بعد صدمات النفط والغاز.. هل تعيد أوروبا رهانها على الطاقة النووية؟
5 ابريل 2026
تعيش أوروبا لحظة قلق متجددة مع عودة شبح أزمة الطاقة، حيث تتابع الأسر والشركات الصناعية ارتفاع أسعار الغاز والوقود، في مشهد يعيد إلى الأذهان تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا 2022 وما تبعه من تضخم وأزمة معيشية خانقة.
ومع تصاعد التوترات نتيجة الحرب على إيران، تجد أوروبا نفسها مجددًا أمام سؤال استراتيجي: كيف تحقق أمنها الطاقي بعيدًا عن تقلبات الأسواق العالمية؟
عودة النقاش حول الاستقلال الطاقي
حسب تقرير لشبكة "بي بي سي" البريطانية، تعكس التحذيرات الصادرة عن المفوضية الأوروبية حجم القلق، حيث دعت إلى تقليل التنقل والعمل من المنزل لتخفيف الضغط على الطاقة. لكن هذه الإجراءات المؤقتة تعيد فتح نقاش أعمق حول ضرورة تحقيق "الاستقلال الطاقي".
تعتمد أوروبا حاليًا على استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة، خصوصًا النفط والغاز، ما يجعلها عرضة لصدمات الإمدادات وارتفاع الأسعار
وتعتمد أوروبا حاليًا على استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة، خصوصًا النفط والغاز، ما يجعلها عرضة لصدمات الإمدادات وارتفاع الأسعار. هذا الاعتماد بدا مكلفًا بوضوح بعد تراجع الإمدادات الروسية، ويتكرر اليوم مع اضطراب صادرات الطاقة من الشرق الأوسط.
الطاقة النووية تعود إلى الواجهة
في هذا السياق، تعود الطاقة النووية بقوة إلى النقاش الأوروبي كخيار محلي يمكن أن يقلل الاعتماد على الخارج. خلال قمة الطاقة النووية في باريس، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تخلي أوروبا عن الطاقة النووية سابقًا بأنه "خطأ استراتيجي". ففي عام 1990، كانت الطاقة النووية توفر نحو ثلث كهرباء أوروبا، بينما تراجعت اليوم إلى حوالي 15% فقط، ما زاد من اعتماد القارة على الوقود الأحفوري المستورد.
وتبرز فرنسا كنموذج مختلف، إذ تعتمد على الطاقة النووية لتوليد نحو 65% من كهربائها، ما يمنحها أسعارًا أقل بكثير مقارنة بدول مثل ألمانيا التي تخلت عن الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما النووية 2011 وأصبحت أكثر اعتمادًا على الغاز.
تفاوت أوروبي واضح في الأسعار
يظهر تأثير مزيج الطاقة بوضوح داخل أوروبا نفسها. ففي إسبانيا، التي استثمرت بكثافة في الطاقة المتجددة، تُتوقع أسعار كهرباء أقل بكثير مقارنة بـ إيطاليا حيث يحدد الغاز سعر الكهرباء في معظم الأحيان.
أما في ألمانيا، فقد أدى الاعتماد الكبير على الغاز إلى ضغوط اقتصادية واضحة، دفعت مراكز الأبحاث إلى خفض توقعات النمو لعام 2026 إلى نحو 0.6% فقط، ويمكنكم في هذا التقرير الاطلاع على تباين أسعار الوقود في أوروبا.
موجة تأييد نووي متصاعدة
تشهد أوروبا تحولات سياسية ملحوظة تجاه الطاقة النووية، حيث تدرس إيطاليا إلغاء الحظر التاريخي على الطاقة النووية، فيما تتجه بلجيكا لإعادة الاستثمار فيها، بينما تراجعت السويد عن قرار سابق بالتخلي عنها، في حين بدأت اليونان نقاشًا عامًا حول المفاعلات الحديثة، كذلك تسهّل المملكة المتحدة الإجراءات لتسريع المشاريع النووية.
وتقود فرنسا هذا التوجه، حيث يؤكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن الطاقة النووية تمثل مفتاحًا لتحقيق السيادة الطاقية وخفض الانبعاثات، إضافة إلى دعم طموحات أوروبا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
تحديات تعيق الحل النووي
رغم هذا الزخم، لا تبدو الطاقة النووية حلًا سريعًا للأزمة الحالية. فبناء المفاعلات يستغرق سنوات طويلة، كما تظهر تجارب مشاريع مثل Flamanville-3 وHinkley Point C التي شهدت تأخيرات كبيرة.
كما تظل قضايا السلامة والتخلص من النفايات النووية مصدر قلق دائم، إلى جانب مخاوف من أن يؤدي التركيز على النووي إلى إبطاء الاستثمار في الطاقة المتجددة. إضافة إلى ذلك، تعتمد بعض دول أوروبا الوسطى على التكنولوجيا والوقود النووي الروسي، ما يخلق مخاطر استراتيجية جديدة بدلًا من حل المشكلة.
الرهان على المفاعلات الصغيرة
تتجه الأنظار الآن نحو المفاعلات النووية الصغيرة (SMRs)، التي يُنظر إليها كخيار أقل تكلفة وأكثر مرونة. وقد أطلق الاتحاد الأوروبي حزمة استثمارية بقيمة 330 مليون يورو لدعم هذه التكنولوجيا، مع خطط لبدء تشغيلها في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. لكن حتى الآن، لا تزال هذه المفاعلات غير مجربة على نطاق تجاري داخل أوروبا، ما يجعلها رهانًا مستقبليًا أكثر منه حلًا فوريًا.
يعني ذلك أن الحكومات الأوروبية تدرك أهمية الطاقة النووية كجزء من الحل على المدى المتوسط والطويل، لكنها لا تقدم إجابة سريعة لأزمة اليوم. ومع ارتفاع التكاليف، وضغوط الموازنات، والتزامات الإنفاق الدفاعي، تجد أوروبا نفسها عالقة بين الحاجة إلى حلول عاجلة، ورهانات استراتيجية طويلة الأمد.