الحرب على اليمن.. نموذج لتناقضات السياسة الأميركية
17 مايو 2025
وسط صخب الصراعات السياسية التي تتصدّر المشهد الأميركي، غالبًا ما تمرّ الكوارث الإنسانية في الأطراف المنسية من العالم بصمت قاتل. اليمن، البلد الغارق في حرب متعدّدة الأطراف منذ ما يقارب العقد، عاد مجددًا إلى الواجهة في الولايات المتحدة، ليس بسبب مجاعة أو تفشّي الأوبئة، بل بفعل فضيحة سياسية وعسكرية أميركية أكبر من مجرد رسائل مسرّبة.
في مقاله بصحيفة "نيويورك تايمز"، لا يركّز نيكولاس كريستوف على "سيغنال غيت" كقضية قائمة بحد ذاتها، بل يكشف من خلالها عن فشل سياسي ممنهج، يتجاوز التطبيقات والرسائل، إلى قلب السياسات الأميركية في اليمن.
من إدارة بايدن إلى إدارة ترامب، ومن قطع المساعدات إلى قصف عشوائي يكلف مليارات الدولارات، ترسم الولايات المتحدة مسارًا مأساويًا يُضعف مصالحها ويقوّي خصومها، كل ذلك على حساب ملايين المدنيين، معظمهم أطفال.
اليمن، البلد الغارق في حرب متعدّدة الأطراف منذ ما يقارب العقد، عاد مجددًا إلى الواجهة في الولايات المتحدة، ليس بسبب مجاعة أو تفشّي الأوبئة، بل بفعل فضيحة سياسية وعسكرية أميركية
في هذا المقال التحليلي، يستعرضه كريستوف كيف تحوّلت اليمن من ملف أمني إلى مرآة لعجز أميركي أخلاقي واستراتيجي، وكيف أصبح أطفالها ضحايا لصراع لا تراه واشنطن إلا من خلال مشهد الطائرات المسيّرة والبارجات الحربية.
يعتبر كريستوف أن الفضيحة الحقيقية ليست في التطبيق الذي استُخدم، بل في السياسة نفسها، سياسة تستهين بحياة الأطفال وتبذر المليارات على قنابل لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والتطرّف.
يشرح كريستوف في سياق سياسي واستراتيجي كيف حوّلت اليمن إلى ساحة عبث أميركية تُدار بمنطق الإنكار والارتجال، ويدفع ثمنها المدنيون الأبرياء، بينما يزداد خصوم واشنطن قوة ونفوذًا.
من غزة إلى البحر الأحمر
يربط كريستوف بين الحرب الإسرائيلية على غزة وردود الفعل الإقليمية عليها، لا سيما من جانب جماعة الحوثي في اليمن، التي تبنّت موقفًا مناهضًا لإسرائيل. وقد بدأت الجماعة بشنّ هجمات على سفن شحن يُشتبه بارتباطها بإسرائيل في البحر الأحمر، ما تسبب في أزمة هددت حركة التجارة العالمية.
إدارة الرئيس جو بايدن، في رد مباشر، أطلقت حملة قصف جوي مستمرة ضد أهداف جماعة الحوثي. ورغم استمرارية الضربات، فإنها لم تحقق تأثيرًا يُذكر على قدرات الحوثيين، بل دخلت الولايات المتحدة في استنزاف مفتوح في منطقة معقدة.
إدارة ترامب تواصل النهج
ما إن عاد ترامب إلى البيت الابيض، حتى زاد الطين بلّة. فقد رفع من وتيرة القصف، لكنه فعل شيئًا أكثر فداحة، أوقف المساعدات الإنسانية، منها الموجهة إلى اليمن، التي كانت في الأصل تعاني من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
بحسب منظمة "اليونيسف"، يعاني نصف أطفال اليمن تحت سن الخامسة من سوء تغذية حاد، وهي نسبة شبه غير مسبوقة عالميًا.
بينما تُغلق آلاف المراكز المعنية بتوزيع الغذاء، وتُلغى برامج مكافحة زواج الأطفال وتعليم الفتيات، تُنفق مليارات الدولارات على القنابل والمقاتلات.
السخرية المُرّة؟ أن إدارة ترامب، وفقًا لكريستوف، ألغت طلبية لزبدة الفول السوداني العلاجية (Peanut Paste)، التي كانت كفيلة بإنقاذ 500 ألف طفل يمني يعانون من سوء تغذية حاد، بسبب كلفتها "المرتفعة" نسبيًا.
حرب غير متناظرة بمليارات الدولارات
يوثّق كريستوف في مقاله رقمًا صادمًا يكشف حجم الإنفاق العسكري الأميركي في اليمن: أكثر من 7 مليارات دولار أنفقتها واشنطن خلال عامين فقط في حملتها ضد الحوثيين، وفق تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة مثل "Defense Priorities" وخبراء من جامعة هارفرد.
هذا الإنفاق الهائل لم يحقق نتائج استراتيجية ملموسة، بل تكبّدت الولايات المتحدة خلاله خسائر فادحة، من بينها إسقاط سبع طائرات بدون طيار من طراز "MQ-9 Reaper"، تبلغ كلفة الواحدة منها نحو 30 مليون دولار، إضافة إلى فقدان مقاتلتين من طراز"F/A-18 Super Hornet " تُقدّر قيمة كل منهما بـ67 مليون دولار.
وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الغارات في مقتل المئات من المدنيين، بينهم أكثر من 200 شخص في شهر واحد فقط، بحسب بيانات "Yemen Data Project"، ما يعكس حجم المأساة التي فاقمتها الحملة العسكرية دون تحقيق أهداف واضحة.
الخبيرة في جامعة هارفارد، ليندا بيلمز، تؤكد أن الولايات المتحدة تنفق ملايين الدولارات للرد على طائرات مسيّرة حوثية تكلفتها لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، وهو يعتبر مشهد سريالي يعكس مدى غياب التوازن والعقلانية في الاستراتيجية الأميركية.
منطق الحرب يُقوّي الحوثي بدل إضعافه
واحدة من أكثر النقاط إثارة في مقال كريستوف هي أن كل ما تفعله واشنطن، من قصف وتجويع، لا يضعف الحوثيين، بل يمنحهم شرعية أكبر.
فحين يرى الشعب اليمني أن الحوثيين هم من "يدافعون عن السيادة" أمام طائرات أميركية تسقط عليهم القنابل، تتعزز مكانة الجماعة كقوة وطنية، رغم طابعها "القمعي والرجعي"، وفق تعبيره الكاتب.
يقول الخبير غريغوري جونسون: "قطع المساعدات عن اليمن لن يضعف الحوثيين بل سيقويهم، لأن المجاعة واليأس هما الوقود الأمثل للسلطويات المتطرفة".
ما الذي كان يجب أن يحدث؟
يشير كريستوف إلى أن الحل الحقيقي لم يكن في ضرب اليمن، بل في ضغط دبلوماسي حقيقي على إسرائيل للتوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة، والإفراج عن المحتجزين، وتخفيف التوترات الإقليمية.
أما في اليمن، فإن إعادة الدعم الإنساني، وتوجيه العقوبات بدقة، والانخراط مع "قوى محلية منافسة للحوثيين"، ربما كانت تقدم نتائج أفضل من قصف بالمليارات ونتائج صفرية.
فضيحة أخلاقية تتجاوز "سيغنال"
يختتم كريستوف مقاله، قائلًا: "في اليمن، ترتكب الولايات المتحدة خطأً استراتيجيًا وإنسانيًا فادحًا، إنها تدّعي محاربة الإرهاب عبر أدوات تصنع المزيد منه، وتزعم الدفاع عن القيم بينما تتخلى عن الأطفال مقابل قنابل لا تحصد سوى اليأس".
"سيغنال غيت"، قد تكون مشكلة أمنية تقنية، لكن الفضيحة الأعمق تكمن في عقلية ترى أن طفلة جائعة ليست أولوية، وأن مقاتلة بـ67 مليون دولار أهم من حياة طفل في صعدة أو الحديدة.






