الذهب يعود ملاذًا: كيف تهز سياسات ترامب مكانة أميركا المالية؟
27 يناير 2026
حطّم معدن الذهب، في 26 كانون الثاني/يناير 2026، حاجزًا قياسيًا بوصوله إلى 5000 دولار للأونصة الواحدة، وهو الرقم الذي حدّده بنك "غولدمان ساكس" العام الماضي ليكون مستهدفًا لمستثمريه بنهاية هذا العام. إلا أن ما حدث فاق جميع التوقعات، إذ استطاع المعدن الأصفر تحقيق المستهدف السنوي كاملًا خلال 26 يومًا فقط، ما تسبّب بحالة من التضارب بين المحللين، سياسيين واقتصاديين. فهل يستمر هذا الارتفاع؟ وما أسبابه؟ وما الذي يحدث ولا نراه حتى اللحظة؟
بداية الاضطرابات العالمية
افتتحت الولايات المتحدة هذا العام بعملية عسكرية ضد فنزويلا، جارتها في الكاريبي، أدّت إلى القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وتعريضهما للمحاكمة على الأراضي الأميركية. وفي اليوم التالي مباشرةً للعملية، في 3 كانون الثاني/ يناير، أعلن الرئيس دونالد ترامب: "نحن نحتاج جزيرة غرينلاند من منظور الأمن القومي، ولن تستطيع الدنمارك حماية أمننا القومي"، مضيفًا أن "الجزيرة محاطة بالسفن الروسية والصينية".
وتصاعدت تهديدات ترامب تدريجيًا ضد الدنمارك، وبلغت حدّ إبداء رغبته في السيطرة على الجزيرة بأي ثمن، من دون استبعاد الخيار العسكري. وقد دفعت هذه التهديدات القادة الأوروبيين، في 6 كانون الثاني/ يناير، إلى التضامن مع الدنمارك وإصدار مذكرة ضد تهديدات ترامب، فضلًا عن إرسال عددٍ محدود من الجنود إلى مدينة نوك (Nuuk)، عاصمة الجزيرة.
لطالما اعتُبرت معدلات الفائدة الأميركية، التي يُقرّها البنك الفيدرالي الأميركي، المعيارَ القياسيَّ العالمي، وعلى أساسها تُحدَّد معدلات الفائدة على الديون الموجَّهة إلى الأسواق الناشئة وغيرها
وواجه ترامب هذا العصيان الأوروبي بفرض تعريفات جمركية عقابية بنسبة10 % على الدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد وإنجلترا، على أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من شباط/ فبراير القادم، مع التوعّد برفع النسبة إلى25 %مطلع شهر حزيران/يونيو. لتنتهي الأزمة مؤقتًا بعد محادثات مطوّلة بين الرئيس الأميركي والقادة الأوروبيين على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي في دافوس، حيث وعدوه ببناء تحالف يضم غرينلاند ومنطقة القطب بأكملها.
وعلى الرغم من تراجع ترامب عن فرض التعريفات الجمركية على أوروبا، فإن ما حدث هذه المرة كان مختلفًا؛ إذ إن الاستيلاء على غرينلاند كان سيعني إنهاء حلف الناتو إلى الأبد، كما أن فرض التعريفات الجمركية على أوروبا كان سيؤدي إلى إنهاء وصول الشركات الأميركية إلى الاتحاد الأوروبي، والإضرار بالبورصة والسوق الأميركية بشكل مباشر. وقد أسهمت هذه الاحتمالات في خلق حالة نفسية سلبية لدى المستثمرين الأوروبيين، ولا سيما أنهم يمتلكون ما يقارب 10 تريليونات دولار مستثمرة في البورصة وأذون الخزانة الأميركية، ويمكنهم، إن أرادوا، إغراق الولايات المتحدة في أزمة مالية لم تشهدها منذ الكساد العظيم.
بِع أميركا واشتر الذهب
تغيّرت نفسية المستثمرين عقب تهديد ترامب بفرض تعريفات جمركية على الدول الأوروبية، وعلى هذا الأساس بدأ "مؤشر الدولار الأميركي" (DXY)بالانخفاض الحاد من مستوى 99.5 إلى 97، وهو المؤشر الذي يقيس قوة الدولار أمام سلة من ست عملات أخرى، ما منح تلك العملات قوةً متناسبة مع ضعف الدولار.
ومع تراجع الدولار، انخفضت أغلب الأصول الأميركية؛ إذ تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 800 نقطة، كما تراجعت أهم المؤشرات الأميركية، (S&P 500) و(Nasdaq) ، بأكثر من 2%. غير أن أخطر التطورات جاءت من صندوق تقاعد الدنمارك (AkademikerPension) ، الذي قرر التخارج من سندات وأذون الخزانة الأميركية، وبيع ما يُقدَّر بنحو 100 مليون دولار، معتبرًا أن "الولايات المتحدة ليست مصدرًا موثوقًا على المدى البعيد، وأن الإدارة المالية الأميركية غير مستدامة".
وأعقب تخارج صندوق المعاشات الدنماركي توجّه عدد من المستثمرين في صناديق المعاشات الإسكندنافية الأخرى إلى اتباع الخطوة نفسها، وكان قد سبقه صندوق (Alecta) السويدي، الذي باع ما بين 7 و8 مليارات دولار من سندات الخزانة الأميركية خلال العام الماضي، مبررًا خطوته "بانخفاض القدرة على التنبؤ بالسياسة الأميركية، بالتزامن مع عجز كبير في الميزانية وتزايد الدين الحكومي".
الخطوة التي بدأت في السويد، وتُستكمل حاليًا في الدنمارك، تمثّل تعزيزًا لتحرّك أكبر وأكثر عمقًا بدأته الصين منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024؛ إذ شرع بنك الشعب الصيني في تنويع حيازاته بعيدًا عن الدولار الأميركي، تفاديًا لاحتمال التعرّض لعقوبات مستقبلية. وبذلك خفّض البنك حيازاته الدولارية من 1.32 تريليون دولار، وهي الأكبر عالميًا، إلى 682.6 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين، واصل البنك المركزي الصيني شراء عشرات الأطنان من الذهب، حتى بلغت الكمية المشتراة خلال 14 شهرًا متواصلًا نحو 42 طنًا.
كما باعت الهند جزءًا من حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لتصل إلى أدنى مستوى لها خلال خمس سنوات، منخفضةً من ذروتها عام 2023إلى نحو 190 مليار دولار، بعدما باع البنك المركزي الهندي ما يقارب 50 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية، واشترى بدلًا منها 20 طنًا من الذهب لتعزيز احتياطياته، وذلك في أعقاب فرض الرئيس دونالد ترامب تعريفات جمركية على الهند بنسبة 50 %.
أما اليابان، التي تمتلك حيازات كبيرة من سندات الدين الأميركية تُقدَّر بنحو 1.2 تريليون دولار، فقد بدأت مؤخرًا بمواجهة أزمة في سوق السندات المحلية؛ إذ ارتفعت معدلات الفائدة على سندات الأربعين عامًا لتصل إلى 4.24 %، بعدما كانت قريبة من الصفر على مدى العقود الثلاثة الماضية. ويعني ذلك أن حيازات المستثمرين اليابانيين في الولايات المتحدة قد تتجه إلى التسييل وإعادة توظيفها داخل اليابان خلال الفترة المقبلة.
فقدان كامل للثقة
لطالما اعتُبرت معدلات الفائدة الأميركية، التي يُقرّها البنك الفيدرالي الأميركي، المعيارَ القياسيَّ العالمي، وعلى أساسها تُحدَّد معدلات الفائدة على الديون الموجَّهة إلى الأسواق الناشئة وغيرها. كما لطالما عُدّت السندات الحكومية الأميركية الأصل الأكثر أمانًا وثقةً على مستوى العالم. غير أنّ هذه الثقة بدأت تهتزّ تدريجيًا خلال العام الماضي، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
إن الاضطرابات الداخلية والخارجية التي تثيرها إدارة الرئيس ترامب تخلق حالةً من عدم اليقين والتشاؤم حيال مستقبل مختلف الأصول
يسعى الرئيس ترامب إلى السيطرة على البنك الفيدرالي الأميركي ونزع استقلاليته التي اكتسبها منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وإجبار رئيسه على خفض معدلات الفائدة على الديون الأميركية إلى نحو 1%، بما يؤدي إلى تقليص كلفة الفائدة التي تدفعها الحكومة الأميركية على ديونها. إلا أن رئيس البنك الفيدرالي الحالي، جيروم باول، رفض تنفيذ هذه الخطوة.
وأرسلت وزارة العدل الأميركية، في بداية الشهر الحالي، مذكرة استدعاء إلى جيروم باول للتحقيق في قضية جنائية تتعلق بتلاعبات في مخصصات تجديد مبنى تابع للبنك، في محاولة مكشوفة للضغط عليه ودفعه إلى الاستقالة. وهو ما دفعه إلى الخروج عن صمته والتصريح إعلاميًا : "كل هذا يطرح خيارين: إما أن يستمر الفيدرالي في تحديد معدلات الفائدة بناءً على الأدلة والظروف الاقتصادية، أو أن تُوجَّه السياسة النقدية اعتمادًا على الضغط السياسي والتهديد".
تنتهي ولاية رئيس البنك الفيدرالي الحالي في حزيران/يونيو من هذا العام، ومن المرجّح أن يسعى ترامب إلى تعيين خليفة يكون تابعًا له ومنفّذًا لجميع إملاءاته. ففي الوقت الذي تستقر فيه معدلات التضخم في الولايات المتحدة فوق 2 % ، وهي النسبة المستهدفة قبل الشروع في خفض الفائدة، قد يفقد البنك الفيدرالي استقلاليته ويتجه نحو التخفيض ثم طباعة النقود مجددًا، ما سيؤدي إلى زيادة الدين الأميركي، الذي تفاقم مؤخرًا ليصل إلى 38.49 تريليون دولار، ارتفاعًا من 37 تريليون دولار في عام 2024.
إن الاضطرابات الداخلية والخارجية التي تثيرها إدارة الرئيس ترامب تخلق حالةً من عدم اليقين والتشاؤم حيال مستقبل مختلف الأصول. وفي المقابل، يزداد بريق الذهب والفضة وغيرها من المعادن النفيسة، التي يمكن تخزين مئات المليارات، بل وحتى تريليونات الدولارات فيها، دون أن تتمكن الإدارة الأميركية أو رئيسها من الوصول إليها أو تعريضها للخطر.