السودان بين الجوع والمسيّرات: تحذيرات أممية وتصعيد عسكري بلا تسوية
18 يناير 2026
قال المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان،فولكر تورك، صباح اليوم، إن مدنيين في السودان اضطروا، خلال 18 شهرًا من الحصار في بعض المناطق، إلى أكل أعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة، مؤكدًا أن الشعب السوداني عاش فظائع جسيمة تستوجب المحاسبة وعدم السماح بالإفلات من العقاب.
وأضاف تورك أن المحكمة الجنائية الدولية تُجري تحقيقات في الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعيًا إلى توسيع نطاق هذه التحقيقات لتشمل الانتهاكات التي تُرتكب في عموم السودان، ومشددًا على ضرورة مثول جميع المتورطين في تلك الانتهاكات أمام المحكمة الجنائية الدولية.
يأتي ذلك في وقت يشهد السودان تصاعدًا في المعارك بإقليم كردفان، مع تركّزها في محيط مدينة بارا بولاية شمال كردفان، بالتوازي مع مؤشرات إنسانية مقلقة تتعلق بتزايد حركة النزوح واتساع نطاق الاستهدافات، إلى جانب حراك سياسي ورسمي في بورتسودان والخرطوم.
بينما شنّ الجيش السوداني، اليوم، غارات جوية عنيفة على مواقع عسكرية متفرقة في ولايتي شمال وجنوب كردفان. وقالت مصادر عسكرية لـ"الترا سودان" إن الطيران الحربي استهدف مواقع تمركز لقوات الدعم السريع غرب مدينة بارا، ما أسفر عن تدمير عدد من العربات القتالية. مشيراً إلى أن الفترة المقبلة ستشهد عمليات عسكرية واسعة في إقليم كردفان بهدف إعلانه خاليًا من قوات الدعم السريع
وأضافت المصادر أن الجيش رصد تحركات لقوات الدعم السريع كانت تخطط لمهاجمة مواقع عسكرية في غرب بارا، مشيرةً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد عمليات عسكرية واسعة في إقليم كردفان، بهدف إعلان الإقليم خاليًا من قوات الدعم السريع.
حرب المسيّرات تتوسّع في كردفان
وفي تطور ميداني آخر، أفادت المصادر بأن الطيران المسيّر التابع للجيش السوداني استهدف قوة من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في منطقة الفرشاية شمال مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، موضحةً أن تلك القوة كانت تعتزم شن هجوم على مدينة الدلنج.
وفي السياق ذاته، أفاد "الترا سودان" باستمرار الضربات الجوية للجيش على مواقع وتجمعات قوات الدعم السريع في ولايتي شمال وجنوب كردفان، ضمن مسار عمليات يقدّمه الجيش على أنه محاولة لاستعادة زمام المبادرة في الإقليم. ونقلت تقارير إعلامية عربية متزامنة معلومات عن تقدّم ميداني للجيش في محيط بارا، وسط مخاوف متزايدة من امتداد القتال إلى مناطق مدنية قريبة من خطوط الاشتباك.
اضطر مدنيون في السودان، خلال 18 شهرًا من الحصار في بعض المناطق، إلى أكل أعلاف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة
ودارت اشتباكات عنيفة على محاور تربط مدينتي هبيلا والدلنج، تخللها إسقاط طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع أثناء تنفيذ مهام قصف واستطلاع، في مؤشر على تصاعد استخدام المسيّرات في المعارك. وعلى خط موازٍ، نشر "التلفزيون العربي" مواد مصوّرة تُظهر اتساع رقعة الاشتباكات ونزوحًا جماعيًا من مناطق في شمال كردفان، ما يعكس حجم الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري.
وفي الجانب الإنساني، برزت تقارير عن سقوط ضحايا في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع مدنية، بينها سوق في جنوب كردفان، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية استنادًا إلى مصادر طبية، في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع بشأن استهداف المدنيين.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 104 أشخاص، بينهم 43 طفلًا، قُتلوا في هجمات متعددة بطائرات مسيّرة في منطقة كردفان السودانية منذ الرابع من ديسمبر/كانون الأول.
ويرى مراقبون عسكريون أن الحرب في السودان لم تعد مجرد "مواجهات تقليدية"، إذ باتت الطائرات المسيّرة تلعب دورًا محوريًا في حسم العمليات الميدانية والرد السريع على الهجمات المضادة، حتى داخل المدن المأهولة بالسكان. ولم تعد السماء في المدن السودانية مرادفًا للأمان، بعدما تحوّل الفضاء الجوي إلى ساحة صراع متنقلة.
ولم تنجُ مدن عطبرة ودنقلا وسنار وسنجة وكوستي ونيالا والأبيض والدلنج ومروي، ولا مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري، وصولًا إلى بورتسودان، من هجمات الطيران المسيّر خلال العامين الماضيين.
جهود إقليمية لإحياء مسار السلام في السودان
وفي المسار السياسي، نشرت وكالة "أسوشييتد برس" تقريرًا عن استئناف نقاشات سياسية في القاهرة، تخللتها دعوات إلى هدنة إنسانية، وتأكيدات إقليمية على وحدة السودان ورفض شرعنة الكيانات الموازية.
وبحسب التقرير، استؤنفت جهود السلام في السودان بالقاهرة يوم الأربعاء، حيث دعت مصر والأمم المتحدة الأطراف المتحاربة إلى الموافقة على هدنة إنسانية على مستوى البلاد.
وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي: "لا مجال إطلاقاً للاعتراف بأي كيانات موازية أو أي ميليشيات. لا يمكننا بأي حال من الأحوال مساواة مؤسسات الدولة السودانية، بما فيها الجيش السوداني، بأي ميليشيات أخرى"
يأتي ذلك بالتزامن مع صدور قرار بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية.
ويستند القرار إلى ما جرى الاتفاق عليه خلال لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في إطار جهود البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية بحسب ما أفادت به الوكالة الرسمية السودانية "سونا".