الحرب التي أنتجت "عدوًا صلبًا"
19 مارس 2026
لا نحتاج إلى خرائط ومصوّرات حتى نفهم ما يجري من حولنا، لا سيما أن الخرائط تخدعنا بحدود ثابتة بينما الواقع ينصهر ويذوب ويسيل.
ربما ما نحتاج إليه هو شيء بسيط للغاية: نافذة.
نافذة في أي مدينة تمتد على قوس القلق من طهران إلى بيروت، مرورًا بالرياض والقاهرة. نافذة سترينا أن ما يتشكّل أمامنا ليس فوضى بالمعنى التقليدي، فالفوضى عشوائية بطبعها، أما ما نراه فهو عملية فوضى منظمة.
نعيش لحظة السيولة التاريخية حيث تتلاشى الديموغرافيا لصالح الجغرافيا العسكرية، وتُهدم الحدود النفسية والسياسية لما كان يُعدّ يوماً "خطاً أحمر" أو "توازناً للردع".
يحدث هذا التحول ببطء كافٍ لتدجين الوعي العام وتكييفه مع الكارثة، وبسرعة كافية لكي تستيقظ المجتمعات يوماً فلا تجد ما كان يمنح حياتها معنى الاستقرار. وهذه ليست سوى معادلة من معادلات التصفية. صحيح أن المنطقة عرفت الكثير منها، وفيها ما نجح وما أخفق، لكن هذه هي الأخطر على الإطلاق، لأنها تأتي في وقت ليس فيه لدى العرب مشروع واضح وموحد.
مأزق في مواجهة إيران "المتشددة"
ما بدأ كخطة في الغرف الإسرائيلية والأميركية تحول اليوم إلى مأزق استراتيجي مفتوح. الضربات التي استهدفت الصف القيادي الأول، واستمرت الاغتيالات خلال أيام الحرب التالية، قيل إنها ستدفع النظام الإيراني للسقوط وأن القصة انتهت. إلا أن الواقع كان مختلفًا تمامًا: إيران لم تنهزم، بل وسّعت دائرة تأثيرها لتشمل المنطقة كلها. لم يتمثل التحول في عدد الصواريخ أو طبيعة الأهداف، بل في أن عملية الاغتيالات السياسية أضعفت الجناح الدبلوماسي ومنحت الحرس الثوري والأجهزة الأمنية تفويضًا مطلقًا لاحتكار القرار.
والنتيجة أن الخصم أصبح النسخة "الأكثر تشددًا"، وهي نسخة ترى في التراجع "انتحارًا سياسيًا وأيديولوجيًا". وهنا برزت إحدى أكبر مفارقات هذه الحرب، حين راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن الداخل الإيراني سيتولى إسقاط النظام، بينما أدت عمليات الاغتيال إلى تصَلْب البنية الأمنية والعسكرية بدلًا من زعزعتها. ومع تمركز السلطة في يد فئة لا تعرف العودة إلى الوراء، تبدو هذه الحرب اليوم بلا أفق، وبلا "يوم تالٍ" واضح.
بمعنى آخر، الحرب أنتجت "العدو الأصعب" مما بدأت به.
موازنة صعبة في قلب الصراع الإقليمي
في قلب هذا المشهد، تقف دول الخليج العربي بوصفها الطرف الذي يسعى لاحتواء تداعياتها. فمنذ اندلاع الحرب برزت مواقف خليجية واضحة تدعو إلى التهدئة وتجنّب توسيع رقعة المواجهة، انطلاقًا من إدراك عميق لحجم المخاطر التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها. لكن ذلك اصطدم بواقع عسير حكمته النيران، سواء على إيران أو منها، بشكل فرض ضغوطًا على بيئة الاستقرار التي شكّلت أساس التجربة التنموية في الخليج خلال العقود الماضية.
ومع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة دقيقة: الموازنة بين دورها كقوة استقرار إقليمي، وبين ضرورة حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في بيئة تتجه نحو مزيد من اللايقين. والكلفة، ضمن حسابات الوقت الراهن، ليس مجرد أعباء مالية أو تقلبات في الأسواق، بل قدرة المنطقة على تحييد نفسها عن صراع مفتوح لا تملك قراره، ولا تستطيع الهروب من نتائجه.
أوروبا بين القلق ورفض الانزلاق في الحرب
أوروبا لا تتفرج على هذه الحرب وحسب، بل تدفع فاتورتها أيضًا؛ فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يصل إلى مطابخها ومصانعها قبل أن يصل إلى صفحات الرأي في صحافة عواصمها. ولهذا رفضت أبرز الدول الأوروبية دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إرسال قطع بحرية والمشاركة عسكريًا في تأمين مضيق هرمز، معتبرة أن الحرب ليست حربها وأن أي قرار عسكري واسع يجب أن يُتخذ بالتشاور معها وبإطار دولي واضح، لا من جانب واحد. هذا الرفض الأوروبي يعكس قلق حكومات القارة من توسيع المواجهة، ويدفعها إلى السعي لحلول دبلوماسية لحماية مصالحها قبل الدخول في نزاع لا تملك أوراق التأثير فيه.
واقع الانتصار الوهمي
ولأن الحرب لا تدور فقط بين من يطلق الصواريخ ومن يتلقاها، نجد أنفسنا أمام واقع جديد لا تبدو فيه الهزيمة صريحة، ويُقدم الانتصار على شكل وهم يشبه الانتصار في شيء لا وجود له. في هذا النوع من الصراعات، سيظل الفوز مجرد صورة مؤقتة للخسارة، وأما الانتصار الحقيقي فلا وجود له إلا لأولئك القادرين على تفادي الانهيار المقبل، والبقاء على قيد الاستقرار وسط عواصف المواجهة.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن هذه الحرب لم تُضعف الخصم بقدر ما أعادت تشكيله. فإيران التي كان يُراد دفعها إلى التراجع، خرجت أكثر "تشددًا"، بعد أن تراجعت أدوار الدبلوماسية لصالح البنية أكثر صلابة داخل النظام. وهكذا، لم تعد المواجهة مع خصم قابل للاحتواء، بل مع "عدو صلب" يرى في المواجهة شرطًا لبقائه، وفي أي تراجع تهديدًا لوجوده.
بهذا المعنى، لا يبدو أن أحدًا انتصر فعلًا، بقدر ما تبدو الحرب وكأنها تُحدد الخسارة نفسها: خصم أكثر صلابة، ومأزق أعمق، وانتصار أقرب إلى الوهم.