التضليل المناخي: كيف تعرقل الشركات الكبرى تقدم مفاوضات المناخ؟
14 نوفمبر 2025
استهل المفاوضون أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغير المناخ (كوب 30) في مدينة بيليم البرازيلية، بتحذير قوي من تصاعد حملات التضليل المناخي، التي باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للجهود العالمية الرامية إلى تجنب كارثة الاحتباس الحراري، وتهدد بتقويض التقدم المحدود الذي تحقق في مجال العمل المناخي.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت 12 دولة توقيع أول بيان عالمي يهدف إلى حماية سلامة المعلومات المناخية، وتعهدت هذه الدول بمكافحة انتشار الأخبار الزائفة ودعم من يدافعون عن الحقيقة، مثل الصحفيين البيئيين والعلماء والباحثين، وضرورة مواجهة الأكاذيب التي تعرقل مسار حماية الكوكب.
ويدعو البيان، الذي أُعلن في إطار "المبادرة العالمية لسلامة المعلومات بشأن تغير المناخ"، إلى اتخاذ إجراءات عملية لتفكيك شبكات التضليل وصون الأصوات العلمية من التهديدات والهجمات.
تشكّل المبادرة التي انطلقت في يونيو/حزيران الماضي، ثمرة تعاون بين البرازيل وإدارة التواصل العالمي التابعة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو.
المعلومات المغلوطة والمعلومات المضللة حول المناخ
تشير المعلومات المغلوطة المتعلقة بالمناخ إلى معلومات خاطئة أو غير دقيقة حول تغير المناخ والإجراءات المتعلقة به، والتي تُنشر عادةً دون قصد خبيث.
وعادةً ما تنشأ هذه المعلومات من سوء فهم أو تفسير خاطئ للبيانات أو ببساطة من معارف قديمة.
ورغم غياب نيّة الخداع، لا تزال المعلومات المغلوطة تُسهم في إثارة اللبس والتشكيك في علم المناخ، مما يُصعّب على الناس الوصول إلى معلومات دقيقة.
تتخذ المعلومات المغلوطة والمضللة المتعلقة بالمناخ أشكالًا مختلفة، ولكل منها أغراض مختلفة، لكنها في نهاية المطاف تعيق العمل المناخي، فبينما ينكر البعض تغير المناخ صراحةً، يسعى آخرون إلى تأخير الحلول، أو تضليل الجمهور، أو الترويج لنظريات المؤامرة
من ناحية أخرى، يُعدّ التضليل المناخي كاذبًا ومُختلقًا عمدًا لتضليل الناس بشأن تغير المناخ والعمل المناخي لأسباب سياسية أو مالية أو أيديولوجية، وينشره أفراد أو منظمات ذات مصالح شخصية في إنكار أو التقليل من حقيقة تغير المناخ وآثاره.
وبخلاف التزييف الإعلامي، الذي غالبًا ما يمكن تصحيحه من خلال التثقيف وتحسين التواصل، يصعب التصدي للتضليل الإعلامي، ويتطلب جهودًا مُركزة لكشف الأكاذيب المُتعمدة المُنتشرة ومواجهتها.
تحويل الأزمة إلى كارثة
يقول مؤلفو تقرير جديد إن المعلومات المضللة المنتشرة حول المناخ تعمل على تحويل الأزمة إلى كارثة.
ووجد التقرير الصادر عن اللجنة الدولية المعنية ببيئة المعلومات (IPIE)، أن العمل المناخي يُعرقل ويُؤخر بسبب معلومات كاذبة ومضللة صادرة عن شركات الوقود الأحفوري، وسياسيين يمينيين، وبعض الدول.
يقول الباحثون إن الروبوتات والمتصيدين على الإنترنت يُضخّمون الروايات الكاذبة بشكل كبير، ويلعبون دورًا رئيسيًا في ترويج الأكاذيب المناخية، كما أفاد الخبراء بأن القادة السياسيين وموظفي الخدمة المدنية والهيئات التنظيمية يُستهدفون بشكل متزايد لتأخير العمل المناخي.
مغالطات وتضليل بأشكال مختلفة
تتخذ المعلومات المغلوطة والمضللة المتعلقة بالمناخ أشكالًا مختلفة، ولكل منها أغراض مختلفة، لكنها في نهاية المطاف تعيق العمل المناخي، فبينما ينكر البعض تغير المناخ صراحةً، يسعى آخرون إلى تأخير الحلول، أو تضليل الجمهور، أو الترويج لنظريات المؤامرة التي تقوض الثقة في العلم والمؤسسات.
- الإنكار المناخي الصريح: على الرغم من الإجماع العلمي الساحق على أن الأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري هي المحرك الرئيسي لتغير المناخ، إلا أن بعض الناس ينكرون أن تغير المناخ حقيقي، ويقللون من شدة آثاره أو يروجون لفكرة أنه ظاهرة طبيعية فقط.
- الإنكار المناخي الناعم: أصبح هذا النوع منتشرًا بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، وفيه يعترف الأفراد أو الجماعات بتأثيرات تغير المناخ ولكنهم يميلون إلى تسليط الضوء على قضايا ملحة أخرى كمبرر لتأخير الاستجابات أو معارضتها، وهذا النهج، الذي غالبًا ما يُؤطر على أنه عملي، يعمل فعليًا كغطاء لتقويض العمل المناخي.
- تأخير تغير المناخ: تُقرّ استراتيجيات تأخير تغير المناخ بوجود تغير المناخ، لكنها تهدف إلى عرقلة أو إعاقة العمل، من خلال التشكيك في جدوى سياسات المناخ أو ضرورتها أو عدالة تطبيقها، مدعيةً أن هذه التدابير مكلفة للغاية، أو مُشددةً على عدم اليقين والعواقب غير المقصودة.
ولأن رسائل تأخير تغير المناخ غالبًا ما تبدو أكثر منطقية من الإنكار الصريح، فإنها تُعدّ فعّالة بشكل خاص في تشكيل الرأي العام.
- التضليل البيئي: ويعرف أيضًا بالغسل الأخضر (Greenwashing) هو شكل من أشكال التضليل المناخي، حيث تبالغ الشركات أو المؤسسات في تقدير بصمتها البيئية بهدف الحفاظ على مكانتها السوقية دون إحداث تغييرات حقيقية.
يتم ذلك عادة من خلال الادعاء باتباع مسارات صحيحة لتقليل انبعاثات الشركة الملوثة إلى صافي الصفر في ظل غياب خطة واضحة وموثوقة لتحقيق ذلك.
كما تشمل الممارسات المضللة استخدام صور وعبارات مرتبطة بالاستدامة، مثل الغابات الخضراء، أو توربينات الرياح، أو العلامات التجارية الصديقة للبيئة، والتأكيد على خاصية بيئية واحدة مع تجاهل التأثيرات الأخرى، مثل الترويج لإنتاج ملابس مصنوعة من مواد معاد تدويرها، بينما تنتج أصلاً في مصنع عالي الانبعاثات يلوث الهواء والمجاري المائية القريبة.
- نظريات المؤامرة المناخية: تسعى نظريات المؤامرة المتعلقة بتغير المناخ إلى نزع الشرعية عن علم المناخ وسياساته ونشطائه، من خلال الزعم بأنهم جزء من أجندة خفية.
وتسعى هذه الروايات إلى الترويج لمزاعم كاذبة، مثل أن تغير المناخ مجرد خدعة تهدف إلى زيادة سيطرة الحكومة، أو أن سياسات الطاقة المتجددة جزء من جهد أوسع للتلاعب بالاقتصادات أو قمع الحريات الفردية.
من ينشر التضليل المناخي؟
خلص تقرير جديد صادر عن هيئة الرقابة "العمل المناخي ضد المعلومات المضللة" (CAAD) إلى زيادة هائلة في المعلومات المضللة المرتبطة بمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ.
وبحسب التقرير فإن الشركات التي تستخدم الوقود الأحفوري في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة واسعة النطاق، تعد من أبرز مروجي المعلومات المضللة المناخية.
كما تتحمل شركات التكنولوجيا المسؤولية أيضاً لأنها تسمح بانتشار رسائل التضليل المناخي والأخبار الكاذبة من دون تدقيق، بسرعة وبكلفة زهيدة عبر منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث على الإنترنت.
ويمكن الإشارة إلى دافعين رئيسيين وراء انتشار التضليل المناخي:
حماية المصالح لدى العديد من الجهات الفاعلة، لا سيما في قطاع الوقود الأحفوري والقطاعات ذات الصلة، التي تمتلك مصلحة راسخة في تأخير العمل المناخي، فمن خلال إثارة الشكوك حول علم المناخ أو فعالية حلول الطاقة المتجددة، يسعون إلى تعزيز جدوى الوقود الأحفوري والحفاظ على المكاسب الاقتصادية.
تحقيق الإيرادات من خلال استغلال اقتصاد الاهتمام، إذ يُكافِئ المشهد الرقمي المحتوى الذي يُثير ردود فعل عاطفية قوية، كالغضب أو الجدل.
يُمكن للتشكيك في العلوم السائدة أو الترويج لنظريات المؤامرة أن يُولّد تفاعلًا أكبر على منصات التواصل الاجتماعي، مما يُترجم إلى عائدات إعلانية، وتأثير إلكتروني، ودعم سياسي.
كيف ينتشر التضليل المناخي؟
يرتبط انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة المتعلقة بالمناخ، سواءً عبر الإنترنت أو خارجه، بالعمليات الاجتماعية التي تُشكل كيفية تفاعل الناس واستهلاكهم للمعلومات.
تنتشر المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي بشكل مختلف عنها في وسائل الإعلام التقليدية كالتلفزيون والراديو والصحف.
وتميل وسائل الإعلام الرئيسية إلى تطبيق ضمانات قوية لمنع الادعاءات الكاذبة وتصحيحها، إلا أن العديد من السمات الفريدة لوسائل التواصل الاجتماعي تشجع على انتشار المحتوى الفيروسي مع ضعف الرقابة.
وبصفتنا كائنات اجتماعية، نميل كبشر إلى تكوين روابط اجتماعية مع آخرين يشاركوننا المعتقدات أو الاهتمامات أو الخلفيات، وتعزز منصات التواصل الاجتماعي هذا السلوك من خلال اقتراح علاقات جديدة بناءً على الشبكات والاهتمامات القائمة.
وإلى جانب الميل الفطري للثقة بالمعلومات من مصادر مألوفة، يؤدي هذا إلى تكوين ما يُعرف بـ "غرف الصدى"، والتي تُقيّد المجتمعات الإلكترونية ذات الآراء المتشابهة وتعزلها، وتُعمّق الانقسامات حول مواضيع مثل تغير المناخ، حيث لا يرى المستخدم إلا ما يوافق هواه، مما يُسهم في انتشار الأكاذيب ويُعيق نشر التصحيحات الواقعية.
كما صُممت العديد من خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة التفاعل، لذلك، غالبًا ما تُروّج هذه الخوارزميات للمحتوى بناءً على تفاعلات المستخدم السابقة، بدلًا من مصداقيته أو دقته، وهو ما يُولّد تحيزًا خوارزميًا، حيث يميل المستخدمون إلى رؤية محتوى يتوافق مع معتقداتهم الحالية، بدلًا من وجهات نظر متنوعة أو قائمة على حقائق.
يتفاقم هذا التأثير من خلال تحيّز التأكيد، وهو الميل النفسي لدى الناس للبحث عن معلومات تدعم آرائهم المسبقة وقبولها، مع تجاهل أو رفض الأدلة المتناقضة، ونتيجةً لذلك، يمكن أن ينتشر المحتوى المناخي المُضلّل أو المُبالغ فيه بسرعة، خاصةً إذا كان يتوافق مع رؤية جمهور مُعين للعالم.
إلى جانب السلوكيات الاجتماعية العضوية، تُنشر المعلومات الكاذبة بنشاط من قِبل جهات خبيثة، بما في ذلك الروبوتات والمتصيدين وحملات التضليل المُنسّقة.
وتعمد هذه الجهات إلى خلق وتضخيم روايات مضللة بهدف تشكيل التصور العام، أو تقويض الثقة في المؤسسات العلمية، أو خدمة مصالح سياسية واقتصادية مُعينة.







