بنحبك أستاذ عبود
23 أكتوبر 2025
كنتُ عائدًا من حفلة شواء شرسة في بيت أحد الأصدقاء الشعراء. هبطتُ من سيارة الأجرة قبل دوّار السرية تمامًا، وأحببتُ أن أواصل الطريق إلى رام الله مشيًا، تخلُّصًا من امتلاءٍ أحسّه يقترب من تفجير قلبي.
بين مطعم "أبو خليل" و"كافيه زمن"، لاحظتُ عبارة كُتبت بالأحمر على جدار أحد البيوت. وقفتُ وقرأت: "بنحبك أستاذ عبود"، ولا شيء غير ذلك.
التقطتُ صورةً للعبارة، وواصلتُ المشي وأنا أفكّر: من هو الأستاذ عبود؟ ولماذا يشكرونه؟ ومن هم الذين يشكرونه؟ أطلابٌ هم؟ أم زملاء مهنة؟
تذكّرتُ العبارات الغامضة التي كنّا نصحو عليها مكتوبةً على جدران بيوتنا في المخيم، وكنّا نعرف أنها طريقة تواصل مخابرات الاحتلال مع جواسيسهم. أمعقول أن تكون عبارة "بنحبك أستاذ عبود" لغة تخاطبٍ بين الاحتلال والجواسيس؟
كعادتي (الهبلة)، بدأتُ رحلة البحث عن الأستاذ عبود. وكانت المفاجأة أن هذه العبارة مكتوبةٌ على معظم جدران رام الله، بالخط نفسه واللون ذاته. وهذا أول استنتاج: الذي خطَّها شخصٌ واحد. لكن الغريب أنه يتحدث بصيغة الجمع: "بنحبك أستاذ عبود".
والمفاجأة الكبرى أن هذه العبارة منتشرةٌ على حيطان بيوت ومؤسسات وعمارات في معظم المدن الفلسطينية: جنين، طولكرم، نابلس، القدس، وقلقيلية. هذا ما سمعته من أصدقاء قادمين من تلك المدن. لقد فتح هذا البحث في قلبي ذكريات مرّةً وحلوةً لن أنساها.
سأظلّ أتذكّر تلك الظهيرة المقدسية القديمة الكئيبة، بعد تخرّجي من جامعة اليرموك الأردنية قبل ثلاثين عامًا، في منتصف آب/أغسطس الرهيب. قال لي الطبيب يومها: "انشغل ببحث ما، فمرضك هو غياب المعاني من حياتك."
كان الاحتلال بالنسبة إليّ جهة جهنمية تُعطّل حياتي الطبيعية. كنتُ بلا مهنة، بلا أصدقاء، بلا فصيل سياسي، بلا حبيبة؛ فقط بروايات أستعيرها من المكتبات العامة، أغيب فيها عن الوعي، وأسافر معها إلى العالم، مُصادقًا أبطالها، حالمًا بتغيير أحداثها لصالح ما أرغب.
كنتُ أريد أن أخرج من رام الله إلى أي مكان آخر، لا أعرف فيه أحدًا يقول لي مصدومًا: "ولك ليش وجهك متغيّر؟"
تسللتُ إلى القدس، ونجحتُ في الوصول إلى مكان أحبّه جدًا: برج كنيسة الفادي (المعروفة أيضًا بكنيسة المخلّص اللوثرية أو كنيسة الدبّاغة). وهو أعلى برج في البلدة القديمة بالقدس، ويُعدّ أحد أبرز معالم المدينة التاريخية والدينية.
تقع الكنيسة في حي النصارى، بالقرب من كنيسة القيامة، في المنطقة المعروفة باسم المورستان الصلاحي. اكتسبت الكنيسة اسمها من مؤسس المذهب البروتستانتي الألماني مارتن لوثر، وتُسمّى أيضًا كنيسة المخلّص الفادي وكنيسة الدبّاغة نسبة إلى الشارع الذي تقع فيه.
أُقيمت الكنيسة على جزء من المورستان الصلاحي الذي بناه صلاح الدين الأيوبي. وفي عام 1869، أهدى السلطان العثماني عبد العزيز الأرض التي أُقيمت عليها الكنيسة إلى وليّ عهد بروسيا الأمير فيلهلم، الذي أصبح لاحقًا قيصر ألمانيا، تكريمًا له لمشاركته في حفل افتتاح قناة السويس.
بدأ بناء الكنيسة عام 1893، واكتمل عام 1898، حيث جرى افتتاحها بحضور القيصر وزوجته.
يبلغ ارتفاع برج الكنيسة ثمانيةً وأربعين مترًا، ويُعدّ أعلى برج في البلدة القديمة. وللوصول إلى قمّته، يجب صعود 177 درجة عبر درجٍ حلزونيٍّ ضيّق. ومن القمّة، يمكن رؤية مناظر بانورامية لمدينة القدس القديمة والجديدة، بما في ذلك المسجد الأقصى وجبل الزيتون وجبل المشارف.
في كآباتي المتعاقبة، أذهب إلى هناك. ثمّة حارسٌ طيّبٌ اسمه موريس، من بيت جالا، لم يرتح لي في البداية، إذ قال بصراحة إنني "غريب الأطوار". كنتُ أجلس في الغرفة الخامسة من البرج، لساعات على المقعد الخشبي، أحدّق فقط في خربشات الزوّار، وأدوّنها في دفتر صغير.
وقصة هذه الخربشات كانت أحد دوافع مجيئي إلى هنا. اقتنع موريس أخيرًا بأنني أعمل على بحث دكتوراه عن كتابات الجدران الغامضة. اضطررتُ للكذب عليه، لأنه ما كان ليفهم قصة ولعي الشخصي بعبارات جدران غرف البرج، المبتورة غالبًا وغير المفهومة، والتي تحمل أحيانًا شكل شتائم، أو فضائح، أو مواعيد لقاء، أو إعلان براءة، أو تهديدٍ ووعيد.
بسيطة يا أمجد.
يا زلمة، بكفي كذب، أنا شايفك أصلًا.
أنا لحالي يا ناريمان، وإنتِ مع العالم، بس أنا أسعد منك.
اوعَ تدخل المغارة يا أبو حسين، هاي نصيحة.
وجهك زي هزيمة حزيران.
تعالي يا فدوى، أنا تعبت.
يلعن أبوكم كلكم، تُجّار!.
لو تعرف قديش بحبك يا يابا.
سميرة، بستناكِ في باب السلسلة إلي ساعة، شو قصتك؟
حبيبي عادل، هاي قهوتك على الدرجة الخامسة من درجات باب العمود، على الشمال.
كل عبارة من هذه العبارات كانت مفتتحًا وفضاءً لقصة قصيرة كتبتُها. صار عندي مئات القصص، نشرتُ معظمها في كتب وُلدت من وحي هذه العبارات المجتزأة والغامضة.
الآن عليّ أن أتناول دوائي، أن أحصل على معنى ما، أن أستعدّ لتحويل عبارة (بنحبك أستاذ عبود) إلى قصة قصيرة، وربما إلى رواية.
كم هي سخيةٌ الحياة، وماكرةٌ وطيّبة؛ تعطينا نتف حكاية أو بصيص مشهد مُضبَّب، وتطلب منا أن نفكر ونبحث.
هل تدربنا الحياة على نسيان الموت؟
لم أفكر كثيرًا بالأمر. أحسستُ بطاقة رهيبة للّعب مع الصُّدف والوهم والوقت والأشياء الغامضة. مشيتُ إلى منطقة السرية، قرب مطعم "زمن"، في الساعة الثانية ليلًا، حاملًا معي علبة رشٍّ حمراء.
ثمة شرطيان نائمان في سيارة الشرطة، أكاد أسمع شخيرهما.
تحت جدار العبارة بالضبط، كان رجلٌ ستّينيّ بملابس رثّة ورائحة كريهة، نائمًا بعمق، قربه زجاجة خمر وبقايا حبات فلافل.
تجاوزتُه بهدوء، فتحتُ العلبة، تقدّمتُ من الجدار، وكتبتُ تحت عبارة (بنحبك أستاذ عبود): "وانا كمان بحبكم".
أغلقت العلبة، تجاوزتُ السكران، مشيتُ خطوتين فقط، فإذا بصوته يناديني بحشرجة: "يا أستاذ، ارجع! ارجع! نسيت الهمزة فوق (وانا).
بعد عدّة أيام فقط، أخبرني أصدقائي من مدن مختلفة في فلسطين أن ثمة عبارةً أخرى أُضيفت تحت الأولى، وهي: (وأنا كمان بحبكم).







