المناهج الدراسية في إيطاليا.. صراع على الذاكرة الفكرية
13 يونيو 2026
أثارت التعديلات المقترحة على المناهج الدراسية في إيطاليا جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، إذ اعتُبرت محاولة لإعادة صياغة الإطار الفكري للمقررات، وسط اتهامات للحكومة اليمينية بالسعي إلى ترسيخ "هيمنة ثقافية جديدة".
وانتقل النقاش من كونه ملفًا تربويًا تقنيًا إلى ساحة صراع سياسي–ثقافي مفتوح، يعكس توترًا أعمق حول الهوية الفكرية للدولة وحدود تدخل السياسة في تشكيل الوعي المدرسي. فلم تعد المسألة تتعلق بتعديل في قوائم الفلاسفة، بل بإعادة تعريف ما يُعتبر معرفة أساسية وما يُهمّش داخل المنهج.
صراع الذاكرة الفكرية
يتصاعد الجدل حول المناهج في إيطاليا ليأخذ شكل معركة رمزية حول تعريف المعرفة داخل المدرسة. وبينما تُقدَّم التعديلات في إطار إصلاحي يهدف إلى "تحديث" المحتوى التعليمي، يرى أكاديميون وفاعلون ثقافيون أنها تعكس إعادة توجيه البوصلة الفكرية نحو سردية أكثر محافظة، عبر إعادة ضبط غير معلنة للمرجعيات التي تحدد المحتوى الدراسي.
ويتركز النقاش خصوصًا حول تقليص حضور أسماء مركزية في تاريخ الفكر الحديث، مثل كارل ماركس وباروخ سبينوزا وسورين كيركغور وأرتور شوبنهاور وأنطونيو غرامشي. وبالنسبة لمنتقدي هذا التوجه، لا يتعلق الأمر بتعديل دراسي، بل بإعادة تعريف مركز الثقل داخل سردية تاريخ الأفكار، بما ينعكس على حدود التفكير النقدي داخل الفضاء التربوي.
يتصاعد الجدل حول المناهج في إيطاليا ليأخذ شكل معركة رمزية حول تعريف المعرفة داخل المدرسة
ويرى معارضو هذه التعديلات أن الإشكال لا يتعلق باختيار النصوص أو المفكرين بحد ذاته، بل بالطريقة التي يُعاد بها سرد تاريخ الفكر الأوروبي داخل المدرسة. فإعادة ترتيب المرجعيات الفلسفية، بحسبهم، تعكس تصورًا للتاريخ يميل إلى التيارات الأقل صدامًا مع البنى التقليدية للدولة والمجتمع، مع تقليص حضور المقاربات النقدية التي جعلت من السلطة والطبقة والمعرفة موضوعًا للمساءلة.
في هذا السياق، يعتبر عدد من أساتذة الفلسفة أن جوهر الأزمة لا يكمن في "الحذف"، بل في إعادة تشكيل البنية التي ينظم بها المنهج علاقته بتاريخ الأفكار. فالمناهج، في نظرهم، ليست قائمة محايدة، بل نظام تصنيف رمزي يحدد ما يُقدَّم بوصفه معرفة مركزية وما يُترك في الهامش، بما ينعكس مباشرة على إدراك الطلاب لمسار الفلسفة الحديثة.
إعادة رسم سردية التاريخ
لا يتوقف الجدل عند الفلسفة، بل يمتد إلى طريقة تدريس التاريخ، حيث يرى نقّاد التعديلات أنها تميل إلى تعزيز قراءة تُركز على البعد السياسي والعسكري على حساب التاريخ الاجتماعي، بما في ذلك حركات العمال والنقابات والنضالات النسوية.
وبحسب هؤلاء، لا يتعلق الأمر بتوازن بيداغوجي، بل بإعادة تعريف ما يُعد معرفة تاريخية شرعية داخل المدرسة، وما يُستبعد من نطاقها، بما ينعكس على تمثيل الذاكرة الجماعية وحدود السرد التاريخي.
ويحذر أكاديميون من أن هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة ترتيب "هرمية المعرفة" داخل المنهج، بحيث يُعاد تحديد مركز الثقل في فهم الحداثة الأوروبية، بينما تُدفع مقاربات كاملة إلى الهامش، في اتجاه يجعل المناهج أقرب إلى إنتاج سردية موحّدة للتاريخ بدل تعدديته.
"تسييس المناهج"
أثارت مقترحات تعديل مناهج الفلسفة والتاريخ في إيطاليا موجة اعتراض أكاديمية، تجسدت في عريضة مفتوحة وقّعها نحو ستين أستاذًا وفيلسوفًا من جامعات إيطالية وأوروبية، من بينهم الفيلسوف الإيطالي ماورو تسارالي (Mauro Cesarale)، الذي اعتبر أن التعديلات تحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز الإطار البيداغوجي، عبر إعادة توجيه أدوات التفكير النقدي. وقد تجاوزت العريضة لاحقًا 14 ألف توقيع من أكاديميين وباحثين وطلبة، في مؤشر على انتقال النقاش من ملف تعليمي إلى سؤال أوسع حول استقلالية إنتاج المعرفة.
وتشير العريضة إلى أن التعديلات لا تقتصر على إعادة تنظيم المحتوى، بل تمس ما يُعرف بـ"الكانون الفلسفي" الذي يؤطر تدريس تاريخ الأفكار في أوروبا، عبر تقليص حضور مفكرين مركزيين مثل كارل ماركس وأنطونيو غرامشي وغيرهما من رموز الفكر النقدي، بما يعيد رسم الحدود بين ما يُعد معرفة تأسيسية وما يُهمّش داخل التعليم.
ويذهب عدد من الأكاديميين إلى أن تقليص حضور ماركس لا يعني مجرد حذف اسم، بل تقليص إطار تحليلي لفهم الاقتصاد السياسي وبنية الرأسمالية الحديثة. كما أن تهميش غرامشي، صاحب مفهوم "الهيمنة الثقافية"، يُنظر إليه كإضعاف لأداة تفسيرية مركزية في تحليل آليات إنتاج القبول داخل المؤسسات الاجتماعية والثقافية، ما يجعل التحول أقرب إلى إعادة تشكيل أدوات التفكير منه إلى تعديل محتوى دراسي.
وقد صاغ غرامشي مفهوم "الهيمنة الثقافية" في مذكراته داخل السجن، معتبرًا أن السلطة لا تُمارس فقط عبر السياسة والاقتصاد، بل أيضًا عبر المؤسسات التربوية والثقافية التي تعيد إنتاج القيم السائدة داخل المجتمع.
وتحذر أصوات أكاديمية من أن تراجع هذا الحضور النقدي قد يؤدي إلى إعادة صياغة سردية الحداثة الأوروبية نحو مسار أكثر خطية وتجانسًا مع البنى القائمة، بما يحدّ من مساحة الأسئلة المؤسسة للفكر النقدي الحديث.
إرث الفاشية الثقافي
في قلب هذا الجدل، تبرز مقترحات حكومية تعيد الاعتبار إلى التراث الفلسفي المثالي الإيطالي، مع التركيز على بينيديتو كروتشي وجوفاني جينتيلي. ويُعد جينتيلي شخصية إشكالية، ليس فقط كفيلسوف بل كوزير للتعليم في حكومة بينيتو موسوليني، ومهندس إصلاح 1923 الذي أسس لنظام تعليمي نخبوي قائم على الإنسانيات الكلاسيكية.
هذا الإصلاح، المعروف بـ"إصلاح جنتيلي"، كان يهدف إلى إعداد نخبة قيادية عبر التعليم الكلاسيكي، كما شارك جينتيلي لاحقًا في صياغة "عقيدة الفاشية" عام 1932، ما يضيف حساسية خاصة لأي إعادة إدماج لإرثه داخل النقاش التعليمي المعاصر.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزير الثقافة في الحكومة الإيطالية، أليساندرو جولي، الصحفي السابق والناشط المحسوب على التيار اليميني المتطرف، الذي يحاول إعادة توظيف مفاهيم الفكر النقدي لخدمة رؤية أيديولوجية مغايرة. فقد ألّف كتابًا بعنوان "غرامشي لا يزال حيًا"، يقدّم فيه قراءة تنتزع مفهوم "الهيمنة الثقافية" من سياقه الأصلي، ليعيد صياغته بوصفه أداة تفسير، بل ومواجهة، لما يصفه بهيمنة التيارات التقدمية داخل المجال الثقافي الأوروبي. وبهذا، لا يكتفي جولي بإعادة قراءة غرامشي، بل يسعى إلى قلب معادلته، عبر تحويل مفهوم نقدي تأسس لفهم السلطة، إلى خطاب سياسي يبرّر إعادة توزيعها وفق رؤية يمينية واضحة.
"الهيمنة الثقافية الجديدة" في إيطاليا
في لحظة سياسية تتصدر فيها حكومة جورجيا ميلوني المشهد بخطاب يضع الهوية الوطنية والقيم المحافظة في صلب مشروعها السياسي، يرى خصومها أن هذا التوجه يمتد إلى المجال الثقافي والتربوي، حيث يُعاد طرح العلاقة بين الدولة والمدرسة وحدود تشكيل الوعي العام.
ويعتبر منتقدو الحكومة أن "الهيمنة الثقافية الجديدة" لا تتجسد في قطيعة مع الماضي بقدر ما تُبنى عبر آليات مؤسساتية تدريجية تشمل إعادة تموضع داخل المؤسسات الثقافية وتوجيه السياسات التعليمية، بما يعيد ضبط المرجعيات التي تحدد المحتوى الدراسي.
في المقابل، يرى المدافعون عن الإصلاحات أنها محاولة لاستعادة التوازن داخل برنامج تعليمي يعتبرونه تأثر خلال العقود الماضية بقراءات نقدية مهيمنة، معتبرين أن إعادة الاعتبار للتراث الفلسفي الوطني لا تستهدف الإقصاء، بل إعادة ترتيب الأولويات داخل المناهج.
يرى منتقدو التعديلات أن هذا المسار قد يفضي إلى تقليص المساحات الممنوحة للفكر النقدي وإعادة تشكيل الذاكرة التعليمية وفق سردية أكثر انتظامًا وأقل صدامًا
بين المدرسة والسلطة
في المحصلة، يتجاوز الجدل الدائر حول المناهج الدراسية في إيطاليا حدود النقاش البيداغوجي أو الاختيارات التقنية لمحتوى التعليم، ليعكس صراعًا أعمق حول طبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وحول الجهة التي تمتلك حق تحديد ما يُعتبر "فكرًا شرعيًا" داخل الفضاء العام. فالمناهج، وفق هذا التصور، لا تعمل كمرآة محايدة للمعرفة، بل كأداة لإنتاج سرديات عن التاريخ والحداثة والانتماء، تتداخل فيها الاعتبارات العلمية مع رهانات الهوية والسياسة.
ومن هذا المنظور، تبدو المدرسة في قلب توتر دائم بين وظيفتها كفضاء للتكوين النقدي، وبين كونها أيضًا مؤسسة تُعاد عبرها صياغة التصورات الجماعية عن الماضي والحاضر. فكل تعديل في ترتيب المفكرين أو إعادة توزيع لحضور التيارات الفكرية لا يُقرأ فقط كتحديث في المحتوى، بل كإعادة ضبط ضمنية لطريقة فهم الأجيال الجديدة لمسار الفكر الأوروبي وحدود السؤال النقدي.
وبينما يرى منتقدو التعديلات أن هذا المسار قد يفضي إلى تقليص المساحات الممنوحة للفكر النقدي وإعادة تشكيل الذاكرة التعليمية وفق سردية أكثر انتظامًا وأقل صدامًا، يتمسك مؤيدوها بأنها محاولة لتصحيح "اختلالات" تراكمت داخل المناهج، وإعادة الاعتبار لتقاليد فكرية يعتبرونها "مغيّبة".
ومهما اختلفت القراءات، يبقى ما يجري في إيطاليا مؤشرًا على تحوّل أوسع في أوروبا مرتبط بصعود التيارات اليمينية والمحافظة، حيث لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل ساحة يُعاد فيها باستمرار تعريف معنى المعرفة نفسها، ومن يملك سلطة ضبطها، وأي تاريخ يُروى، وأي أفكار تُترك على الهامش.