الحرس الثوري الإيراني.. تحولات ما بعد حرب 2026
18 يوليو 2026
أرغمت عمليات الاغتيال الممنهجة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل الحرس الثوري الإيراني على إعادة هيكلة قيادته العليا بسرعة فائقة، من أجل ضمان استمرارية القيادة والسيطرة.
وقد تميزت التعيينات الجديدة بتصعيد قادة من المحاربين القدامى في الحرب العراقية-الإيرانية، والذين يمتلكون خبرة عميقة في العمليات الاستخباراتية، والحروب غير المتماثلة، وقمع المعارضة الداخلية.
كما تعكس هذه التعيينات توجهًا استراتيجيًا نحو إعطاء الأولوية القصوى للتماسك الداخلي، واستمرارية العمليات العسكرية، ورفض أي مساومات سياسية.
القيادة الجديدة.. المتشددون يرثون الحرب
تولى العميد أحمد وحيدي القيادة العامة للحرس في الأول من آذار/مارس 2026، خلفًا لمحمد باكبور. وحيدي ليس وجهًا جديدًا في المؤسسة؛ فهو المؤسس الأصلي لفيلق القدس ومهندسه بين عامي 1988 و1997، ووزير دفاع سابق، ومطلوب بنشرة حمراء من الإنتربول بسبب ارتباطه بتفجير مركز AMIA في بوينس آيرس عام 1994.
كما ارتبط اسمه بقمع انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، وبهندسة الرد الأمني العنيف في "الشتاء القرمزي" 2025-2026.
ومنذ توليه المنصب، تجاوز وحيدي صلاحياته العسكرية ليصبح فاعلًا رئيسيًا في البلاد، إذ همّش الرئيس بزشكيان، ورفض تعيينات حكومية، وفرض شروطه على المفاوضين المدنيين.
الأثر الأعمق للحرب كان سياسيًا لا عسكريًا. استغل الحرس الثوري الأزمة لتجريد المؤسسة المدنية من صلاحياتها الدستورية المتبقية
في القوة الجوفضائية، جاء العميد مجيد موسوي كخلف للمغتال أمير علي حاجي زادة. موسوي هو العقل المدبر لتطوير صواريخ الوقود الصلب والصواريخ فرط الصوتية وبرامج المسيّرات. واصل تحت قيادته إطلاق موجات مكثفة ضمن سلسلة عمليات "الوعد الصادق 4" ضد إسرائيل والقواعد الأميركية.
غير أن القوة الجوفضائية شهدت تحت قيادته ظاهرة غير مسبوقة: تمرد داخلي مبطن. رفعت عائلات عناصرها شكاوى رسمية تتهم القيادة بسوء الإدارة، وبتحميل المشغلين مهمات انتحارية في ظل تفوق جوي أميركي إسرائيلي ساحق يجعل منصات الإطلاق أهدافًا فورية. يعكس هذا الصدع أزمة ثقة عميقة بين القيادة والكوادر الميدانية لم يعرفها الحرس في تاريخه.
تولى العميد محمد كرمي قيادة القوات البرية، وهو يحمل خلفية قمعية موثقة في مواجهة الأقليات والمحتجين، فيما برز العميد علي عزمائي قائدًا للقوة البحرية خلفًا لعلي رضا تنكسيري الذي اغتيل في ضربة استهدفت بندر عباس. تعيينهما يعكس أولوية واحدة: إحكام السيطرة على الجبهة الداخلية وتأمين حرب المضائق، لا بناء قدرات تقليدية جديدة.
نهاية الدبلوماسية المدنية
الأثر الأعمق للحرب كان سياسيًا لا عسكريًا. استغل الحرس الثوري الأزمة لتجريد المؤسسة المدنية من صلاحياتها الدستورية المتبقية. تجلى ذلك في تعيين العميد محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفًا للمخضرم علي لاريجاني الذي اغتالته إسرائيل.
كان المجلس يمثل تاريخيًا ساحة التوافق بين المدنيين والعسكريين. بدخول ذو القدر، أحد أقدم مهندسي البنية الأمنية للحرس ومؤسس شبكة الوكلاء الإقليميين، انتقل مركز صنع القرار بالكامل إلى النواة العسكرية.
ظهر هذا الاختطاف بجلاء خلال مفاوضات إسلام آباد. حين حاول عراقجي وبزشكيان تقديم تنازلات تشمل فتح مضيق هرمز مقابل الإفراج عن الأصول المجمدة، تدخل وحيدي وفرض إدراج ذو القدر في الوفد التفاوضي رقيبًا على الدبلوماسيين المدنيين. والأشد دلالةً أنه كلما أعلن المسؤولون المدنيون التزامًا بفتح المضيق، بادرت القوة البحرية للحرس باعتراض سفن تجارية وإطلاق النار عليها لتقويض أي التزام. لم يكن ذلك فوضى، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إيصال رسالة واحدة: الكلمة الفصل في أمن الخليج ومسار التفاوض هي للحرس الثوري وحده.
مرشد يعتمد على العسكر
اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى ثالثًا في الثامن من آذار/مارس 2026 كشف عن انقلاب صامت في بنية السلطة الإيرانية. لم يتولَّ مجتبى أي منصب تنفيذي علني في حياته. وقد أثار مبدأ التوريث استياءً شعبيًا واسعًا لتناقضه مع شعارات ثورة 1979 التي أسقطت النظام الملكي البهلوي. أُقرّ انتخابه بـ59 صوتًا من أصل 88 في مجلس خبراء مُطهَّر من المعارضين.
في ظل هذا الضعف المزدوج، ديني وشعبي، اعتمد مجتبى اعتمادًا كليًا على الحرس الثوري لفرض اختياره وتثبيت حكمه. وأدى ذلك إلى قلب المعادلة التاريخية: فبينما كان علي خامنئي يوجّه الحرس ويدير التوازنات بسلطة أبوية ودينية راسخة، بات مجتبى واجهة شرعية تختبئ خلفها المؤسسة العسكرية لتمرير سياساتها. الحرس يصنع قرار "الولي" لا العكس. وقد زاد من عزلته غيابه العلني شبه التام منذ التعيين جراء إصابات جسدية لحقت به في الضربة التي أودت بحياة والده، مما حوّل مؤسسة المرشد من جهة قيادية تعبّئ الجماهير إلى مجرد ختم شرعي يضعه العسكر على قراراته.
دروس من الحرب
فرضت الحرب تحولات جذرية في عقيدة الحرس العسكرية يمكن اختصارها في ثلاثة دروس استراتيجية.
الدرس الأول: فشل الردع النووي الكامن
قبل الحرب، اعتمدت إيران استراتيجية "التحوط النووي"، أي امتلاك القدرة العلمية للوصول إلى العتبة النووية في أسابيع دون إنتاج سلاح فعلي، بوصفها رادعًا سياسيًا. أثبتت حرب 2026 فشل هذه الاستراتيجية، إذ رأت واشنطن وتل أبيب في البرنامج غير المكتمل تهديدًا وجوديًا يستوجب الاستهداف الاستباقي. الاستنتاج الذي يُعتقد أن قيادة الحرس توصلت إليه هو أن القدرة النووية الكامنة تستجلب الضربات ولا تردعها، وأن الضمانة الوحيدة هي تجاوز العتبة نحو سلاح فعلي.
الدرس الثاني: تسليح الجيواقتصاد
ألغى الحرس التمييز بين الأهداف العسكرية والبنية التحتية المدنية لدول المنطقة. إغلاق مضيق هرمز واستهداف محطات تسييل الغاز في قطر والبنية التحتية في الإمارات وموانئ السعودية والبحرين، كل ذلك بوصفه أداة حرب لخلق ضغط اقتصادي عالمي يُجبر واشنطن على القبول بشروط طهران. لم يعد هرمز ممرًا مائيًا دوليًا في نظر الحرس، بل "درعًا جغرافيًا" وآلةً للابتزاز الاستراتيجي.
الدرس الثالث: الإشباع الصاروخي اللامركزي
تخلى الحرس عن فكرة الرد المتناسب واعتمد موجات مكثفة متتالية سُميت "الوعد الصادق 4"، تُطلق من منصات متحركة تخرج من أعماق المدن الصاروخية المحصنة. الهدف ليس الانتصار الحاسم، بل استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الغربية اقتصاديًا، وإجبار المدنيين في الدول المعادية على البقاء في الملاجئ لاستنزافهم نفسيًا، مع الحفاظ على المنصات الثمينة المتبقية.
فيلق القدس وشبكة الوكلاء
تعرض فيلق القدس لاستهداف مكثف أضعف هيكل قيادته وقلص نفوذه الإقليمي. في العراق، أُعلن قاآني "شخصًا غير مرغوب فيه" وفُرضت قيود على تحركات مبعوثيه.
وفي لبنان، تعرض حزب الله لضربات قطع رأس شلت قدراته الصاروخية وأودت بعشرات قادته التاريخيين. وشكّل سقوط نظام الأسد في سوريا ضربة لوجستية قاصمة لخطوط الإمداد.
لكن الفيلق لم ينهر بالكامل، فقد أعاد وحيدي وذو القدر هندسة شبكة الوكلاء وفق نموذج مختلف، وهو الانتقال من "رعاية الوكلاء وتفويض الصلاحيات" إلى "القيادة والتحكم المباشر". الجيل الجديد من قادة حزب الله والميليشيات العراقية يتلقون توجيهات مباشرة من طهران، وهو تحول يعكس دروس الحرب: الاستقلالية التكتيكية للوكلاء أثبتت هشاشتها حين انقطعت الاتصالات مع المركز.
من أجل بقاء النظام
لم تنهِ حرب 2026 مع الولايات المتحدة وإسرائيل مسيرة الحرس الثوري، لكنها غيّرت حمضه النووي بشكل لا رجعة فيه.
من رماد الضربات الاستراتيجية التي قضت على المرشد التاريخي والحرس القديم، وُلدت طغمة عسكرية أكثر تطرفًا وشراسة وبراغماتية أمنية.
واليوم، يدير الحرس الثوري دولة إيرانية معزولة دبلوماسيًا، ومحطمة اقتصاديًا، ومحتقنة داخليًا، لكنها تمتلك قدرة تدميرية غير متماثلة قادرة على تهديد الممرات المائية الحيوية والأمن الإقليمي برمته.
لقد تغيرت عقيدة الحرس من الدفاع عن "الجمهورية الإسلامية" إلى ضمان "بقاء النظام العسكري" بأي ثمن، مما يضع المنطقة والعالم أمام تحدٍ استراتيجي معقد وممتد لا يمكن تفكيكه بالضربات العسكرية التقليدية وحدها.