المتحف المصري الكبير: بوابة الخلود من قلب الحضارة
8 أغسطس 2025
أعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بشكل رسمي، افتتاح المتحف المصري الكبير، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وذلك بعد تأجيل الموعد الذي كان مقررًا له في الثالث من تموز/يوليو الماضي بسبب التطورات الجيوسياسية في المنطقة، مع توجيه الوزارات والجهات ذات الصلة باستكمال الترتيبات وظهور الحدث بالصورة المشرفة.
ووجه رئيس الحكومة المصرية باستكمال الترتيبات التي تُجرى على قدم وساق، لضمان الجاهزية التامة لافتتاح المتحف المصري الكبير، والمنطقة المحيطة به، على النحو الذي يُسهم في ظهور حدث افتتاح المتحف بالصورة المشرفة، مؤكدًا أن الافتتاح يتم الإعداد له ليكون حدثًا استثنائيًا يُضاف إلى مسيرة حافلة من الأحداث الوطنية المميزة التي ارتبطت بتاريخ مصر الحديث.
ومن المقرر أن يشهد حفل الافتتاح حضورًا رسميًا مميزًا من العديد من بلدان العالم، كما يتضمن تنظيم عدد من الفعاليات المُصاحبة، حيث يُمثل المتحف المصري الكبير صرحًا حضاريًا وثقافيًا وسياحيًا عالميًا يُبرز عظمة إرث الحضارة المصرية، بمختلف فصولها، ويجذب الزوار من جميع أنحاء العالم.
من المقرر أن يشهد حفل الافتتاح حضورًا رسميًا مميزًا من العديد من بلدان العالم
من أرض «منف»، العاصمة الأولى لمصر منذ خمسة آلاف عام، يشرق نور جديد من نفس البقعة التي طالما أضاءت وجه الحضارة الإنسانية. أمام الهرم الأعظم، "هرم خوفو"، أحد أعظم عجائب الدنيا السبع القديمة، يكتب المصريون اليوم فصلًا جديدًا في كتاب مجدهم الحضاري، حيث تُبنى أياديهم الصلبة أعظم صرح ثقافي في القرن الحادي والعشرين (المتحف المصري الكبير).
ليس مجرد متحف، بل هو مشروع حضاري عالمي يُعيد تقديم حضارة مصر للعالم في قالب عصري، مزج فيه الفكر بالخيال، والتاريخ بالمستقبل، على مساحة 500 ألف متر مربع، على بُعد كيلومترات قليلة من أهرامات الجيزة، ليكون بذلك نقطة التقاء الماضي العريق بالحاضر المتطور، وبوابة تراثية وسياحية نحو المستقبل.
من فكرة إلى واقع
جاءت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير في تسعينيات القرن الماضي، حينما طرح الفنان والوزير الأسبق فاروق حسني مشروعًا يختلف عن أي متحف تقليدي، فتصوره كان متحفًا مفتوحًا يضم ليس فقط مبنى العرض، بل أيضًا المنطقة التاريخية المحيطة به من الأهرامات إلى المعابد والمقابر، مما جعله مشروعًا ضخمًا يتطلب تخطيطًا شاملًا ودعمًا هائلًا.
وفي عام 2002، وُضع حجر الأساس للمتحف بحضور الرئيس الراحل حسني مبارك، لتبدأ أعمال التجهيز وإزالة العوائق الطبيعية، التي امتدت حتى 2005. ثم تتابعت مراحل التنفيذ، ورغم تعثرات عديدة بعد أحداث 2011، عادت عجلة العمل تدور بقوة بعد عام 2014 بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أولى المشروع اهتمامًا كبيرًا، وعمل على استكماله ليصبح أكبر متحف أثري على وجه الأرض.
الموقع والتصميم
يقع المتحف على هضبة بين الأهرامات والقاهرة الحديثة، على بُعد 2 كم فقط من أهرامات الجيزة، مما يمنحه ميزة استراتيجية، حيث يربط بين قلب العاصمة ومهد الحضارة القديمة. وقد أُضيفت مساحة نادي الرماية التابعة للقوات المسلحة (180 فدانًا) إلى نطاق المتحف، بالإضافة إلى تطوير الطريق المؤدي إلى هضبة الأهرامات ليصبح 9 حارات في كل اتجاه، وممشى سياحي بطول 12 كم، وهو الأكبر في العالم، لربط المتحف بمنطقة الأهرامات.
أُعيد تصميم هذه المنطقة بالكامل لتشكيل ما يشبه "المخروط الذهبي" على مساحة إجمالية تقارب 3750 فدانًا، تضم المتحف وهضبة الأهرامات والمناطق الخدمية والترفيهية المحيطة، لتشكل مركزًا ثقافيًا وسياحيًا متكاملًا يعزز من بقاء السائح لعدة أيام.
ومر تنفيذ المتحف بعدة مراحل رئيسية، بدأت بإنشاء مركز ترميم الآثار في 2006، الذي أصبح الأكبر في الشرق الأوسط، ثم جاءت فترات تباطؤ بعد 2011، حتى عاد الزخم الكامل للمشروع بعد 2014، ثم اكتمل الهيكل الخرساني والمعدني بنسبة 100% في عام 2017 مع تسجيل 82 ألف قطعة أثرية على قواعد البيانات.
ومع بدايات عام 2020 تجاوزت نسبة الإنجاز في الإنشاءات 98%، وتم ترميم أكثر من 52 ألف قطعة أثرية، وفي العام التالي مباشرة اكتملت البنية التحتية الرقمية بنسبة 90%، وبدأ تنفيذ سيناريو عرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون البالغ عددها أكثر من 5000 قطعة على مساحة 7500 متر.
وخلال عامي 2022/2023 وصلت نسبة الإنجاز في قاعات توت عنخ آمون إلى أكثر من 99%، وتم تثبيت قرابة 4700 قطعة داخلها، كما اكتملت أعمال تشطيب القاعات الرئيسية ومتحف الطفل وميدان المسلة والحدائق المحيطة، بالإضافة إلى أنظمة التذاكر والتأمين والمراقبة.
تحفة فنية رائعة
يبدأ الزائر رحلته عبر ميدان المسلة على مساحة 27 ألف متر مربع، حيث يستقبله "حائط الأهرامات" المبهر بارتفاع 45 مترًا وعرض 600 متر. ومن هناك، يدخل إلى البهو الرئيسي الذي يربط جناحين: جناح المتحف على اليسار بمساحة تقارب 93 ألف متر مربع، وجناح المؤتمرات على اليمين بمساحة 40.600 متر مربع. في بهو المدخل، يقف تمثال الملك رمسيس الثاني شامخًا ليُرحّب بالزوار.
يتكون المتحف من مكونات عدة، بداية من الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة 6 آلاف متر مربع ويضم 87 قطعة أثرية ضخمة، ثم قاعة توت عنخ آمون، التي تُعرض لأول مرة محتويات المجموعة كاملة في مساحة 7500 متر مربع، وعدد من قاعات العرض الأخرى، بعضها دائم على مساحة 18 ألف متر مربع، مخصصة لتاريخ مصر القديم، وبعضها مؤقت على مساحة 5 آلاف متر مربع، مخصصة للمعارض المتغيرة، هذا بجانب متحف الطفل، فصول الحرف والفنون، قاعات مخصصة لذوي القدرات الخاصة، ومخازن أثرية ومكتبات متخصصة.
يبدأ الزائر رحلته عبر ميدان المسلة على مساحة 27 ألف متر مربع، حيث يستقبله "حائط الأهرامات" المبهر بارتفاع 45 مترًا وعرض 600 متر
أما مركز المؤتمرات الخاص بالمتحف فيضم قاعة متعددة الاستخدامات تستوعب 900 فرد، قاعة عرض ثلاثي الأبعاد بسعة 500 فرد، مركز ثقافي يضم فصول تعليمية وقاعات محاضرات، علاوة على ساحة طعام مركزية تضم 8 مطاعم ومساحات تجارية وممشى تجاري حديث.
ويحتضن هذا البناء على عشرات الالاف من الكنوز الأثرية التي تعود في أغلبها للعصر الفرعوني، حيث نٌقل إليه أكثر من 51 ألف قطعة أثرية، كما أُعيد ترميم قرابة 50 ألف قطعة أخرى، هذا بجانب مجموعة توت عنخ آمون الكاملة التي تضم 5340 قطعة نُقلت إلى قاعته المخصصة، فيما تم تثبيت 42 قطعة على الدرج العظيم، ضمن التصميم النهائي الذي يشمل 72 قطعة.
يحيط بالمتحف مجموعة واسعة من الساحات والحدائق والمرافق الخدمية، من أبرزها، متحف مركب الشمس بمساحة 4 آلاف متر مربع، مطاعم تطل على الأهرامات وحدائق متنوعة مستوحاة من البيئة المصرية القديمة، حديقة أرض مصر التي تعرض محاكاة للبيئة الزراعية القديمة، الحديقة الترفيهية وحديقة الطفل، ومسارات مخصصة للمشي ومناطق جلوس، المدرج البانورامي المطل على الأهرامات، ومنطقة الكثبان الرملية، إضافة إلى موقف سيارات يسع آلاف الزائرين بمساحة 30 ألف متر مربع.
يعتبر كثير من الخبراء أن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى أو تجميع للقطع الأثرية، بل هو مشروع وطني عالمي يعيد تأكيد مكانة مصر كمهد للحضارة الإنسانية. يهدف المشروع إلى إطالة مدة إقامة السائح وتقديم تجربة متكاملة تجمع بين الثقافة، التعليم، الترفيه، والتفاعل الحي مع التاريخ.