ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

الدوحة تحت القصف.. من غزة إلى قلب العواصم

10 سبتمبر 2025
الدوحة موقع التفجير
موقع القصف الإسرائيلي في العاصمة القطرية الدوحة (منصة إكس)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

مثّلت الغارة الإسرائيلية على الدوحة في التاسع من أيلول/سبتمبر 2025 لحظة فارقة، إذ للمرة الأولى يمتد القصف خارج غزة ليطال العاصمة التي اضطلعت بدور الوسيط.

بدا المشهد وكأن تل أبيب قررت إسقاط آخر القواعد في النزاعات، قاعدة تحييد الوسطاء، لتفتح الحرب على خرائط أبعد من ساحة القتال الأصلية. فالهدف لم يكن مجرد اغتيال الوفد المفاوض لحركة حماس، بل رسالة بأن التفاوض نفسه أصبح هدفًا مشروعًا. وبينما بدت واشنطن عالقة بين خطاب مرتبك يجمع بين الإقرار بعلمها المسبق والصمت، تطرح الغارة على الدوحة سؤالًا أعمق: لم يعد الأمر يتعلق بغزة وحدها، بل بمستقبل أي عاصمة قد تختار لعب دور الوسيط في صراع تحكمه طائرات بلا قواعد.

الحدث ومعانيه: لماذا قصفت إسرائيل الدوحة؟

لم تكن الغارة الإسرائيلية على مقر قيادات حماس في الدوحة مجرّد ردّة فعل غاضبة أو ضربة عابرة في سياق الردع. بدا المشهد أقرب إلى رسالة مرسومة بعناية: طائرات تقصف قلب العاصمة التي احتضنت على مدى سنوات جهود الوساطة، في اللحظة نفسها التي كان وفد الحركة يناقش فيها مقترحًا أميركيًا لوقف إطلاق النار في غزة. ما أرادته إسرائيل تجاوز حدود الضغط في ملف الأسرى أو الثأر لمقتل جنودها، إلى ما هو أبعد: شلّ القدرة على التفاوض من أساسها.

بهذا المعنى، لم يكن الاستهداف موجّهًا ضد حماس وحدها، بل إلى الوسيط نفسه. فقصف الدوحة، العاصمة التي مثّلت القناة الأهم للتهدئة، يعني كسر القاعدة الذهبية في النزاعات: تحييد الوسطاء.

لم تكن الغارة الإسرائيلية على مقر قيادات حماس في الدوحة مجرّد ردّة فعل غاضبة أو ضربة عابرة في سياق الردع. بدا المشهد أقرب إلى رسالة مرسومة بعناية: طائرات تقصف قلب العاصمة التي احتضنت على مدى سنوات جهود الوساطة

ومن هنا تبرز دلالة أخطر: أنّ أي عاصمة أخرى قد تتحوّل من منصة للتفاوض إلى ساحة مفتوحة للاستهداف. أما الرسالة الثالثة، فهي أوسع مدى وأعمق وقعًا؛ إذ تفيد بأن إسرائيل تسعى إلى نقل الصراع من جغرافيا غزة الضيقة إلى خريطة إقليمية بلا حدود، حيث يمكن ضرب الخصم وهو على طاولة الحوار، وحيث تصبح العواصم نفسها رهائن في لعبة فرض وقائع جديدة.

المواقف الإقليمية والدولية: بين التضامن والتواطؤ الصامت

انقسمت ردود الفعل على الغارة بين إدانة صريحة وتعبيرات حذرة تكشف هشاشة المنظومة الأمنية في المنطقة. فقد رأت حماس أن ما جرى دليل إضافي على أن إسرائيل لا تريد اتفاقًا، مؤكدة تمسكها بمطالبها.

أما تركيا فوصفت الضربة بـ"الإرهابية والهمجية"، فيما حذرت إيران من اتساع رقعة الحرب، وأكدتا تضامنهما مع قطر بما يعكس عمق الروابط السياسية والأمنية. في لبنان، جاء الموقف متضامنًا أيضًا، لكنه محمّل بالقلق من جدوى الضمانات الأميركية بعدما استُهدف حليف وثيق لواشنطن.

أما الولايات المتحدة فكانت في الموقف الأصعب: أقرت بأنها أُبلغت مسبقًا بالهجوم، لكنها لم تُدنه، مكتفية بالقول إن قطر حليف استراتيجي. هذا الموقف جعلها تبدو إما شريكًا صامتًا في العملية، أو عاجزة عن ضبط إسرائيل، وهو ما قوّض مصداقيتها كضامن للوساطة. في المقابل، أدانت فرنسا والنرويج الهجوم، لكن ردودهما بقيت في إطار التصريحات، بلا أي إجراءات عملية يمكن أن تفرض كلفة على تل أبيب.

أزمة الرواية الإسرائيلية ومخاطرها

لم تنجح إسرائيل في صياغة رواية موحّدة لما جرى في الدوحة. فبينما سعى نتنياهو إلى تقديم الغارة باعتبارها ردًا سريعًا على عمليتي القدس وغزة الأخيرتين، سرّبت الصحافة العبرية معطيات تفيد بأن التخطيط بدأ قبل أسابيع، ما يكشف عن وجود قرار استراتيجي مُسبق لا عن ردّ فعل عابر.

هذا التناقض لا يفضح فقط ارتباكًا داخليًا في تبرير العملية، بل يضع واشنطن في قلب الحرج. فإما أنّ الإدارة الأميركية كانت على علم مسبق، ما يجعلها شريكة ضمنيًا في استهداف عاصمة تلعب دور الوسيط، أو أنّ تل أبيب تجاوزت شريكها الأمني الأوثق، بما يوحي بأزمة ثقة عميقة في قلب التحالف.

في الحالتين، يخرج المشهد بقراءة واحدة: هشاشة غير مسبوقة في توازن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية. فحين تجد واشنطن نفسها مترددة بين التواطؤ أو التهميش، يطلّ سؤال أكبر: إلى أي مدى ما زالت الولايات المتحدة قادرة على ضبط إيقاع حليفتها، أم أنّ إسرائيل باتت تتصرف كقوة منفلتة حتى تجاه راعيها الدولي الأول؟

الضربة في الدوحة لم تكن حادثًا عابرًا، بل إعلانًا عن تغيير في قواعد الحرب، إذ تحولت العاصمة من مساحة تفاوض آمن إلى ساحة مكشوفة للقصف

ملامح المشهد المقبل

الضربة التي استهدفت الدوحة لن تُقرأ باعتبارها محاولة اغتيال فاشلة وحسب، بل كلحظة تأسيسية لصراع بلا قواعد. المفاوضات مرشحة للتجميد، ليس لأن إسرائيل أغلقت الباب بوجهها فحسب، بل لأن أي وفد يجلس إلى الطاولة سيدرك أن الخطر يلاحقه حتى في أماكن كان يُفترض أنها آمنة.

الوسطاء أنفسهم سيدفعون ثمنًا لم يخطر لهم من قبل: فالدور الذي كان يفترض أن يحميهم صار يجرّ عليهم الخطر. الولايات المتحدة بدت مرة أخرى في وضع المتواطئ الصامت أو الحليف العاجز، وهو وضع لا يختلف كثيرًا في أثره، إذ يزرع الشكوك في كل العواصم التي تستند إلى مظلتها. أما إسرائيل، فهي تدرك أن مجرد تحويل الوسيط إلى هدف هو مكسب استراتيجي بحد ذاته، حتى إن لم تنجح عملية الاغتيال.

وفي ظل هذا المشهد، يتبلور احتمال واحد أكثر من غيره: صراع ممتد لا يعرف حدودًا جغرافية، حيث تنتقل الحرب من غزة إلى خرائط أوسع، ويتحوّل كل مسار تفاوضي إلى مغامرة محفوفة بالانفجارات.

عندما يتحول الوسيط إلى جبهة حرب

الضربة التي استهدفت الدوحة لم تكن حادثًا عابرًا في مسار الحرب، بل إعلانًا عن تغيير في قواعدها الأساسية. فالوسيط الذي كان يُفترض أن يتمتع بحصانة صار هدفًا مشروعًا، والعاصمة التي وُصفت يومًا بأنها مساحة تفاوض آمن تحولت إلى ساحة مكشوفة للقصف.

بهذه الضربة، انتقل الصراع من كونه مواجهة محصورة في غزة إلى مواجهة تتسع لتشمل خرائط وأدوار كانت تُحسب محايدة أو محمية. الولايات المتحدة اكتفت بدور المراقب المبلِّغ لا المانع، وأوروبا اكتفت بالاحتجاج اللفظي بلا أدوات ضغط، فيما تعاملت إسرائيل مع الفوضى باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا بحد ذاته: إرباك الوسطاء، تعطيل المفاوضات، وتوسيع دائرة الخوف إلى ما وراء حدود المعركة.

في هذا المناخ، لم تعد المفاوضات قادرة على أداء وظيفتها كأداة لإطفاء الحريق، بل صارت هي الأخرى مادة قابلة للاشتعال، تزيد من احتمالات الانفجار بدل أن تحدّ منه. وهكذا تتبلور "الجغرافيا المفتوحة" لا كافتراض محتمل، بل كواقع يفرض نفسه على العواصم واحدة تلو الأخرى.

كلمات مفتاحية
تلة علي الطاهر جنوبي لبنان

هل سقطت تلة علي الطاهر بيد إسرائيل في جنوبي لبنان؟

ما أهمية مرتفعات علي الطاهر التي ادعت إسرائيل السيطرة عليها؟

الحوثيين

تصعيد عسكري غربي تعز.. هل يعيد رسم حسابات باب المندب في اليمن؟

تشهد الجبهات الغربية لمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، تصعيدًا عسكريًا هو الأشد منذ سنوات

حقل نفط في فنزويلا

هل تعيد واشنطن إنتاج نموذجها القديم في فنزويلا؟

بعد أشهر من التدخل الأميركي في فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بدأت ملامح المرحلة التالية تتضح بصورة أكبر

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة