الحرب تربك الأسواق والعالم يواجه موجة تضخم جديدة
5 ابريل 2026
تواصل الحرب الأميركي-الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على دول الجوار تأثيراتها على الاقتصاد العالمي. حيث تشير التوقعات الاقتصادية العالمية إلى دخول موجة جديدة من الضغوط التضخمية، والتي بدأت تنعكس سريعًا على أسعار الطاقة، ومن ثم على تكاليف المعيشة في مختلف أنحاء العالم.
وحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، من المتوقع أن تُظهر بيانات التضخم الأميركية لشهر آذار/مارس قفزة لافتة، مع ترجيحات بارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1% على أساس شهري، وهي أكبر زيادة منذ عام 2022. ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة أسعار البنزين بنحو دولار واحد لكل غالون، في انعكاس مباشر لاضطرابات أسواق النفط نتيجة الحرب.
تشير التوقعات الاقتصادية العالمية إلى دخول موجة جديدة من الضغوط التضخمية، والتي بدأت تنعكس سريعًا على أسعار الطاقة، ومن ثم على تكاليف المعيشة في مختلف أنحاء العالم
ورغم أن التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، لا يزال أقل حدة، مع توقعات بارتفاعه بنسبة 0.3%، فإن المؤشرات الأوسع لا تبدو مطمئنة. فمقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، يُظهر استمرار الضغوط السعرية حتى قبل اندلاع الحرب، بعدما سجل ارتفاعًا بنسبة 0.4% للشهر الثالث على التوالي في شباط/فبراير.
هذا التداخل بين عوامل داخلية، مثل صلابة سوق العمل الأميركية، وخارجية أبرزها صدمة الطاقة، يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف معقد، حيث تتزايد الشكوك حول قدرته على خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، وسط مخاطر تضخمية متجددة.
وفي هذا السياق، ووفقًا لبلومبيرغ، تكتسب محاضر اجتماع الفيدرالي لشهر آذار/مارس أهمية خاصة، إذ من المتوقع أن تكشف عن حجم القلق داخل البنك المركزي بشأن تداعيات الحرب، ليس فقط على التضخم، بل على النمو الاقتصادي أيضًا، خصوصًا مع تعطل تدفقات الطاقة والسلع.
ولا تقتصر الصورة على الولايات المتحدة، إذ تمتد تداعيات الأزمة إلى الاقتصاد العالمي. ففي كندا، ستبدأ آثار ارتفاع تكاليف الطاقة بالظهور في سوق العمل، مع ترجيحات بارتفاع معدل البطالة إلى 6.8%، ما يعكس انتقال الضغوط من الأسعار إلى النشاط الاقتصادي.
وفي آسيا، تتجه البنوك المركزية إلى الحذر، مع ميل واضح لتثبيت أسعار الفائدة رغم تصاعد المخاطر. فبنك الاحتياطي النيوزيلندي مرشح للإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، وكذلك الحال في الهند وكوريا الجنوبية، في وقت تراقب فيه هذه الاقتصادات تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم والنمو. كما قد تعكس بيانات الصين تسارعًا جديدًا في تضخم المستهلكين، مقابل تراجع تدريجي في انكماش أسعار المنتجين، ما يشير إلى انتقال الضغوط من بوابة الطاقة إلى الاقتصاد الحقيقي.
أما في أوروبا، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فرغم أن البيانات الصناعية المرتقبة تعود إلى فترة ما قبل الحرب، فإن التركيز ينصب على تأثير أزمة الطاقة في الخليج على الأسعار. وقد سجلت منطقة اليورو بالفعل أكبر قفزة تضخمية منذ عام 2022، ما يعزز المخاوف من موجة تضخم جديدة. وفي دول مثل السويد والنرويج والمجر، تتجه التوقعات نحو تسارع إضافي في الأسعار، في حين تواجه اقتصادات أخرى، مثل مصر، ضغوطًا مزدوجة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع العملة.
وفي أميركا اللاتينية، تبرز صورة أكثر حدة، فمن المتوقع أن يرتفع التضخم في اقتصادات رئيسية مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا وتشيلي. وتُعد كولومبيا مثالًا واضحًا على حدة التحديات، بعد رفع أسعار الفائدة بشكل كبير وسط انقسام داخلي في صناع القرار، ما يعكس صعوبة الموازنة بين كبح التضخم ودعم النمو.
كما تواجه بيرو ضغوطًا استثنائية، بعد تسجيل قفزة شهرية في الأسعار هي الأعلى منذ عقود، مدفوعة بصدمة النفط، ما يضع البنك المركزي أمام خيارات صعبة بين التدخل أو التريث.
في المجمل، تكشف هذه التطورات عن عودة قوية لما يمكن تسميته "تضخم الصدمات الجيوسياسية"، حيث لم تعد الضغوط السعرية ناتجة فقط عن عوامل اقتصادية داخلية، بل باتت مرتبطة بشكل وثيق بالتوترات الدولية، خاصة في أسواق الطاقة.