وتزيد مساحة سُلطة نوع جديد من القُراء الذين يتركون أمزجتهم وتفضيلاتهم هي التي تحدد القبول والاستحسان لكتبٍ دون أُخرى من خلال مواقع شعبية مثل "Goodreads" لا تعكس تفضيلات مستخدميها جودة هذا الكتاب أو ذاك، لأن مقاييس أندية القراءة والأجيال الجديدة من مُحبِي الكتب تأتي من خارج المعادلات الإبداعية المألوفة وأقرب ما تكون إلى ما يجعل من مسلسلات وأفلام المنصّات الإلكترونية تحتل لائحة الأعلى مشاهدة.

كلمات مفتاحية
مقاطعة "يوروفيجن"

"يوروفيجن 2026": مقاطعة واسعة وانقسام أوروبي غير مسبوق حول مشاركة إسرائيل

تختم النسخة السبعون من مسابقة "يوروفيجن" الغنائية فعالياتها في 16 أيار/مايو في العاصمة النمساوية فيينا، وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الحدث الممتد منذ عام 1956

المؤتمر الصهيوني

كيف تشكّلت "الصهيونية الحديثة": الجذور الدينية والتاريخية للصهيونية المسيحية

يظنّ كثيرون أن الصهيونية المسيحية نتاجٌ متأخر للمشروع الصهيوني، غير أن ملامحها تبلورت مبكرًا وتقاطعت مع تصوّرات تيودور هرتزل

ألتراس الجنوب

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

لم تعد جماعات "الألتراس" مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم

سامسونغ
أعمال

أزمة عمالية تهدد ربع صادرات كوريا الجنوبية.. ماذا يحدث داخل سامسونغ؟

لا يقتصر تأثير ذلك على الاقتصاد الكوري فقط، بل تمتد أهميته إلى سوق التكنولوجيا العالمي، خاصة في مجالات الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي

كأس العالم 2026
رياضة

كاليفورنيا تحقق في فوضى التذاكر.. هل باع الفيفا أوهامًا لجماهير كأس العالم؟

مكتب المدعي العام في كاليفورنيا: "سكان كاليفورنيا يستحقون الشفافية والعدالة عند شراء التذاكر"

صورة تعبيرية
مجتمع

لماذا يتصرف المسنون كالأطفال؟

رعاية كبار السن والتعامل معهم ليس بالأمر السهل، فلا يمكن حصر رعايتهم بتوفير الاحتياجات الأولية فقط، والحفاظ على جودة حياة المسن يحتاج إلى بذل مجهود مضاعف

صورة تعبيرية
أعمال

الاقتصاد الروسي يتراجع لأول مرة منذ 2023.. هل بدأت كلفة الحرب تُرهق موسكو؟

سجل الاقتصاد الروسي أول انكماش فصلي له منذ بداية عام 2023، في مؤشر جديد على الضغوط المتزايدة التي تواجهها موسكو مع استمرار الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التمويل والتضخم