بدء الحملة الانتخابية في البرازيل.. سباق بين تيارين متناقضين
17 أغسطس 2026
بدأت الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية البرازيلية رسميًا مع انطلاق تحركات المرشحين في معاقلهم السياسية، قبل أقل من شهرين على اقتراع يُتوقع أن يكون من أكثر الاستحقاقات تنافسًا في تاريخ البلاد الحديث، مع مواجهة تتصدرها حتى الآن ثنائية الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
واختار لولا مدينة ساو برناردو دو كامبو، في الضواحي الصناعية لساو باولو، لإطلاق حملته، عائدًا إلى المكان الذي شهد بداية صعوده النقابي والسياسي قبل نحو خمسة عقود. وأمام آلاف المؤيدين في ملعب ارتبط تاريخيًا بنضالات عمال المعادن، استعاد الرئيس البرازيلي جذوره العمالية، مؤكدًا أن البلاد بحاجة إلى استمرار السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تتبناها حكومته.
وفي الوقت نفسه، أطلق فلافيو بولسونارو حملته من شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو، محاطًا بآلاف من أنصاره، في مشهد يعكس بوضوح طبيعة الاستقطاب بين اليسار الذي يمثله لولا واليمين المحافظ الذي ورث جزءًا كبيرًا من قاعدته السياسية عن الرئيس السابق جايير بولسونارو.
يتخذ لولا موقفًا مؤيدًا لإقامة دولة فلسطينية، ويوجه انتقادات متكررة إلى السياسات الإسرائيلية
انتخابات في أكتوبر
تُجرى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 4 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، على أن تُنظم جولة ثانية في 25 من الشهر نفسه في حال عدم حصول أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة.
ولا يقتصر الاقتراع على اختيار رئيس الجمهورية ونائبه، إذ ينتخب البرازيليون في اليوم نفسه حكام الولايات وأعضاء مجلس النواب وأجزاء من مجلس الشيوخ والمجالس التشريعية المحلية.
ويحق لنحو 159 مليون ناخب المشاركة في الانتخابات، من أصل عدد سكان يقدر بنحو 213 مليون نسمة. وتشكل النساء نحو 53% من الناخبين، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من المرشحين الرئيسيين بالقضايا المرتبطة بالنساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي والسياسات الاجتماعية.
وتشارك في الحياة السياسية البرازيلية 30 حزبًا مسجلًا رسميًا، لكن عدد المرشحين للرئاسة أقل بكثير بسبب التحالفات الحزبية. وتراوح عدد المتنافسين في المراحل الأولى من السباق بين 11 و13 مرشحًا، مع توقع انسحاب بعضهم أو اندماجهم في تحالفات قبل تثبيت السباق النهائي.
لولا.. ولاية رابعة
يخوض لويس إيناسيو لولا دا سيلفا السباق الرئاسي للمرة السابعة، ساعيًا إلى الفوز بولاية رابعة غير متتالية، وهو إنجاز لم يسبق لأي رئيس برازيلي تحقيقه.
وبدأ لولا حياته عاملًا في المصانع، ثم أصبح أحد أبرز قادة النقابات خلال الحكم العسكري بين عامي 1964 و1985. وقاد إضرابات عمالية واسعة في نهاية السبعينيات قبل أن يشارك في تأسيس حزب العمال، وينتقل تدريجيًا من النشاط النقابي إلى العمل السياسي، وصولًا إلى رئاسة البلاد.
ويركز لولا في برنامجه الداخلي على حماية برامج دعم ذوي الدخل المحدود، وتعزيز الاستثمار الحكومي، ودور الدولة في الاقتصاد، وتوسيع الحماية الاجتماعية.
كما يحاول حزبه التكيف مع التحولات التي طرأت على سوق العمل، بعدما أصبحت فئات واسعة من الشباب تعمل عبر تطبيقات النقل والتوصيل والمنصات الرقمية بدل المصانع والنقابات التقليدية.
وتسعى حكومته إلى تقديم إجراءات لحماية العاملين عبر التطبيقات، تشمل الأجور وظروف العمل والضمان الاجتماعي وتنظيم الخوارزميات، إلى جانب دعم تقصير أسبوع العمل.
كما يعطي لولا اهتمامًا لقضايا النساء، وتعهد بإدراج إجراءات مرتبطة بالتعليم ومواجهة العنف ضد المرأة ضمن برنامجه الانتخابي.
أما خارجيًا، فيضع لولا مفهوم السيادة الوطنية في صلب خطابه، ويرفض ما يعتبره تدخلًا أجنبيًا في السياسة البرازيلية. كما يدافع عن سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، تقوم على توسيع العلاقات مع الصين والدول العربية والاقتصادات الناشئة، وعدم الارتهان للولايات المتحدة.
ويتخذ لولا موقفًا مؤيدًا لإقامة دولة فلسطينية، ويوجه انتقادات متكررة إلى السياسات الإسرائيلية، ووصف الحرب على غزة بأنها إبادة جماعية.
فلافيو بولسونارو.. وريث سياسي
في الجهة المقابلة، يقدم فلافيو بولسونارو نفسه بوصفه وريثًا للمشروع السياسي لوالده جايير بولسونارو، لكن مع محاولة بناء شخصية سياسية مستقلة.
يبلغ فلافيو 45 عامًا، وهو سيناتور عن ولاية ريو دي جانيرو، واختاره والده لخوض السباق باسم الحزب الليبرالي، في ظل غياب الرئيس السابق عن المنافسة وخضوعه للإقامة الجبرية بعد إدانته بمحاولة انقلاب.
ويرتكز برنامجه الداخلي على خطاب محافظ اجتماعيًا، مع أولوية واضحة للأمن ومكافحة الجريمة. وتعهد بإزالة ما يصفه بـ"الأيديولوجيا اليسارية" من المدارس، وتشجيع المبادرة الفردية وريادة الأعمال، إلى جانب مواقف أكثر ميلًا إلى تقليص دور الدولة مقارنة بلولا.
كما يسعى فلافيو إلى كسب أصوات الشباب العاملين لحسابهم الخاص وعبر التطبيقات، مستفيدًا من شكوك بعض هذه الفئات تجاه محاولات الحكومة فرض مزيد من التنظيم على سوق العمل الرقمي.
ويحاول في الوقت ذاته استقطاب النساء، متعهدًا بمواجهة العنف ضدهن، في ظل الأهمية الكبيرة لأصوات الناخبات في حسم السباق.
أما في السياسة الخارجية، فيطرح فلافيو تحولًا واضحًا عن نهج لولا. فهو أقرب إلى الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب وإلى حكومة خافيير ميلي في الأرجنتين وإسرائيل.
وتعهد بإعادة السفير البرازيلي إلى إسرائيل ونقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس، ما يجعل الموقف من الحرب الإسرائيلية والقضية الفلسطينية أحد أبرز أوجه الاختلاف بين المرشحين.
ويقول فلافيو إنه قادر على التواصل مع الولايات المتحدة والصين وإسرائيل ودول الشرق الأوسط والهند والأرجنتين، بهدف إبرام صفقات تجارية جديدة للبرازيل.
سباق متقارب
أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Nexus حصول لولا على 41%، مقابل 37% لفلافيو بولسونارو.
في المقابل، منح استطلاع AtlasIntel المنشور في 29 تموز/يوليو لولا تقدمًا أكبر، بحصوله على 49.2% مقابل 42.9% لفلافيو.
وتشير هذه الأرقام إلى أن لولا لا يزال المرشح الأوفر حظًا، لكن فلافيو نجح في تثبيت نفسه منافسًا مباشرًا وقادرًا على تهديد فرص الرئيس الحالي، خصوصًا إذا نجح في توحيد قوى اليمين خلفه.
تعهد بولسونارو بإعادة السفير البرازيلي إلى إسرائيل ونقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس
انتخابات تتجاوز الداخل
تأخذ انتخابات 2026 بعدًا دوليًا لافتًا، بعدما تلقى فلافيو دعمًا سياسيًا من شخصيات مرتبطة بإدارة ترامب، إلى جانب خافيير ميلي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في المقابل، يتهم لولا أطرافًا خارجية بمحاولة التأثير في المشهد السياسي، ويجعل حماية السيادة أحد محاور حملته.
وستكون نتيجة الانتخابات مهمة أيضًا بالنسبة إلى الشرق الأوسط، في ظل العلاقات التجارية الواسعة بين البرازيل والدول العربية. فاستمرار لولا يعني مواصلة التقارب السياسي والاقتصادي مع المنطقة ودعم الموقف الفلسطيني، بينما قد يؤدي فوز فلافيو إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية نحو واشنطن وتل أبيب، كما جرى في كولومبيا بعد خسارة غوستافو بيترو قبل أشهر.
تقرؤون المزيد في: أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة والبرازيل.. ما أسبابها؟