الخوف الوجودي والطموح الإمبراطوري: لماذا يُجمع الإسرائيليون على ضرب إيران؟
15 مارس 2026
تسود في أروقة صنع القرار في تل أبيب حالة من التماهي البنيوي غير المسبوق بين المستويين السياسي والعسكري، تعززها حالة اصطفاف مجتمعي تجاوزت في أحدث استطلاعات الرأي العام حاجز الثمانين بالمئة؛ وهي نسبة تعكس تحولًا جذريًا في سيكولوجية المجتمع الإسرائيلي حيال مفهوم "الحرب الاستباقية" ضد إيران. ولا يمكن مقاربة هذا الإجماع بمعزل عن الصدمة الوجودية التي أحدثها السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي أعادت صياغة مفهوم "الخطر الداهم" في الوعي الجمعي؛ فالمجتمع الذي اطمأن طويلًا لمظلة الردع الاستراتيجي، وجد نفسه بغتة أمام حقيقة "هشاشة البقاء".
هذا الانكسار هو ما دفع النخب العسكرية من "جنرالات الشاشات" والمحللين المهيمنين على الفضاء الإعلامي، إلى ترسيخ سردية مفادها أن المواجهة مع طهران لم تعد ترفًا استراتيجيًا للمناورة، بل غدت ضرورة وجودية لا تقبل الإرجاء، مستندين في ذلك إلى "المعجزة" التي حالت دون انهيار الدولة في الساعات الأولى للهجوم، صبيحة 7 أكتوبر، حين شلّ الهاجس من انقضاض "قوة الرضوان" مفاصل القيادة العليا؛ وهو الهاجس الذي تحول اليوم إلى المحرك الأساسي لاستراتيجية "الإزاحة القسرية" لمهددات الأمن القومي قبل تحولها إلى خطر نووي أو صاروخي يستعصي على الاحتواء.
إسرائيل لم تعد تقارب الملف الإيراني كقضية أمنية معزولة، بل كرافعة استراتيجية لإعادة التموضع الكلي في المنظومة الإقليمية
وتتمدد هذه السردية لتستبطن اعترافًا ضمنيًا بإخفاق المنظومات الدفاعية والاستخبارية التقليدية في اجتراح أمن مطلق؛ إذ تهاوى الرهان على "مفعول الردع" في كبح نوايا الخصوم الهجومية، وتبدد التعويل على التفوق الاستخباراتي في رصد النوايا والخطط المبيتة، مما ولّد قناعة لدى العقل الاستراتيجي بأن الترياق الوحيد يكمن في "تجريد الخصم من مقدراته" بصورة شاملة.
إن هذا التحول من منطق "إدارة الصراع" إلى راديكالية "حسم التهديد" يفسر الجنوح نحو خيارات قصوى، تبدأ باستهداف المشروع النووي وتقويض الترسانة الصاروخية، وصولًا إلى طروحات تقضي بضرورة القضاء على النظام في طهران، في محاولة لتصحيح المسار التاريخي الذي استُهل منذ حرب 1973 ولم يفلح في تلافي مفاجأة 2023 رغم عقود من التمحيص في دروس الماضي. ويتساوق هذا "النضج" في العقيدة الهجومية مع اكتمال الجهوزية التقنية التي راكمتها إسرائيل لسنوات، من خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء السيبراني والتوجيه الدقيق، مما منح القيادة ثقة مفرطة في قدرة سلاح الجو على إجراء "عمليات جراحية" في العمق الإيراني، بأقل قدر من الأثمان الميدانية وأقصى قدر من العوائد الجيوسياسية المرجوة.
ومع ذلك، فإن فكرة توجيه ضربة لإيران ليست جديدة في النقاش الاستراتيجي الإسرائيلي. ففي عام 2010، خلال حكومة بنيامين نتنياهو الثانية، اتفق مع وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك على خيار توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني. غير أن هذا التوجه واجه معارضة قوية داخل المؤسسة الأمنية، إذ عارضه كل من رئيس الموساد في ذلك الوقت مئير داغان ورئيس الأركان غابي أشكنازي، اللذين حذّرا من تداعيات خطوة كهذه، وأعربا عن تشككهما في جدواها من دون مشاركة الجيش الأميركي في تنفيذ الضربة.
يُعد الدور الأميركي حاسمًا في كل ما يتعلق بإسرائيل وإيران، وفق ما يرى الخبراء الاستراتيجيون في تل أبيب. فهم يعتبرون أن الدعم الأميركي الحالي من إدارة البيت الأبيض قد وصل بالعلاقات إلى مستوى غير مسبوق من التماهي على صعيد التخطيط والتنفيذ المشترك.
ومع ذلك، يحذر هؤلاء الخبراء عند تفسير منحنى الدعم الأميركي على المدى الطويل، وهنا تبرز وشيجة القربى مع واشنطن كحجر زاوية في هذا الإجماع؛ إذ يرى المخططون في تل أبيب أن حالة "التماهي" الراهنة مع الإدارة الأميركية في التخطيط والتنفيذ تمثل "نافذة فرص ذهبية" قد لا تتكرر، لاسيما في ظل التحولات الديمغرافية والسياسية العميقة داخل القواعد الانتخابية الأميركية، والتي قد تفضي مستقبلًا إلى فترات من الفتور أو تبدل الأولويات الاستراتيجية فيما يتعلق باسرائيل. ومن هنا، تتبلور الدعوات لاقتناص اللحظة الراهنة لتنفيذ ضربة مشتركة، استباقًا لأي تقلبات في منحنى السياسة الخارجية الأميركية على المدى الطويل.
ويهدف هذا الاستعجال الاستراتيجي إلى فرض "واقع جديد" يستند إلى التفوق العسكري، مدفوعًا برغبة حارقة في مواراة آثار الانكسار الذي ألمّ بسلاح البر والقيادة الميدانية في غزة، وإعادة الاعتبار لسلاح الجو كذراع استراتيجية وحيدة قادرة على إعادة هندسة موازين القوى الإقليمية، بما يخدم مصالح المجمع الصناعي العسكري المرتبط عضويًا بكبريات شركات السلاح الأميركية، التي ترى في هذه المواجهة مضمارًا لتأكيد سطوة تقنياتها أمام ترسانات الخصوم فتحًا للأسواق.
ولا تقف الدوافع عند تخوم "الأمن القومي" الصرف، بل تمتد لتلامس آفاقًا اقتصادية براغماتية ترى في الحرب مدخلًا لطفرة اقتصادية غير مسبوقة؛ فالمواجهة المباشرة مع الصواريخ والمسيرات الإيرانية تحول إسرائيل فعليًا إلى "المتجر التقني العسكري الأكبر" عالميًا، حيث تغدو العمليات الحربية بمثابة "عرض حي" (Live Demo) يمهد لعقود بمليارات الدولارات مع دول حلف الناتو وشرق آسيا، المتوثبة للحصول على تكنولوجيا دفاعية صُقلت في مختبرات المعارك الحقيقية.
اقرأ/ي: استعادة إمبريالية أميركا.. ليندسي غراهام وحرب إيران
مصادر إسرائيلية لـ"الغارديان": مصير اليورانيوم المخصب سيكون حاسمًا في الحرب
علاوة على ذلك، يرى العقل الاقتصادي الإسرائيلي أن تقويض النفوذ الإيراني هو الممر الإلزامي لتفعيل مشاريع الربط الجيوسياسي، كالممر التجاري الممتد من الهند إلى أوروبا، وتحويله من خرائط نظرية إلى واقع اقتصادي يعزز مكانة موانئ حيفا وأسدود كركائز للتجارة الدولية وتجرد مصر بحرب ناعمة من أهم ذخائرها الاستراتيجية قناة السويس.
كما تتوخى هذه الحرب تأمين حقول الغاز في شرق المتوسط وضمان تدفقها للأسواق الأوروبية كبديل استراتيجي ومستدام للغاز العربي والروسي، مما يمنح إسرائيل أوراق ضغط دبلوماسية واقتصادية هائلة، ويحولها من "دولة قلقة أمنيًا" إلى "قطب إقليمي" ممسك بمسارات الطاقة والتجارة في قلب النظام الدولي الجديد.
إسرائيل لم تعد تقارب الملف الإيراني كقضية أمنية معزولة، بل كرافعة استراتيجية لإعادة التموضع الكلي في المنظومة الإقليمية؛ إذ إن تحييد "الخطر" الإيراني يعني بالضرورة تفكيك "حلقة النار" المحيطة بها، مما يشرع الأبواب أمام تسويات إقليمية بصياغة إسرائيلية خالصة.
ويعبر الإجماع الحالي عن نزعة لاستعادة "الهيبة" التي حطمتها قوات النخبة التي انطلقت من غزة، وهو ما يفسر حدة الخطاب العسكري لقادة سلاح البر في محاولتهم التنصل من تبعات الإخفاق عبر اتهام "اللوبي الجوي" بالاستئثار بالموارد، بينما يجد سلاح الجو في ضرب طهران فرصته الذهبية لتأكيد كونه الضمانة الوحيدة للبقاء.
هذا الصراع الداخلي على الاعتمادات والمكانة يصب في نهاية المطاف في مصلحة خيار الضربة، حيث تجد كافة الأطراف في استهداف "الرأس الإيراني" مخرجاً من مآزقها البنيوية، وصورة لانتصار تكنولوجي باهر يستعيد ثقة الجمهور في الداخل والمستثمر في الخارج.
بناءً على ما تقدم، يمكن استخلاص أن الإجماع الإسرائيلي الراهن هو نسيج معقد من غريزة البقاء الوجودية والطموحات الإمبراطورية الاقتصادية؛ حيث تروم النخبة الحاكمة مواراة إخفاقات الماضي في رمال المواجهة الكبرى، واغتنام اللحظة لإعادة تشكيل وجه المنطقة وفق رؤية تضمن التفوق النوعي للعقود القادمة. إنها مغامرة كبرى يسعى من خلالها صانع القرار لتحويل "صدمة أكتوبر" من لحظة انكسار إلى منصة انطلاق نحو نظام إقليمي جديد، يُبنى فيه الواقع على قواعد الردع المطلق، وتُشاد فيه الثروة على أنقاض النفوذ الإقليمي الإيراني، مما يجعل من الضربة القادمة جسر العبور الإلزامي نحو "إسرائيل الثانية" التي تطمح لأن تكون القطب الأوحد في شرق أوسط يُعاد تعريفه بالنار والحديد والتكنولوجيا الفائقة.
هذه الحرب التي بادرت إليها إسرائيل يعني أنها تراهن على احداث تحول جيوسياسي قد يعيد رسم الخارطة لسنوات طوال؛ فالمواجهة لم تعد تتمحور حول أجهزة الطرد المركزي أو الصواريخ الباليستية فحسب، بل حول أحقية صياغة مستقبل الاقتصاد والطاقة في شرق المتوسط. وبناءً عليه، يظل السؤال القائم: "كيف سيتشكل العالم في اليوم التالي للحرب؟"، في ظل إصرار إسرائيلي على تحويل العمل العسكري من كلفة عسكرية باهظة إلى استثمار استراتيجي وجيوسياسي بعيد الأمد.