العالم وحرب السودان.. تواطؤ أم فشل في إيقافها؟
8 أغسطس 2026
من أطلق الرصاصة الأولى؟ سؤال ظل يجترّه السودانيون طويلًا، وربما حتى الآن، على سبيل الهروب من استحقاقات وقف الحرب والنزوع إلى السلام. ولكن بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، لم يعد ذلك هو السؤال الأساسي، ولا حتى أسبابها، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا هي مستمرة كل هذا الوقت؟ ولماذا عجز المجتمع الدولي، بكل مؤسساته وآلياته ونفوذه، عن فرض مسار جاد يوقف واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم؟
لقد تجاوزت الحرب مرحلة الصراع الداخلي، وأصبحت أزمة إقليمية ودولية معقدة، أنتجت أكبر موجة نزوح في العالم، ودفعت ملايين السودانيين إلى المجاعة، وأدت إلى انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية. ومع ذلك، ظل رد الفعل الدولي يتراوح بين بيانات الإدانة، والمساعدات الإنسانية، وبعض العقوبات المحدودة التي لم تغيّر شيئاً في مسار الحرب.
من خلال هذا الوضع الرمادي، تبرز صورة متناقضة: هل ما يحدث يعكس فشلاً دولياً، أم أن هناك شكلًا من أشكال التواطؤ السياسي غير المعلن مع استمرار الحرب؟
فرضية الفشل
يمكن تفسير المشهد الراهن بأنه نتيجة لفشل النظام الدولي في التعامل مع النزاعات المعقدة. فالحرب السودانية جاءت في وقت يشهد العالم أزمات متزامنة: الحرب في أوكرانيا، والحرب على غزة، والتوترات في البحر الأحمر، والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى أزمات اقتصادية عالمية استنزفت الاهتمام والموارد.
كما أن السودان نفسه لم يكن ضمن أولويات القوى الكبرى، ولم يمتلك الوزن الجيوسياسي الذي يدفع تلك القوى إلى التدخل الحاسم كما حدث في أزمات أخرى.
يُضاف إلى ذلك الانقسام داخل المؤسسات الدولية، وخاصة مجلس الأمن، حيث حالت المصالح المتضاربة بين الدول الكبرى دون إصدار قرارات ملزمة توقف الحرب أو تفرض عقوبات رادعة على الأطراف المتحاربة أو داعميها.
أفرز هذا الواقع جملة من المبادرات، بدأت ثنائية "منبر جدة"، الذي رعته كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة فجر اندلاع الحرب، ثم ثلاثية فرباعية فخماسية، ضمّت كل الأطراف المعنية بأزمة السودان، دون وجود قيادة دولية موحدة أو رؤية سياسية متماسكة. وبدلًا من توحيد الجهود، تحولت المبادرات إلى مسارات متنافسة، منحت أطراف الحرب مزيدًا من الوقت لإعادة ترتيب صفوفها.
يمكن تفسير المشهد بفشل النظام الدولي في إدارة النزاعات المعقدة، إذ تزامنت الحرب في السودان مع أزمات عالمية كبرى استنزفت الاهتمام والموارد
كل ذلك يجعل فرضية الفشل تبدو منطقية، خاصة إذا نظرنا إلى الأداء البيروقراطي للمؤسسات الدولية، وبطء اتخاذ القرار، وتعقيد المشهد السوداني.
رغم وجاهة هذا التفسير، إلا أنه لا يجيب عن جميع الأسئلة. فالمجتمع الدولي لم يكن غائبًا عن السودان، بل كان حاضرًا بصورة مستمرة. كانت لديه معلومات استخباراتية دقيقة، وتقارير يومية من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وصور أقمار صناعية، وتقارير موثقة عن جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة، ومع ذلك لم تتغير السياسات بصورة جوهرية.
الأخطر أن المجتمع الدولي كان يعرف منذ وقت مبكر مصادر تمويل الحرب، ومسارات تهريب الذهب، وشبكات شراء السلاح، والدول والشركات والأفراد الذين يستفيدون اقتصاديًا من استمرار النزاع، إلا أن الإجراءات المتخذة بقيت محدودة وانتقائية. فإذا كانت الموارد الاقتصادية هي الوقود الحقيقي للحرب، فإن استمرار تدفقها يعني عمليًا السماح باستمرار القتال.
التواطؤ السلبي
في السياسة الدولية، لا يكون التواطؤ دائمًا اتفاقًا سريًا أو دعمًا مباشرًا لطرف معين، بل قد يكون الامتناع المتعمد عن اتخاذ إجراءات قادرة على وقف الجريمة. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب السودانية مثالًا واضحًا على ما يمكن تسميته "التواطؤ السلبي".
فالدول الكبرى تملك أدوات ضغط هائلة، تستطيع تجميد الأصول، ووقف شبكات التمويل، وتعطيل تجارة الذهب غير المشروعة، وفرض حظر فعلي على السلاح، ومعاقبة الشركات والوسطاء الذين يزودون أطراف الحرب بالموارد.
لكن معظم هذه الأدوات لم تُستخدم إلا بصورة محدودة، وبعد فوات الأوان، وفي كثير من الأحيان استهدفت أفراداً أكثر مما استهدفت الشبكات الاقتصادية التي تغذي الصراع.
كما أن العقوبات الغربية جاءت متأخرة وانتقائية، ولم تشمل جميع الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة في دعم الحرب أو المستفيدة منها.
وفي الوقت نفسه، استمرت التجارة غير المشروعة، واستمرت عمليات تصدير الذهب، واستمرت عمليات شراء السلاح، بما يؤكد أن الحرب لم تكن لتستمر بهذه الوتيرة لولا وجود اقتصاد حرب عابر للحدود.
من أهم المؤشرات التي تدفع نحو فرضية التواطؤ، المقارنة بين سرعة التحرك الدولي في أزمات أخرى، وبين البطء الشديد في السودان. فعندما تتوافر الإرادة السياسية، يستطيع المجتمع الدولي فرض عقوبات واسعة خلال أيام، وتجميد مليارات الدولارات، وملاحقة شبكات التمويل، وتعبئة مجلس الأمن، وتشكيل تحالفات عسكرية أو سياسية. أما في السودان، فقد بدا أن أرواح الملايين ليست كافية لتحريك الإرادة الدولية بالمستوى نفسه.
هذه الازدواجية لا تعني بالضرورة وجود مؤامرة، لكنها تعكس بوضوح أن قيمة الأزمات في النظام الدولي تُقاس غالباً بحجم المصالح المرتبطة بها، وليس بحجم المأساة الإنسانية.
لا يمكن تجاهل أن الحرب السودانية خلقت مصالح اقتصادية وسياسية لعدد من الفاعلين. فالمعادن، وعلى رأسها الذهب، أصبحت موردًا ماليًا هائلًا، كما أن تجارة السلاح وطرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي، كلها استفادت من استمرار الفوضى.
كذلك وجدت بعض القوى الإقليمية في السودان ساحة لتصفية الحسابات وتعزيز النفوذ، بينما فضّلت بعض القوى الدولية إدارة الأزمة بدلاً من حلها، تجنباً لتحمل تكلفة الانخراط المباشر. وفي مثل هذه البيئات، يصبح استمرار الحرب أقل تكلفة لبعض الأطراف من إنهائها.
لذلك، ربما يكون الوصف الأدق أن العالم انتقل من الفشل إلى التواطؤ العملي. فقد يكون المجتمع الدولي قد عجز بالفعل عن إيقاف الحرب في أشهرها الأولى، لكنه بعد ذلك اختار إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها، والاكتفاء باحتواء آثارها الإنسانية دون معالجة أسبابها الاقتصادية والسياسية.
والنتيجة أن السودان تحوّل إلى واحدة من أكثر الأزمات المنسية في العالم، بينما تستمر آلة الحرب في حصد الأرواح، ويتوسع اقتصاد النزاع، وتتآكل مؤسسات الدولة يوماً بعد يوم. إن التاريخ لن يحاكم فقط من أشعل هذه الحرب، بل سيحاكم أيضًا أولئك الذين امتلكوا القدرة على تقليصها أو وقفها، واكتفوا بالمشاهدة أو بالإجراءات الرمزية. سيحاكم أولئك الذين كان يمكنهم أن يفعلوا شيئًا إيجابيًا، لكنهم اختاروا ألا يفعلوا لحماية مصالح أكبر.