ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

المكان الأكثر عُزلة في العالم.. ماذا نعرف عن بحر الجليد مصدر إلهام قصة فرانكنشتاين؟

26 نوفمبر 2025
p0mf4jyt.jpg.jpg
بحر الجليد عام 1823 (Samuel Birmann)
محمد سيد محمد سيد

هذه المقالة هي ترجمة لمقالة 'The most desolate place in the world': The sea of ice that inspired Frankenstein المنشورة على منصّة BBC بواسطة ريتشارد فيشر
______________________________

إنها طبقة الجليد الفرنسية التي كانت إلهامًا لعدد لا يُحصى من الأعمال الفنية خلال المائتي عام الماضية، من ضمن هذه الأعمال "فرانكنشتاين" لماري شيللي.
تكشف لنا اللوحات، الصور الفوتوغرافية والاقمار الصناعية الحديثة، كيف تغيّر هذا الموقع بشكلٍ كبير منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها ماري شيللي. ففي القرن التاسع عشر، وفوق بلدة شاموني في جبال الألب الفرنسية، يوجد منظر خلاب يُدعى بحر الجليد، والذي أثار الإعجاب والخوف في آنٍ واحد لدى كل من رآه. وأولئك الذين تسلقوا الجبل لرؤيته واجهوا مساحة جليدية شاسعة قاحلة من اللون الأبيض والأزرق الداكن والأزرق المائي. ووصف الزوار المشهد كأن سيلًا من الأمواج والأعاصير قد تجمدت وتوقف بها الزمن. صقيع يمتد بلا نهاية في الجبال. 

نعرف أن العديد من الفنانين في ذلك الوقت قد رسموا بحر الجليد هذا، ولكن واحدة من أكثر الصور المثيرة كانت صورة فوتوغرافية (داغيريوتية) daguerreotype ، (نوع من الفوتوغرافيا المُبكرة اخترعها لويس داغر في فرنسا 1839) التقطها الكاتب جون روسكين عام 1950، وهي الموضحة أعلاه. 
كان هذا هو بحر جليد Mer de Glace؛ كتلة من الثلج المتراكم ينزلق نزولًا من قمة جبل مونت بلانك، ولقرون عديدة كانت هي أكبر طبقة جليد في فرنسا، وإحدى طبقات الجليد الأولى التي تمت دراستها علميًا. ولكن للأسف انكمشت طبقة الجليد هذه بشكل كبير منذ ذلك العصر، أكثر من 2.5 كيلو مترًا بما يعادل 1.6من الأميال منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكما اكتشف خلال زيارة حديثة، أنها بالكاد يُمكن رؤيتها من نفس النقطة التي التقطت منها صورة روسكين. 

الذوبان متسارع ويتوقع العلماء بحلول عام 2050 أن تتراجع طبقة الجليد بنحو 2 كيلومترًا أو 1.2 ميلًا أكثر، حتى مع الاهتمام بخفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري. وذلك بعكس العديد من الطبقات الجليدية التي تتقلص مساحتها حول العالم والتي نتتبعها بواسطة الاستشعار عن بعد او القياسات الأرضية، فبحر الجليد هذا مختلف لأن تغيراته موثقة من خلال اللوحات والفوتوغرافيا والأدب. 

عبر العصور، شعر العديد من الكتاب والفنانين بالرهبة والذهول عند رؤيته، ومن بين أكثرهم شهرة كانت الشابة ماري شيل. في العام 1816 كانت الكاتبة المعروفة لم تنشر روايتها "فرانكنشتاين" بَعد، وهو ما ستصفه لاحقا بـ "ابنها المشوّه" والذي تم اقتباسه مؤخرًا في فيلم من إخراج جوليرمو دل تورو. لكن رحلتها لبحر الجليد أثبتت لاحقًا مدى تأثيرها الكبير، حيث ألهمتها بموقع المواجهة بين فيكتور فرانكنشتاين وبين الوحش الذي صنعه. 
وعن طريق مقارنة رؤية ماري ومن عاصرها من خلال الأوصاف واللوحات والصور الفوتوغرافية عبر السنوات، يمكن ملاحظة كيف تحوّرت طبقة الجليد المذهلة هذه.

في القرن التاسع عشر، كان بحر الجليد Mer de Glace كبيرًا جدًا لدرجة أنه امتد حتى مستوطنات في وادي شاموني Chamonix أدناه، كما نرى في هذ اللوحة من عشرينيات القرن التاسع عشر.

في هذه الفترة كان القيام بجولة سياحية كبرى خلال أوروبا شائعًا كموضة، مما يعني أن العديد من الفنانين والكتّاب مروا عبر جبال الألب في طريقهم لإيطاليا. 

بعد زيارة تشارلز ديكنز في عام 1847، كتب عن: كيف أن الطبقة الجليدية والمعالم الأخرى في شاموني كانت "تتجاوز أكثر تخيلات المرء جموحًا، لا أستطيع تخيل أي شيء في الطبيعة أكثر روعة، ولو كتبت عن ذلك الآن، سيجمح بي الخيال لدرجة الجنون، فمثل هذه الانطباعات المذهلة تنتشر داخلي". 
وهنا نرى كيف رسم الفنان جوزيف ويليام تورنر بحر الجليد Med de Glace في عام 1802. 

وفي عام 1826، فنان سويسري رسم هذا المشهد من نفس البقعة في صورة روسكين، وهو ينظر للجنوب الشرقي من فندق Reuge du Montenvers .
عندما زارت ماري شيللي ذات الثامنة عشرة من عمرها وقتها - أو وولستونكرافت غودوين - بحر الجليد، أثار لديها انطباعًا عميقًا. 

في العام 1916 أو ما أطلق عليه (العام بدون الصيف)، تسلقت ماري لأعلى الطبقة الجليدية مع أختها غير الشقيقة كلير كليرمونت والشاعر بيرسي شيلي الذي سيصبح زوجها مستقبلًا. انطلق الثلاثي على ظهور أحصنة، ثم اجتازوا طريقًا دهليزيًا مُحاطًا بأشجار الصنوبر وفجوات في الثلج، وعند نقطة معينة انزلق أحد الأحصنة وكادوا أن يسقطوا جميعًا في الوادي. ومع صعودهم للأعلى، تغيّر المشهد ليصبح أكثر قحولة، حتى وصلوا إلى "مونتينفير"، حيث استطاعوا السير على الجليد. 

كتبت ماري: "إنه أكثر مكان قحل ومنعزل في العالم، تحيطه جبال جليدية، ولا أثر لأي نباتات خضراء باستثناء المكان الذي ننظر منه للمشهد". إنه مشقوق بأخاديد غير منتظمة ذات جوانب من الجليد تظهر بلون أزرق بينما السطح نفسه بلون أبيض غير ناصع". 

أما رفيقها بيرسي فكان مذهولًا بنفس الدرجة، ولاحقا تذكر: "مشهد حقيقي يدعو للدهشة والذهول"، وكان وصفه للطبقة الجليدية متطابقًا مع سبب تسميتها بالبحر، حيث كتب:

"يمتلئ الوادي بكتلة من الجليد المتموج"، و" يبدو كما لو أن الصقيع فجأة قد جمّد الأمواج والدوامات من سيل هائل، وتلك الأمواج قد ارتفعت لحوالي 12 أو 15 قدمًا (4 أو 5 مترًا) من سطح هذه الكتلة، وتقطعها فراغات طويلة لعمق لا نهائي، أما الجليد في جوانبها فهو أكثر زرقة وجمالًا من السماء ".
لاحقًا ألهمت هذه الرحلة الكتابة الأدبية للزوجين، فبالنسبة لبيرسي ألهمته طبيعة جبال الألب ليكتب قصيدته الشهيرة "مونت بلانك" (1816)، وبالنسبة لماري شيلي، ففي مشهد شهير من رواية فرانكنشتاين نجدها تضع شخصياتها على سطح بحر الجليد. 

ففي الفصل العاشر من طبعة عام 1818 للرواية، يقوم فيكتور فرانكنشتاين بزيارة لشاموني بحثًا عن العزاء، مصدومًا بالذنب بعد قتل المخلوق الذي صنعه لشقيقه - بالإضافة للإعدام غير العادل للفتاة المتهمة زورا - يتسلق العالم لقمة بحر الجليد Mer de Glace، آملًا في أن تنجح رهبة وقسوة الطبيعة في خلاصه من آلامه. وخلال تسلقه لبحر الجليد يصفه فيكتور بقوله: "مرتفع كما لو أنه أمواج من بحر هادر متلاطم، ينخفض متقطعًا بشقوق عميقة"، ومع ذلك في اللحظة التالية، تنتهي لحظات عزائه عندما يرى الوحش يقترب منه خلال الجليد ليواجهه. 

في صيف 2023، قمت بزيارة لبحر الجليد  Mer de Glace، أثناء مشروع بحثي عن الزوجين شيلي لإنجاز مشروع كتابة، أملًا مني لرؤية هذه الطبقة الجليدية بنفسي. وصلت شاموني عند منتصف الظهيرة، متأخرًا جدًا لحجز تذكرة للقطار الذي يقل السياح الآن، لذا اجتزت الطريق المنحدر بدلًا من ذلك، صعودًا خلال وادٍ مشجر حيث تتدفق المياه الثلجية نازلة من القمم الجليدية. وبعد ساعتان، وصلت إلى مونتنفير، حيث تناولت عائلة شيلي الغداء وحيث التقط مساعد روسكين صورته الداغيريوتية، ونظرت إلى الوادي في أمل لرؤية لمحة من الصقيع اللامتناهي، ولكن للأسف لم يعد هناك بحر من الجليد، في المقابل كان كل ما رأيته فراغًا. كنت أعلم مسبقًا أن الجليد قد تراجع نتيجة للاحتباس الحراري، ولكنها كانت صدمة لي عند اكتشافي مدى التراجع في الواقع. الوادي الذي كان يحوي محيطًا هائلًا من الجليد المشقوق قد أصبح الآن عاريًا، باستثناء ركام متفتت والمياه الثلجية المتدفقة. الطبقة الجليدية مازالت هناك ولكنها تقريبًا اختفت تمامًا من المشهد خلف منحنى الجبل على بُعد النظر. 

لاحقًا، حاولت في عقلي تجميع كيفية تقلص الجليد باستخدام صور التقطت من نفس موقع مونتينفير، فقبل مئة عام فقط، كان لايزال هنا بحرًا جليديًا، هكذا كان يبدو في العام 1926، مع ذلك، وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كان الجليد قد انكمش كثيرًا في الوادي، مع شقوق أقل وغطاء من الركام المتفتت، في عام 2002، بدأ تراجع الجليد في التسارع، هكذا كان شكل الطبقة الجليدية في 2014. 

في العام 2018، أنشأت الفنانة إيما ستيبون الطباعة الفوتوغرافية cyanotype التالية، فبعد رؤيتها لصورة (روسكين )، أرادت إيما أن تنتج صورة تعكس نفس الأسلوب، لتحدد مدى تغير الطبقة الجليدية منذ ذلك الوقت. وقد ساهمت أيضًا في برنامج وثائقي إذاعي، بهدف أن ترسم بعضًا من نفس المناظر الطبيعية التي رسمها تورنر عند زيارته للمكان. وأخيرًا، هكذا ظهر المكان عند زيارتي له في ضيف 2023، بعد فصل صيف حار جدًا في 2022، تسبب في تقلص كبير لمساحات من الجليد في جبال الألب. 

أما اليوم، فقد تراجعت مساحة الجليد كثيرًا لدرجة أنك ستكون بحاجة لأخذ سيارة كابل موديل 2024 وتقودها نزولًا لأسفل الوادي إذا أردت رؤية الطبقة الجليدية عن قرب.

كان الباحثون قد صمموا نموذجًا متوقعًا لمساحة الجليد خلال القرن المُقبل، فمع التغير المناخي المتسبب في فصول صيف شديدة الحرارة، يتوقعون أنه سيتراجع بحوالي 2 كيلومترات أكثر (102 ميلًا) بحلول 2050، حتى مع الإجراءات الصارمة لتخفيض الانبعاثات الحرارية، وهي تقريبًا نفس المسافة التي تقلصها الجليد في الفترة بين زيارة ماري شيلي في القرن 19 وبداية القرن 21.

في أسوأ السيناريوهات المحتملة، سيختفي بحر الجليد بالكامل بحلول 2099، ولكن لحسن الحظ أن مسار الانبعاثات الحرارية غير مرجح الآن. 

عندما وصل فرانكنشتاين لبحر الجليد Mer de Glace في رواية ماري شيلي، يندب المخلوق الذي صنعه، وصف مشهدًا مذهلًا ستختبره الكاتبة بنفسها في عام 1816:

"البحر، أو بالأحرى النهر الهائل من الثلج، يلتف بين الجبال المحيطة، والتي تطل قممها العالية فوق خلواته". قممها الثلجية اللامعة تتلألأ في ضوء الشمس الساطع فوق الغيم، وقلبي الذي كان في السابق مليئًا بالحُزن والحسرة، الآن يبدو غامرًا بشيء مثل البهجة ".

كلمات مفتاحية
القراءة إحدى الطرق التي يجرّب بها العقل واقعًا آخر (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ماذا يحدث في أدمغتنا حين نقرأ رواية؟

ليست القراءة مجرد تمرير عيون على كلمات. إنها عملية معقدة يشترك فيها أكثر من نظام في الدماغ في آنٍ واحد

قلعة دمشق

من درع السلاطين إلى مسرح السرد.. كيف تحولت قلعة دمشق إلى شخصية روائية؟

لقد نجح الروائيون في تحويل قلعة دمشق من مجرد معمار تاريخي أثري تنظمه كتب السياحة، إلى شخصية روائية قائمة بذاتها

صراع العروش وكاتبه

30 عامًا على "صراع العروش".. الحكاية التي لم تنتهِ

بعد ثلاثين عامًا من "لعبة العروش"، لم يعد السؤال متى تصدر "رياح الشتاء" فقط، بل ماذا يحدث لحكاية تكبر مع مؤلفها وقرائها من دون أن تنتهي

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة