تجديد حبس أحمد دومة يختبر حدود الانفراج في مصر
10 ابريل 2026
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على خروج الناشط السياسي أحمد دومة من السجن بعفو رئاسي في 2023، حتى وجد نفسه مجددًا داخل دائرة الملاحقة القضائية، في مسار يراه حقوقيون امتدادًا لنمط متكرر في التعامل مع المعارضين في مصر.
ففي أحدث تطور، قررت غرفة المشورة بمحكمة جنح بدر تجديد حبسه احتياطيًا لمدة 15 يومًا، على ذمة التحقيقات في القضية رقم 2449 لسنة 2026، بتهمة "نشر أخبار وبيانات كاذبة"، على خلفية مقال ومواد نشرها مؤخرًا.
محاكمة عن بُعد
عُقدت، أمس لبخميس، جلسة تجديد الحبس عبر الفيديو "كونفرانس"، وهو إجراء بات شائعًا في قضايا أمن الدولة، وأوضحت المحامية ماهينور المصري أن هيئة الدفاع أكدت خلال الجلسة أن القضية تتعلق بجريمة نشر لا تستوجب الحبس الاحتياطي، مشيرة إلى أن محل إقامة دومة معلوم، ولا توجد أدلة يُخشى العبث بها، مع انتقادها عدم تمكينه من الاطلاع على البلاغات المقدمة ضده.
وأضافت أن قرار الحبس يتعارض، بحسب الدفاع، مع نصوص الدستور والتصريحات الرسمية المتعلقة بتقييد استخدام الحبس الاحتياطي.
كما لفتت إلى أن دومة اشتكى خلال الجلسة من عدم حصوله على أدويته داخل محبسه.
يأتي توقيف دومة على خلفية كتاباته عن انتهاكات داخل السجون، في وقت لا تُفتح فيه تحقيقات في البلاغات التي تقدم بها بشأن تلك الانتهاكات، ما يثير تساؤلات حول انتقائية تطبيق القانون في قضايا حرية التعبير
سلسلة قضايا لا تنتهي
يُحقق مع دومة على خلفية مقال نشره في موقع "العربي الجديد" بعنوان "سجن داخل الدولة ودولة داخل السجن"، انتقد فيه تأثير الاعتقالات السياسية على استقرار الدول، وفق ما أفاد به المحامي الحقوقي خالد علي.
وتمثل القضية الحالية السابعة منذ الإفراج عنه، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في السجن. ومنذ ذلك الحين، استُدعي دومة مرارًا إلى نيابة أمن الدولة في قضايا ترتبط، في معظمها، بمحتوى نشره، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في كتابات صحفية وأدبية.
ولا يقتصر هذا النمط على حالته، إذ تشير تقارير حقوقية إلى ما يُعرف بـ"إعادة التدوير القضائي"، حيث يُعاد إدراج متهمين في قضايا جديدة عقب إخلاء سبيلهم.
النشر كجريمة: أين يقف القانون؟
يأتي توقيف دومة على خلفية كتاباته عن انتهاكات داخل السجون، في وقت لا تُفتح فيه تحقيقات في البلاغات التي تقدم بها بشأن تلك الانتهاكات، ما يثير تساؤلات حول انتقائية تطبيق القانون في قضايا حرية التعبير.
وعلى المستوى القانوني، يفتح ذلك باب الجدل بشأن استخدام الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، إذ تنص المعايير الدولية على عدم جواز اللجوء إلى الاحتجاز السابق للمحاكمة في قضايا التعبير السلمي.
وفي هذا السياق، يشير تقرير صادر عن لجنة حماية الصحفيين إلى أن "السلطات في عدد من الدول، من بينها مصر، تلجأ إلى تهم فضفاضة مثل نشر أخبار كاذبة لتقييد العمل الصحفي وحرية التعبير".
كما يؤكد المقرر الخاص المعني بحرية التعبير في الأمم المتحدة أن القوانين المرتبطة بـ"الأخبار الكاذبة" تُستخدم في كثير من الأحيان لتجريم النقد المشروع.
الحبس الاحتياطي كأداة ممتدة
تبرز قضية دومة كواحدة من الإشكاليات المرتبطة بملف الحريات في مصر، والمتمثلة في التمادي في استخدام الحبس الاحتياطي.
فبدلًا من كونه إجراءً استثنائيًا، تشير تقارير دولية إلى تحوّله إلى ممارسة ممتدة قد تستمر لسنوات.
وفي هذا السياق، تشير منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن السلطات المصرية "تستخدم الحبس الاحتياطي المطوّل كأداة لمعاقبة المعارضين، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية".
كما وثّقت منظمة "العفو الدولية" في تقارير متعددة ما وصفته بـ"الاستدعاءات المتكررة والملاحقات القضائية" بحق ناشطين وصحفيين، معتبرة أنها "تخلق مناخًا من الردع الذاتي والخوف".
ويفيد تقرير صادر عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بأن "الحبس الاحتياطي في مصر تحوّل من تدبير احترازي إلى أداة عقابية بحكم الأمر الواقع".
ويتقاطع هذا التوصيف مع دفوع هيئة الدفاع، التي تؤكد أن تهم النشر، بطبيعتها، لا تستوجب الحبس الاحتياطي.
بين الانفراج والتقييد: مفارقة المشهد المصري
تأتي قضية الناشط أحمد دومة ضمن سياق مركّب شهد خلال العامين الماضيين إفراجات عن عدد من السجناء، في خطوات رُوّج لها رسميًا باعتبارها مؤشرًا على انفتاح تدريجي في المجال العام، خاصة مع إطلاق "الحوار الوطني" وتصاعد الضغوط الحقوقية الدولية.
غير أن قضية دومة تكشف جانبًا آخر من الصورة؛ إذ لم تترجم تلك الإفراجات إلى تغيير بنيوي في طريقة التعامل مع قضايا حرية التعبير، بل بقيت محكومة بمنطق الانتقائية. فبينما يُفرج عن بعض الأسماء، تستمر ملاحقة آخرين عبر آليات قانونية متكررة، أبرزها فتح قضايا جديدة على خلفية المحتوى نفسه أو المرتبط به.
هذا النمط، الذي تصفه منظمات حقوقية بـ"إعادة التدوير القضائي"، لا يقتصر على إبقاء الأفراد تحت طائلة الملاحقة، بل يخلق أيضًا حالة ردع أوسع، حيث يتحول الاستدعاء المتكرر والتحقيق المستمر إلى أداة ضغط بحد ذاته، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية.
قضية دومة تكشف جانبًا آخر من الصورة؛ إذ لم تترجم تلك الإفراجات إلى تغيير بنيوي في طريقة التعامل مع قضايا حرية التعبير، بل بقيت محكومة بمنطق الانتقائية
في هذا الإطار، يمكن فهم التباين بين الإفراجات والملاحقات باعتباره جزءًا من مقاربة أوسع لإدارة المجال العام، تقوم على تحقيق توازن دقيق: تقديم إشارات تهدئة للخارج عبر الإفراجات، مقابل الحفاظ على أدوات القمع داخليًا عبر الحبس الاحتياطي والملاحقات القانونية.
ويعزز هذا التفسير أن السلطات المصرية تسعى إلى الموازنة بين تخفيف الضغوط الدولية والحفاظ على الاستقرار الداخلي، دون إدخال تعديلات جوهرية على الإطار القانوني المنظم لحرية التعبير.
لكن هذا التوازن يبقى هشًا، في ظل استمرار اعتماد تهم فضفاضة مثل "نشر أخبار كاذبة"، ما يجعل ملف حرية التعبير أحد أبرز نقاط التوتر المستمرة بين الحكومة المصرية والمنظمات الحقوقية الدولية.
وبذلك، لا تبدو قضية دومة استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لهذا المسار: انفراجات محدودة من جهة، يقابلها استمرار في استخدام الأدوات القانونية ذاتها من جهة أخرى، بما يعكس غياب تحول فعلي في قواعد التعامل مع حرية التعبير.