الكبتاغون في قلب الحرب السودانية: مصنع ضخم يكشف اقتصاد الجريمة المنظمة
28 يوليو 2025
في خضم الفوضى العارمة التي تجتاح السودان منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، تتكشف يومًا بعد يوم أبعاد جديدة لما بات يُعرف باقتصاد الحرب، حيث تتداخل شبكات الجريمة المنظمة مع مصالح أطراف الصراع، ويتحوّل العنف إلى غطاء لنشاطات غير مشروعة.
وفي أحدث المؤشرات على هذا التحول الخطير، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في تحقيق ميداني خاص، عن وجود مصنع ضخم لإنتاج حبوب الكبتاغون المخدرة داخل مجمع صناعي مهجور على الضفة الشرقية لنهر النيل شمال العاصمة الخرطوم. ويؤشر هذا الاكتشاف إلى مدى تغلغل اقتصاد المخدرات كأحد روافد تمويل الحرب، ويثير تساؤلات حول الجهات المتورطة في تشغيل المصنع، والبيئة التي سمحت بتحوّل مناطق النزاع إلى بؤر لتصنيع وتوزيع المخدرات.
مصنع في قلب الخراب
زار صحفي من "ميدل إيست آي" الموقع برفقة عناصر من الجيش السوداني، وتمكن من توثيق آثار معمل شبه متكامل لإنتاج الكابتغون، داخل منشأة صناعية مهجورة كانت في السابق مصنعًا للأدوات الصحية.
وقد تحولت هذه المنشأة إلى مركز لتصنيع ملايين الحبوب المخدرة، ورغم أن المكان بدا خاليًا من البشر، فإن ما تُرك فيه من معدات ومخلفات كيميائية يوحي بأنه كان نشطًا حتى وقت قريب.
ضمّ المجمع أجهزة متقدمة لختم الحبوب وتغليفها، إلى جانب أكياس مليئة بمساحيق ومركبات كيميائية تركها القائمون عليه أثناء فرارهم. وبحسب مصدر عسكري رافق الصحفي، فإن الجيش السوداني استعاد السيطرة على الموقع في أيار/مايو الماضي، بعد اشتباكات عنيفة مع قوات الدعم السريع، في إشارة إلى أن هذه الأخيرة كانت تدير المصنع ضمن شبكة أوسع.
ويقع المصنع وسط منطقة مهجورة ومحاطة بحقول ألغام، وكانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. وعلى مدى أشهر، حذّرت القوات السكان من الاقتراب من المجمع المحاط بأسوار عالية، وهو ما بات مفهومًا اليوم بعد اكتشاف الآلات والمعدات الكيميائية التي تقول السلطات السودانية إنها كانت تُستخدم لإنتاج ما يصل إلى ألف حبة كابتغون في الساعة.
الكبتاغون كسلاح ووسيلة تمويل
حبوب الكبتاغون – وهي منبه صناعي رخيص وسهل التصنيع – تُستخدم منذ سنوات في مناطق النزاع بالشرق الأوسط، لما تمنحه من قدرة على التركيز والتحمل البدني، وتأثيرها المنشط والمسبب للنشوة. وبحسب التحقيق، فإن قوات الدعم السريع كانت توزّع هذه الحبوب على مقاتليها لتعزيز التيقظ وكبح الجوع، كما استخدمتها كمصدر للربح من خلال بيعها.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن الكبتاغون استُخدم كذلك كأداة لتجنيد المقاتلين وتحفيزهم نفسيًا على القتال. وقد عثر جنود الجيش السوداني على كميات كبيرة من الحبوب في مناطق الاشتباك، بحوزة مقاتلين أُسروا أو قُتلوا، ويؤكد أحدهم: "بعضهم كان في حالة هلوسة تامة... الأمر لا يقتصر على التجارة، بل يُستخدم كسلاح ضمن استراتيجية الحرب".
وتنقل شهادة أخرى أن أحد الجنود شاهد زميلًا له يذيب ملعقتين من المسحوق الأبيض المضبوط في الماء ويتناوله، فظل مستيقظًا لمدة يومين وهو في حالة من النشاط الحاد والهذيان، ما يشير إلى خطورة المواد المستخدمة.
اقتصاد الحرب وتراجع الدور السوري
يشير التحقيق إلى أن الكبتاغون أصبح مصدرًا ماليًا رئيسيًا لتمويل العمليات القتالية في السودان، سواء من خلال بيعه محليًا أو عبر تهريبه إلى دول الجوار. ويستند التقرير إلى شهادات عسكريين ومطلعين أكدوا أن قوات الدعم السريع تعتمد على عائدات المخدرات – ولا سيما الكابتغون – في شراء الأسلحة ودفع أجور المقاتلين.
وينقل التحقيق عن جندي قوله إن "الدعم السريع تدير شبكة واسعة لتجارة المخدرات، وهم يدركون جيدًا القيمة العالية للكبتاغون في الأسواق الإقليمية، خصوصًا في منطقة الخليج". ورغم غياب تفاصيل مؤكدة حول وجهات التهريب النهائية، فإن موقع المصنع يمنحه منفذًا استراتيجيًا إلى مسارات التهريب عبر الصحراء نحو ليبيا ومصر، أو باتجاه البحر الأحمر.
ويأتي هذا التوسع في السودان في ظل تراجع إنتاج الكبتاغون في سوريا، التي كانت تُعد المركز الأهم لهذه الصناعة، عقب انهيار المنظومة الصناعية المرتبطة بنظام بشار الأسد. ويبدو أن السودان، الغارق بدوره في حرب أهلية، بات البديل الأبرز، بحسب ما يفيد التحقيق.
مؤشرات على تورّط خارجي
عند استعادة الجيش لمصفاة الجيلي في شباط/فبراير الماضي، اكتشف المصنع الذي يضم خمس آلات بينها مكبس لصنع الحبوب وخلاط صناعي، وعُثر على حبوب مختومة بشعار "الهلالين"، وهو الرمز غير الرسمي لصناعة الكابتغون.
ثلاث من هذه الآلات كانت لا تزال مغلّفة بصناديق خشبية، ويُعتقد أنها لم تُستخدم بعد. وتشير ملصقات الشحن إلى أنها أُرسلت عبر شركة شحن مقرها دبي تُدعى "Amass Middle East Shipping Services"، إلا أن تتبّع رقم الشحنة لم يُظهر أي نتائج. الشركة لم ترد على طلبات التعليق، كما تجاهلت قوات الدعم السريع الاستفسارات.
ورغم أن التحقيق لم يقدم دليلًا مباشرًا على تورط جهات خارجية، فإن التركيب الكيميائي للحبوب يُشبه إلى حد كبير تلك التي تُنتج في سوريا ولبنان، حيث ترتبط تجارة الكبتغاون بميليشيات مسلحة وجهات عسكرية تابعة للنظام السوري. ويفتح هذا التشابه باب التساؤلات حول تعاون محتمل بين جهات سودانية وشبكات تصنيع مخدرات إقليمية، أو على الأقل استنساخ نموذج سوري في بيئة أمنية منهارة.
مواد أولية من سوريا ومنشأ غامض
عُثر داخل المجمع على كميات كبيرة من مسحوق أبيض، بعضها معبّأ في أكياس تحمل أسماء مثل"PropioTech" و"Technomix Plus"، مروّجة على أنها مكملات غذائية للحيوانات ومكتوب عليها "غير مخصصة للاستهلاك البشري". وتشير التحليلات إلى أن هذه المواد منتَجة في سوريا.
لكن محاولات التحقق من أسماء هذه العلامات التجارية أو الموزعة المسماة "Hi Pharm" لم تُفلح، إذ لا تظهر في السجلات السورية الرسمية. وتدل العناوين المسجلة على حي برزة بدمشق، وهو قريب من "مركز البحوث العلمية" المعروف بأنشطته المرتبطة بالتصنيع الكيميائي.
"هذا هو أسلوب معامل الكبتاغون السورية"
أكدت الباحثة كارولين روز، من معهد "نيو لاينز" الأميركي، أن المعدات والمواد الظاهرة في الصور تُشبه إلى حد كبير تلك المستخدمة في معامل الكبتغاون السورية التي كُشف عنها في العام الماضي. وقالت إن هذه الشبكات لا تلتزم بأي معايير طبية، بل تركز على الإنتاج الكمي بغض النظر عن المخاطر.
وأوضحت أن المساحيق قد تكون مواد أولية مغشوشة تُخفى داخل عبوات تحمل ملصقات تشير إلى أنها "مكملات بيطرية"، بغرض التمويه، مشيرة إلى أن كل ما يهم هذه الشبكات هو سحق المكونات وتحويلها إلى أقراص، وهو ما يبدو أنه كان يحدث داخل المصنع السوداني.
شبكة تهريب أم بديل للأسواق؟
بحسب اللواء جلال الدين حمزة من شرطة مكافحة المخدرات، فإن تعاطي الكبتاغون لم يكن واسع الانتشار في السودان قبل الحرب، لكنه تضاعف بشكل "عنيف" منذ اندلاع القتال. وأكد أن مصنع الجيلي هو الأكبر الذي تم العثور عليه منذ بداية النزاع، ويُعتقد أنه جزء من شبكة أوسع.
ولفت التحقيق إلى وجود حفرة ضخمة في أرض المجمع، لم تكن موجودة في صور الأقمار الصناعية قبل الحرب، ويُعتقد أنها كانت مُعدة لتخزين آلاف الحبوب.
ورغم رفض الشرطة الإفصاح عمّا إذا كانت الحبوب مخصصة للتصدير، فإن انهيار السوق السوري خلّف فراغًا قد يسعى السودان لملئه.
الخبرات التقنية لا تزال حاضرة
في تقرير آخر أصدره معهد "نيو لاينز"، تم التأكيد على أن تفكيك معامل الكبتاغون في سوريا لم يترافق مع اعتقالات فعلية للمنتجين أو الموزعين أو المهربين، ما يعني أن الخبرات التقنية لا تزال حاضرة وتنتقل إلى بلدان أخرى.
وتقول روز إن معامل الكبتاغون يتم اكتشافها في السودان منذ 2022، في حين لا يتم العثور على مثيلاتها في الدول المجاورة، مما يعزز فرضية أن هناك علاقة مباشرة بين شبكات تهريب سورية وعناصر داخل السودان.