ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

تداعيات الحرب على إيران تصل إلى مصر.. قفزة في أسعار الوقود

10 مارس 2026
ارتفاع أسعار الوقود في مصر
كان هناك اجتماع أن اندلاع الحرب سيؤدي إلى رفع أسعار الوقود في مصر (رويترز)
عماد عنان عماد عنان

تتسارع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوتيرة تفوق التوقعات، بعدما بدأت انعكاساتها تضرب دول المنطقة بشكل مباشر وحاد، ومن بينها مصر. فمع الارتفاع الكبير في سعر الدولار أمام الجنيه، من 46.8 إلى 51.8 جنيهًا منذ اندلاع الحرب، إلى جانب تخارج ما بين 4 و5 مليارات دولار –بحسب التقديرات– من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، جاءت صدمة جديدة تمثلت في قفزة لافتة في أسعار الوقود، تجاوزت حتى تقديرات كثير من الخبراء.

ففي فجر الثلاثاء 10 آذار/مارس، أصدرت وزارة البترول المصرية بيانًا أعلنت فيه رفع أسعار الوقود والمنتجات البترولية بنسب تراوحت بين 14% و17%، في أول زيادة من نوعها خلال العام الجاري، وذلك بعد زيادة مماثلة شهدها شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وبررت الوزارة القرار بما وصفته بـ"الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وانعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية"، مشيرة إلى أن عقود التحوط التي أبرمتها مصر لمواجهة تقلبات أسعار النفط لا تغطي سوى 60% من إجمالي الواردات، ما يترك الاقتصاد المصري مكشوفًا جزئيًا أمام صدمات السوق الدولية.

ويأتي هذا القرار بعد أيام فقط من تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال مؤتمر صحفي عقد في 3 آذار/مارس، ألمح فيها إلى احتمال لجوء الحكومة إلى "إجراءات استثنائية" إذا أدت الحرب إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة عالميًا.

ولا تمثل هذه الزيادات مجرد تعديل في أسعار المشتقات البترولية، بل تشكل ضربة جديدة للحياة اليومية للمصريين، بالنظر إلى ما تتركه من آثار متسلسلة على أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والمعيشة عمومًا. وبذلك تبدو مصر من بين أكثر الدول تأثرًا بتداعيات هذه الحرب، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا فيها، ما يعكس مأزق الاقتصاد المصري أمام التحولات الإقليمية والدولية الكبرى.

 أصدرت وزارة البترول المصرية بيانًا أعلنت فيه رفع أسعار الوقود والمنتجات البترولية بنسب تراوحت بين 14% و17%، في أول زيادة من نوعها خلال العام الجاري

زيادات هي الأكبر

تمثل الزيادة الحالية في أسعار الوقود الأكبر من بين موجات الرفع التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، إذ بلغت في بعض المنتجات نحو 3 جنيهات دفعة واحدة(0.0581 دولارًا)، في مؤشر جديد على عمق الأزمة التي تضغط على الشارع المصري. وقد طالت الزيادات السولار، وهو من أكثر أنواع الوقود استخدامًا وتأثيرًا في حركة النقل وأسعار السلع، ليرتفع من 17.50 جنيهًا إلى 20.50 جنيهًا للتر(0.3887 دولار).

كما ارتفعت أسعار البنزين بنسب وصلت إلى 16.9% بحسب النوع، إذ صعد سعر بنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا للتر، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، فيما بلغ سعر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا للتر، وذلك في ظل وصول سعر الدولار إلى 51.8 جنيهًا.

ولم تقتصر الزيادات على الوقود السائل، بل امتدت إلى أسطوانات الغاز وغاز تموين السيارات، حيث رفعت وزارة البترول سعر أسطوانة البوتاغاز المنزلية زنة 12.5 كغم من 225 إلى 275 جنيهًا، كما ارتفع سعر الأسطوانة التجارية زنة 25 كغم من 450 إلى 550 جنيهًا، إلى جانب زيادة سعر غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.

وتكشف المقارنة مع ما كانت عليه الأسعار قبل عقد واحد فقط حجم التحول العنيف الذي شهدته السوق المصرية؛ فأسعار البنزين قفزت من 2.35 جنيه للتر عام 2016 إلى 24 جنيهًا في عام 2026، أي بزيادة تقارب عشرة أضعاف، بينما ارتفع سعر أنبوبة الغاز من 8 جنيهات إلى 275 جنيهًا خلال الفترة نفسها، وهو المسار ذاته الذي سلكته بقية المشتقات البترولية.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد تعديلات سعرية عابرة، بل تعبر عن موجة متواصلة من الضغوط الاقتصادية التي تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، وتدفع بتكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتسع فيه الفجوة بين الدخول والأسعار.

الحرب السبب الرئيسي

في منتصف شباط/فبراير الماضي، كان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد شدد على التزام الحكومة بعدم رفع الأسعار خلال ما تبقى من العام الجاري، قبل أن يصحو المصريون فجر الثلاثاء على قرار جديد بزيادة أسعار الوقود، في خطوة بدت مناقضة تمامًا للتعهدات الرسمية السابقة.

ويأتي هذا القرار، في جوهره، بوصفه انعكاسًا مباشرًا للحرب المشتعلة حاليًا بين الولايات المتحدة وإيران، والتي اتخذت منحى شديد الخطورة بعد أن وسعت طهران دائرة ردها لتشمل منشآت الطاقة في دول الخليج، إضافة إلى مواقع حيوية داخل إسرائيل، من بينها مصفاة تكرير النفط في حيفا، وذلك ردًا على الهجمات الأميركية الإسرائيلية، وقد أدى هذا التصعيد إلى تعطّل جزئي أو كلي في عدد من منشآت إنتاج النفط والغاز الطبيعي في المنطقة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ امتدت الهجمات الإيرانية إلى ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تعتمد عليه دول الخليج في تصدير الجزء الأكبر من إنتاجها، ما فاقم الضغوط على المنتجين في ظل محدودية القدرات التخزينية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل والإمداد.

وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، اضطرت شركات طاقة عديدة حول العالم إلى إعلان حالة "القوة القاهرة"، وهو الإجراء القانوني الذي تلجأ إليه الشركات عندما تواجه ظروفًا قهرية تمنعها من الوفاء بالتزاماتها التصديرية، وكنتيجة مباشرة لذلك، توقفت بعض الشركات عن الإنتاج، فيما خفّضت شركات أخرى طاقتها التشغيلية، الأمر الذي زاد من اختلالات سوق الطاقة العالمية وعمّق أزمة الإمدادات.

أما في مصر، فقد جاءت التداعيات أكثر حدة وتعقيدًا، فإلى جانب التأثر العام باضطرابات سوق الطاقة الدولية والارتفاع المفاجئ في سعر النفط الخام، تلقت القاهرة ضربة إضافية تمثلت في توقف الإمدادات اليومية من الغاز القادمة من إسرائيل، عقب إغلاق الإنتاج في حقل "ليفياثان"، أكبر الحقول الإسرائيلية، منذ اليوم الأول للحرب.

وتكتسب هذه الخطوة خطورتها من حقيقة أن الغاز يمثل نحو 49% من إجمالي مزيج الطاقة في مصر، كما يشكل ما يقرب من 70% من الطاقة المستخدمة في توليد الكهرباء، ما يضع البلاد أمام وضع بالغ الحساسية على المستويين الاقتصادي والخدمي.

ومن المهم الإشارة إلى أن مصر ليست الدولة الوحيدة التي اضطرت إلى رفع أسعار المحروقات تحت ضغط الحرب وتداعياتها، إذ سلكت دول أخرى المسار نفسه، من بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، في مشهد يعكس اتساع نطاق الأزمة وتحولها إلى موجة عالمية تضرب أسواق الطاقة والاقتصادات على حد سواء.

تسرع مثير للجدل

منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، كان هناك شبه إجماع بين الخبراء والمراقبين على أن رفع أسعار الوقود في مصر يظل احتمالًا قائمًا في ظل التصعيد العسكري، واستهداف المنشآت النفطية، والتهديدات المتصاعدة لحركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقد عزز هذا التوقع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، بعدما قفز خام برنت بنحو 30% خلال ساعات قليلة ليقترب من مستوى 120 دولارًا للبرميل، وهو مستوى لم تبلغه الأسواق منذ عام 2022.

غير أن المشهد لم يلبث أن تبدل سريعًا، فمع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن اقتراب انتهاء الحرب مع إيران، عادت أسعار النفط إلى التراجع بوتيرة واضحة، لتلامس حدود 88 دولارًا للبرميل، في دلالة صريحة على حجم الاضطراب والتقلبات الحادة التي تحكمت في الأسواق خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.

وبحسب هذه المستويات السعرية، فإن الفارق بين سعر برميل النفط قبل الحرب، حين كان يدور حول 73 دولارًا، وسعره الحالي عند 88 دولارًا، لا يتجاوز 15 دولارًا للبرميل، وهي زيادة يرى كثير من الخبراء أنه كان يمكن للحكومة المصرية استيعابها، أو على الأقل التعامل معها بقدر أكبر من التريث إلى حين استقرار الأسواق على اتجاه واضح، بدلًا من المسارعة إلى فرض زيادات كبيرة على أسعار الوقود.

ومن هنا تصاعدت حالة الجدل في الشارع المصري، حيث رأى كثيرون أن الزيادات التي أقرتها الحكومة جاءت أكبر من حجم الارتفاعات الفعلية في السوق العالمية، ولا تنسجم معها بصورة مباشرة، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن دوافع القرار وتوقيته وحدود ارتباطه الحقيقي بالتطورات الدولية.

ماذا تعني تلك القفزة في أسعار الوقود؟

لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات عند حدود زيادة تكلفة الوقود وحده، بل تمتد بصورة مباشرة إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المصري، بما يجعل هذه الزيادة نقطة انطلاق لموجة أوسع من الغلاء تمس أغلب السلع والخدمات الأساسية.

فارتفاع أسعار الوقود يعني عمليًا زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وهو ما ينعكس سريعًا على الأسواق في صورة زيادات متلاحقة قد تتجاوز، في بعض الأحيان، نسبة الزيادة الأصلية في أسعار المحروقات نفسها.

منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، كان هناك شبه إجماع بين الخبراء والمراقبين على أن رفع أسعار الوقود في مصر يظل احتمالًا قائمًا في ظل التصعيد العسكري، واستهداف المنشآت النفطية، والتهديدات المتصاعدة لحركة الملاحة في مضيق هرمز

وفي هذا السياق، يتوقع خبراء أن تفضي هذه الخطوة إلى دفع معدلات التضخم نحو الارتفاع مجددًا، بعد فترة من التراجع النسبي خلال السنوات الماضية، بما ينذر بمضاعفة الأعباء المعيشية على المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، الذين يتحملون بالفعل النصيب الأكبر من آثار الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

وتتجلى خطورة هذه الزيادات في كونها تضرب الفئات الأكثر اعتمادًا على وسائل النقل العامة والسلع الأساسية والاستراتيجية، وهي القطاعات المرشحة بدورها لموجة جديدة من تحريك الأسعار.

وقد بدأت بالفعل بوادر هذا التأثير تظهر منذ اليوم الأول للحرب، فيما يُتوقع أن تتفاقم بصورة أكبر عقب الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

حزم اجتماعية عاجلة

في مواجهة التداعيات الاقتصادية والمعيشية المتسارعة، تحاول الحكومة المصرية الحد من الآثار السلبية لقرارات رفع الأسعار عبر توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتقديم إجراءات تخفيفية عاجلة للفئات الأكثر تضررًا.

وفي هذا الإطار، تقرر مد العمل بزيادة الدعم النقدي المخصص للمستفيدين من برنامجي "تكافل وكرامة" والأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية لمدة شهرين إضافيين، في محاولة لتعزيز قدرة هذه الشرائح على مواجهة الضغوط المعيشية المتفاقمة.

وفي موازاة ذلك، أعلنت الحكومة توجهها للإسراع في طرح حزمة لتحسين الأجور والدخول للعاملين بالدولة اعتبارًا من العام المالي 2026/2027، تشمل رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة.

كما أكدت استمرارها في توفير السلع التموينية المدعومة، ومواصلة تحمل جزء من الفجوة بين التكلفة الفعلية وأسعار بيع الطاقة محليًا، بالتوازي مع متابعة يومية دقيقة لتطورات الأسواق العالمية وتنسيق مستمر بين البنك المركزي والجهات المعنية، بهدف احتواء الصدمات الخارجية وحماية استقرار السوق المحلية والنشاط الاقتصادي.

كلمات مفتاحية
 رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

ميلوني بين ضغط الداخل والتحالف الخارجي.. كيف أعاد اليمين الإيطالي تموضعه؟

ميلوني تعيد تموضع اليمين الإيطالي بين ضغوط الداخل وتحالفها السابق مع ترامب وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط

النبطية

مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت النار.. تباين الأهداف وتعقّد المسارات

مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل وسط تباين الأهداف واستمرار الغارات على الجنوب

نتنياهو

إسرائيل بين "السيطرة العملياتية" وطموح الهيمنة

في وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد في المنطقة، تتكشف ملامح تحوّل أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يقتصر على إدارة الصراع، بل يتجه نحو إعادة تعريف دور إسرائيل إقليميًا

الاقتصاد الأميركي
مجتمع

تبعات الحرب.. ثقة المستهلك الأميركي تتراجع إلى مستويات تاريخية

في قراءة جاءت أسوأ من معظم توقعات الاقتصاديين، سجّلت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة تراجعًا حادًا إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق

المتحف القومي السوداني
فنون

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

الصين
أعمال

كيف حوّلت الصين أزمة الطاقة إلى فرصة في سوق السيارات؟

تسرع الحرب على إيران من وتيرة التحول نحو السيارات الكهربائية، وهو ما يمنح شركات السيارات الصينية فرصة تاريخية لتعزيز حضورها العالمي

واشنطن
قول

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه