الحرب تدفع النفط فوق 100 دولار وتهز الاقتصاد العالمي
9 مارس 2026
تشهد أسواق الطاقة والمال العالمية اضطرابًا واسعًا، بعدما قفزت أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، مع تعطل الإمدادات النفطية القادمة من الخليج العربي، وارتفاع المخاوف من اتساع نطاق الحرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التلويح بتصعيد العمليات العسكرية، ما يزيد حالة القلق في الأسواق العالمية، ويثير مخاوف من عودة التضخم وركود اقتصادي محتمل.
قفزة حادة في أسعار النفط
سجلت أسعار النفط ارتفاعات قوية منذ بداية العدوان الأميركي-الإسرائيلي، وما تبعه من اعتداءات إيرانية على دول الخليج، فحسب تقرير لموقع "بلومبيرغ"، قفز خام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 104 دولارات للبرميل في بداية التداولات، بعدما سجل الأسبوع الماضي أكبر ارتفاع أسبوعي له على الإطلاق بنسبة بلغت نحو 36%. كما تجاوز خام برنت مستوى 102 دولار للبرميل، وسط توقعات باستمرار صعود الأسعار مع تعطل الإمدادات من منطقة الخليج.
تشهد أسواق الطاقة والمال العالمية اضطرابًا واسعًا، بعدما قفزت أسعار الغاز، وارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022
ويرتبط هذا الارتفاع بشكل مباشر بتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وبسبب هذا التعطل بدأت عدة دول منتجة رئيسية في المنطقة بخفض الإنتاج، من بينها الإمارات والكويت، بينما شرع العراق في إغلاق بعض حقول الإنتاج منذ الأسبوع الماضي. كما أدى امتلاء مرافق التخزين النفطية إلى زيادة الضغوط على المنتجين الذين يجدون صعوبة في تصدير النفط، مع توقف الشحن عبر المضيق.
منشآت الطاقة تحت التهديد
لم تقتصر تداعيات الحرب على تعطيل الملاحة النفطية، بل امتدت أيضًا إلى البنية التحتية للطاقة في المنطقة. فقد أعلنت السعودية اعتراض طائرات مسيّرة كانت متجهة نحو حقل شيبة النفطي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو مليون برميل يوميًا. كما اضطرت المملكة في وقت سابق إلى وقف العمليات في مصفاة رأس تنورة، أكبر مصفاة نفطية في البلاد، مع سعيها لتحويل الصادرات النفطية إلى موانئ البحر الأحمر لتجنب المرور عبر مضيق هرمز. وهذه التطورات عززت المخاوف من حدوث نقص في الإمدادات النفطية العالمية إذا استمر الصراع لفترة طويلة.
الأسواق المالية تدخل مرحلة اضطراب
انعكست القفزة في أسعار النفط فورًا على الأسواق المالية العالمية، حيث تراجعت أسواق الأسهم بشكل ملحوظ مع تصاعد المخاوف من تضخم جديد.
فقد انخفض مؤشر الأسهم القياسي في آسيا بأكثر من 5%، وهو أكبر تراجع منذ أشهر، بينما تراجعت العقود الآجلة للأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا بأكثر من 2%. كما ارتفع الدولار الأميركي باعتباره ملاذًا آمنًا للمستثمرين، في حين شهدت السندات الحكومية موجة بيع واسعة بسبب مخاوف التضخم. وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، في وقت يزداد فيه القلق من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
انخفض مؤشر الأسهم القياسي في آسيا بأكثر من 5%، وهو أكبر تراجع منذ أشهر، بينما تراجعت العقود الآجلة للأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا بأكثر من 2%
تشير التقديرات إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يعيد التضخم العالمي إلى الواجهة بعد فترة من التراجع النسبي. وفي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار البنزين في محطات الوقود إلى أعلى مستوى منذ آب/أغسطس 2024، ما يمثل تحديًا سياسيًا للرئيس ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
لكن ترامب حاول طمأنة الأميركيين بأن أسعار النفط ارتفعت على المدى القصير، زاعمًا أنها "ستنخفض بسرعة بمجرد زوال التهديد النووي الإيراني"، ووصف ترامب ارتفاع أسعار الوقود بـ"ثمن زهيد للغاية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية والعالم، من أجل الأمن والسلام" وأضاف: "لا يفكر بغير ذلك إلا الحمقى!".
ويرى خبراء الأسواق أن تجاوز النفط مستوى 100 دولار يعد نقطة تحول مهمة، إذ يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة في مختلف الاقتصادات، ما يضغط على النمو الاقتصادي العالمي.
قفزة في أسعار الغاز الأوروبية
بالتوازي مع ارتفاع النفط، شهدت أسواق الغاز الطبيعي الأوروبية ارتفاعات حادة، حيث قفزت الأسعار بنسبة وصلت إلى 30%. ويرجع هذا الارتفاع إلى المخاوف من تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع مستويات التخزين في أوروبا بعد الشتاء.
وتواجه القارة الأوروبية وضعًا حساسًا لأنها ستضطر إلى شراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال خلال الصيف لإعادة ملء المخزونات، في وقت تشتد فيه المنافسة مع الدول الآسيوية على الإمدادات.
وازدادت المخاوف في سوق الغاز بعد توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، أحد أكبر المصدرين في العالم. فقد أعلنت شركة قطر للطاقة حالة "القوة القاهرة" بعد تعليق إنتاج الغاز في منشأة رأس لفان، أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم.
ويرى محللون في موقع "فاينانشال بوست" أن استمرار توقف الإمدادات القطرية قد يحول سوق الغاز العالمي من فائض متوقع إلى عجز في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة. كما رفع محللو غولدمان ساكس توقعاتهم لأسعار الغاز في أوروبا خلال الربع الثاني من العام إلى نحو 63 يورو لكل ميغاواط ساعة، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 45 يورو.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني دون مؤشرات على التهدئة، يرى مراقبون أن الأسواق العالمية باتت تواجه سيناريوهات غير مؤكدة. فقد يؤدي استمرارها الحرب إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، ومن جهة أخرى قد يتسبب ذلك في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. ووسط هذه الظروف، يترقب المستثمرون أي إشارات سياسية أو دبلوماسية قد تقود إلى تهدئة التوترات، بينما يظل خطر التصعيد قائمًا، على إيران والمنطقة والعالم بأسره.