الحرب على إيران تعطل تدفق الهيليوم وتقلب أسواق التكنولوجيا
28 مارس 2026
مع تصاعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها المتمثلة بالاعتداءات الإيرانية على دول الجوار، يتحوّل غاز الهيليوم، الذي يبدو للوهلة الأولى عنصرًا بسيطًا، إلى أحد أخطر نقاط الضعف في الاقتصاد العالمي، فالأزمة الحالية لا تتعلق فقط بنقص مورد صناعي، بل باحتمال تعطّل منظومة كاملة تقود ثورة الذكاء الاصطناعي.
وحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، يعاني سوق الهيليوم العالمي أصلًا من هشاشة هيكلية، إذ إن الإنتاج يتركز في عدد محدود من الدول، أبرزها الولايات المتحدة وقطر. وعلى عكس النفط أو الغاز الطبيعي، لا يمكن توسيع إنتاج الهيليوم بسرعة، لأنه يُستخرج كمنتج ثانوي من معالجة الغاز الطبيعي، ما يجعل زيادة المعروض مرتبطة بعوامل معقدة وطويلة الأمد. هذا التركّز جعل السوق عرضة للصدمات، وجاءت الحرب لتكشف مدى هشاشة هذا النظام، مع فقدان نحو ثلث الإمدادات العالمية خلال أيام.
العمود الخفي لصناعة الرقائق
في قلب مصانع الرقائق، يؤدي الهيليوم أدوارًا لا يمكن استبدالها بسهولة. خلال عملية التصنيع، التي تتطلب دقة على مستوى النانومتر، يُستخدم الغاز للحفاظ على استقرار درجات الحرارة ومنع تلف الشرائح. حيث تعتمد شركات كبرى على الهيليوم لتبريد المعدات أثناء عمليات الطباعة الضوئية، وهي المرحلة الأكثر حساسية في إنتاج الرقائق المتقدمة. كما تستخدمه شركات مثل Samsung Electronics وSK Hynix في مراحل التنظيف والمعالجة النهائية، وأي خلل في هذه العمليات قد يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات، لأن توقف خط إنتاج واحد يعني تعطّل سلسلة توريد كاملة.
على عكس النفط أو الغاز الطبيعي، لا يمكن توسيع إنتاج الهيليوم بسرعة، لأنه يُستخرج كمنتج ثانوي من معالجة الغاز الطبيعي، ما يجعل زيادة المعروض مرتبطة بعوامل معقدة وطويلة الأمد
سلسلة تأثير تمتد إلى كل جهاز ذكي
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المصانع، بل تمتد إلى المنتجات النهائية التي يعتمد عليها العالم يوميًا، من جهاز آيفون إلى مراكز البيانات الضخمة التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي لدى إنفيديا. وأي تباطؤ في الإنتاج قد يؤدي إلى تأخير إطلاق المنتجات وارتفاع أسعار الأجهزة وتباطؤ تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المعضلة لا تتعلق فقط بتوقف الإنتاج في قطر، بل أيضًا بانهيار المسارات اللوجستية الحيوية. إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات الغاز أدى إلى شلل في حركة شحن الهيليوم، وهو غاز يتطلب حاويات خاصة ومعايير أمان عالية. هذه الحاويات محدودة العدد، ويستغرق تصنيعها وقتًا طويلًا، ما يعني أن إعادة بناء شبكة النقل قد تستغرق شهورًا، حتى لو عاد الإنتاج إلى طبيعته.
وبعكس العديد من المواد الخام، لا يمكن تخزين الهيليوم لفترات طويلة بسهولة، إذ يجب الاحتفاظ به في درجات حرارة منخفضة للغاية. هذا يجعل شركات الرقائق تعتمد على مخزون محدود لا يتجاوز غالبًا شهرًا أو شهرًا ونصف، ما يجعلها عرضة لأي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.
شركات الطاقة والغاز، بدأت في التحرك سريعًا لتأمين بدائل عبر تنويع مصادر التوريد وإعادة توجيه الشحنات وتقييم مخزونات العملاء، لكن هذه الجهود تصطدم بقيود واقعية، أبرزها محدودية الإنتاج العالمي وتعقيد النقل وارتفاع التكاليف.
أكثر المتضررين
تبدو كوريا الجنوبية من أكثر الدول عرضة للأزمة، نظرًا لاعتمادها الكبير على قطر في استيراد الهيليوم، وكونها مركزًا عالميًا لإنتاج رقائق الذاكرة. أي اضطراب قد يؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد الضغط على شركات مثل SK Hynix وSamsung Electronics، التي تواجه بالفعل طلبًا عالميًا متزايدًا.
ووسط هذا النقص، يتحول الهيليوم إلى مورد استراتيجي يخضع لمنطق السوق القاسي. والجهات القادرة على الدفع أكثر، وعلى رأسها شركات الرقائق، ستحصل على الإمدادات، بينما قد تعاني قطاعات أخرى مثل المستشفيات ومراكز الأبحاث والصناعات الفضائية. هذا التفاوت قد يخلق أزمات موازية في مجالات حيوية أخرى. وإذا استمرت الأزمة، فإن العالم قد يواجه نقصًا تدريجيًا في الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار، مع احتمالية إعادة تشكيل خريطة إنتاج وتجارة الهيليوم عالميًا.