التعليم عن بُعد في زمن الحرب بلبنان: إنقاذ للعام الدراسي أم تكريس لعدم المساواة؟
26 مارس 2026
بعد أقل من 48 ساعة على اندلاع الحرب بين "حزب الله" و"إسرائيل"، أعلنت وزيرة التربية اللبنانية ريما كرامي خلال تفقّدها أحد مراكز النزوح، عن نية الوزارة استكمال العام الدراسي من خلال تقنية التعليم عن بعد.
وفي الأيام اللاحقة بدأت الاستعدادات في المدارس والمعاهد والجامعات الرسمية والخاصة لاستئناف التعليم، فيما شكّل قرار العودة مادة جدل واسع في لبنان وانقسمت حوله الآراء.
انقسام في الشارع التربوي بين رافض ومؤيد
مؤيدو القرار يرون أن استكمال العام الدراسي، وإن عن بعد، من شأنه أن يخفف من الخسائر المحتملة للحرب، من خلال إنقاذ العام الدراسي بالنسبة لعشرات آلاف الطلاب، حتى وإن كانوا يعترفون في الوقت نفسه، بأن القرار هذا يمكن أن يكون مجحفًا للكثير منهم.
ثمة انقسام واضح في لبنان بين من يؤيد قرار التعليم عن بعد ورافض له، خصوصأ مع عدم واقعية هذا القرار بالنسبة لشريحة عظمى من النازحين اللبنانيين
بينما يطرح رافضو القرار أو المتحفظين عليه، تساؤلات جدية حول واقعية هذا الإجراء والقدرة على تنفيذه، إذ يتواجد عشرات آلاف الطلاب في مراكز إيواء، في ظل النقص في الكهرباء وفي الأجهزة الإلكترونية والضعف في خدمة الإنترنت، بالإضافة إلى الازدحام في الغرف والحالة النفسية الصعبة للطلاب ولأولياء أمورهم.
أجهزة قليلة وإنترنت بطيء
في حديث لـ ألترا صوت، ترفض "سارة" وهي أمّ لثلاثة أطفال جميعهم في المرحلة الابتدائية، قرار وزيرة التربية المطالب باستئناف الدروس، فهي تمتلك هاتفًا محمولًا واحدًا فقط، وحصص دروس أولادها متزامنة، كما أن خدمة الانترنت بطيئة جدًا، بالإضافة إلى تشكيكها المبدئي بجدوى التعليم عن بعد.
تقول سارة إنها نزحت من الضاحية الجنوبية لبيروت في اليوم الثالث للحرب، وهي تقطن اليوم في مبنى كلية التربية الذي تحوّل إلى مركز إيواء، وتضيف: "استؤنفت الدروس قبل يومين، الخدمة سيئة جدًا، والضجيج في الغرف لا يتيح للأطفال التركيز".
النازحون شغلوا المدارس الرسمية
وزارة التربية بالتعاون مع وزارة الاتصالات كانت قد طلبت من الشركتين المشغلتين لقطاع الخليوي في لبنان، تزويد أولياء الأمور والأساتذة بباقة مجانية من الانترنت عبارة عن عشرين جيجا بايت، بهدف ضمان استمرار تعليم الطلاب والأساتذة في كل المراحل، وهي باقة تستخدم حصرًا بين يومي الإثنين والجمعة في فترة الدوام المدرسي، ولا تشغّل إلا تطبيقات محددة مرتبطة بالعملية التعليمية.
وكانت وزارة التربية قد وضعت مئات المدارس والمعاهد الرسمية بتصرّف لجنة الكوارث، ما جعل التعليم الحضوري مستحيلًا في القطاع الرسمي، بينما أعادت بعض المدارس الخاصة البعيدة عن مناطق المواجهات فتح أبوابها أمام الطلاب.
هل يحصل الطلاب على فرص متكافئة؟
كل ما سبق أعاد النقاش، كما في الحرب الأخيرة، حول مبدأ عدالة التعليم والوصول إلى المعلومات بشكل متكافئ بين الطلاب من كل لبنان، في ظل الظروف التي فرضتها الحرب، ففي الوقت الذي يحضر بعض الطلاب حصصهم الدراسية بشكل حضوري، أو يدرسون من منازلهم مع خدمة إنترنت سريعة وأجهزة متطورة، يجلس كثير من الطلاب في غرف مكتظة في مراكز النزوح بالكاد يصلها الضوء والانترنت مع غياب أبسط الوسائل التقنية.
وفي هذا السياق، كان لـ "ألترا صوت" لقاء مع "حنان" وهي طالبة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، حيث أشارت إلى أن الجامعة اتّخذت قرارًا بعودة التعليم عن بعد في جميع الفروع والاختصاصات.
وترى "حنان" أن وسائل التعليم عن بعد غير متوفّرة اليوم، من كهرباء وانترنت وأجهزة، بالنسبة لأكثر من خمسمئة ألف طالب نازح هم نصف عدد النازحين تقريبًا، يعيش كثير منهم ظروفًا صعبة فبعضهم فقدوا منازلهم وآخرون خسروا أقارب لهم فيما يعاني جلّهم من أزمات نفسية بسبب التهجير وفقدان الأمان.
وأشارت "حنان" إلى صعوبة المنهاج في الجامعة اللبنانية، فهم بالأساس يواجهون صعوبة للنجاح في المقررات التي يدرسونها، فكيف الحال
وهم يدرسون عن بعد وفي ظل كل هذه الظروف، خاصةً وأن بعض المواد في كلية الإعلام تتطلب التواصل مع الأساتذة ومع الزملاء بشكل مباشر.
ومع ذلك فإن "حنان" تتفهم قرار وزارة التربية من زاوية معينة، وترى أنه من شأنه أن ينقذ الموسم الدراسي بالنسبة للكثير من الجامعيين وتجنيبهم إعادة السنة بحال امتدت الحرب لأشهر طويلة.
الكحل أفضل من العمى
في اتصال هاتفي أجراه "ألترا صوت" مع الأستاذ "علي" الذي يعمل كناظر في إحدى المدارس الرسمية، رأى أن الوزارة اتّخذت قرارها على قاعدة أن "الكحل أفضل من العمى"، وأنها ألزمت كل المدارس الرسمية بأن تستأنف الدروس عن بعد، حتى تلك الموجودة ضمن مناطق الحرب، وهو لم يستبعد أن تعود بعض المدارس الرسمية للتعليم بشكل حضوري كما حصل بالضبط في الحرب الماضية.
وبالرغم من الملاحظات التي يضعها الأستاذ "علي" على جدوى التعليم عن بعد، فهو يعتبر أن الظروف التي عاشتها البلاد بدءًا من جائحة كورونا، وما تلاها من أزمات وقود وكهرباء فرضت على الوزارة اللجوء إلى التعليم "أونلاين"، وبالتالي فإن التجربة لم تكن جديدة في ظل الحرب.
كما يرى "علي" أن قرار الوزارة له بعد اقتصادي، فالأساتذة المتعاقدون مع الدولة لا يتقاضون رواتب ثابتة بل بدلًا ماليًا عن الحصص الفعلية التي يعطونها، من خلال صندوق مموّل من جمعيات أممية، وبالتالي فإن فتح المدارس سيتيح لهم الحصول على الأموال لتدبّر أمورهم في ظل الظروف القاسية التي تضرب الجميع بلا استثناء.
في المحصلة، لا يبدو قرار استكمال العام الدراسي عن بُعد مجرّد إجراء تربوي تقني، بل هو انعكاس مباشر لتباينات فرضتها الحرب على المجتمع اللبناني، وبين طلاب يمتلكون الحد الأدنى من مقومات التعلم، وآخرين يحاولون متابعة دروسهم من داخل غرف مكتظة في مراكز النزوح، تتسع الفجوة التعليمية مرة أخرى.