ترامب بعد عام من ولايته الثانية: إعادة رسم الشرق الأوسط بقوة النفوذ والصفقات
20 يناير 2026
بعد انقضاء عام على بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بات جليًا أنه عاد إلى البيت الأبيض بنهج أكثر صدامية، وبجرأة أكبر في توظيف النفوذ الأميركي خارجيًا، سعيًا لتحويل شعار "أميركا أولًا" من مجرد مقولة انتخابية إلى إطار عملي ومنهج استراتيجي يحكم أداء إدارته.
وإذا كانت ولايته الأولى (2017–2020) قد اتسمت بقدر من الارتجال وتعدد المقاربات وتناقضها أحيانًا، فإن ولايته الثانية تمثل نسخة أكثر حسمًا وقسوة، حاول من خلالها إعادة ترتيب موازين القوى بالقوة والضغط، انطلاقًا من رؤية تقوم على منطق الصفقات، وتوسيع دوائر النفوذ، واستخدام أدوات الإكراه السياسي والاقتصادي، في قطيعة واضحة مع الإرث الأميركي التقليدي القائم على قيادة التحالفات وإدارة التوافقات الدولية.
ومع اكتمال العام الأول من هذه الولاية، تسعى هذه الإطلالة إلى تقديم قراءة سريعة،، لأبرز ملامح السياسة الخارجية لترامب خلال هذا العام، ولا سيما على الساحة العربية، ورصد ارتداداتها وانعكاساتها على القضية العربية في مجملها.
غزة وأحلام التطاوس
منذ الوهلة الأولى بدا أن ترامب يتعامل مع ملف غزة باعتباره ورقة سياسية رابحة يمكنه من خلالها تحسين صورته الدولية، وإلباسه ثوب الوسيط المحايد، وهو ما تجلّى بوضوح في مشهد إخراج قمة شرم الشيخ التي شهدت توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
ورغم أن ترامب، منذ بداية ولايته الثانية، ظل الداعم الأبرز والأول للحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، وقدم لها غطاءً سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، إلى جانب دعم حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، لكن في الوقت نفسه، سعى إلى إعادة صياغة المشهد بما يخدم أهدافه وطموحاته السياسية، عبر تسويق نفسه كمنقذ أو وسيط فاعل.
إذا كان نهج ترامب الخارجي في ولايته الأولى قد اتسم بشعار "أميركا أولًا" بوصفه موقفًا احتجاجيًا ودعاية انتخابية، يفتقر إلى بنيان استراتيجي متماسك، فإن ولايته الثانية مثلت تحولًا نوعيًا، إذ تحوّل الشعار إلى مشروع إعادة هندسة للنظام الدولي وفق منطق القوة ومناطق النفوذ
وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن ما يُسمى "مجلس السلام" ليعكس استمرار الرئيس الأميركي في توظيف ملف غزة كأداة لتحقيق طموحاته الشخصية، حتى لو كان ذلك على حساب حياة مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والنازحين والمفقودين، وهو ما يبرز بوضوح حجم التلازم بين الدعاية السياسية والمأساة الإنسانية في هذا الملف الذي أسقط القناع عن وجه المجتمع الدولي القبيح.
في المحصلة، إذا كان نهج ترامب الخارجي في ولايته الأولى قد اتسم بشعار "أميركا أولًا" بوصفه موقفًا احتجاجيًا ودعاية انتخابية، يفتقر إلى بنيان استراتيجي متماسك، فإن ولايته الثانية مثلت تحولًا نوعيًا، إذ تحوّل الشعار إلى مشروع إعادة هندسة للنظام الدولي وفق منطق القوة ومناطق النفوذ، وبأدوات الضغط المختلفة.
الملف السوري والرقص على الأحبال
على الساحة السورية، لا يختلف المشهد كثيرًا، إذ تعامل ترامب مع هذا الملف وفق مقاربة خاصة هدفت إلى إعادة تكريس النفوذ الأميركي في سوريا، بعد سنوات بدت خلالها واشنطن أقرب إلى موقع المراقب، وإن كانت حاضرة بشكل غير مباشر ضمن معادلات توازن النفوذ في سياق الصراع مع روسيا وحلفائها داخل الساحة السورية، لا سيما إيران.
وانطلاقًا من هذه المقاربة، لم يتردد ترامب في إعادة تقييم علاقته بقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، حين رأى أن استمرار دعمه لها لم يعد منسجمًا مع استراتيجية النفوذ التي يسعى إلى تعزيزها، وعلى هذا الأساس، رفع الغطاء السياسي عنها، رغم كونها الحليف الأبرز لواشنطن على الأرض السورية في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش".
ووفق هذا التحول، منح ترامب الإدارة السورية الجديدة ضوءًا أخضر لتحقيق مكاسب ميدانية على حساب "قسد"، ما أفضى إلى بسط الحكومة السورية سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة، في تغير لافت في موازين القوى داخل المشهد السوري.
ورغم تعارض هذا المسار مع الرؤية الإسرائيلية، ولا سيما حلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بتشكيل ما يُعرف بـ"ممر داوود" (شريط جغرافي ضيق يمتد عبر قلب المشرق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة في الجنوب الغربي ويمر بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقًا عبر السويداء في جبل حوران ويدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الاستراتيجي على الحدود السورية العراقية الأردنية)، إلا أن ذلك لم يشكّل عائقًا أمام براغماتية ترامب، إذ يرى في "سوريا الجديدة" شريكًا يمكن التعويل عليه ضمن ترتيبات إقليمية مستقبلية تخدم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، وتنسجم في الوقت ذاته مع مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة.
من هنا يتعامل الرئيس الأميركي مع المشهد السوري بمنطق براغماتي صرف، حيث تتقدم المصالح بوصفها البوصلة الحاكمة لأي تموضع سياسي.
فرفع الغطاء السياسي نسبيًا عن "قسد" في هذه المرحلة لا يرقى إلى حد القطيعة الكاملة، كما لا يعني بالضرورة انحيازًا مطلقًا للإدارة السورية الجديدة. فمواقف ترامب، بطبيعتها المتقلبة، تظل قابلة لإعادة الضبط في أي لحظة، تبعًا لـ“الترمومتر” الذي يقيس به حجم الربح والخسارة في هذا الملف شديد التعقيد.
ضبابية الموقف في السودان
على الساحة السودانية، شهد الموقف الأميركي تحولًا لافتًا في التعاطي مع حرب الجنرالات المندلعة منذ نيسان/أبريل 2023، فبعد فترة طويلة بدت خلالها واشنطن شبه غائبة عن المشهد، مكتفية بدور المراقب من بعيد، أعلن ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي انخراطه المباشر في الملف السوداني، مؤكدًا عزمه العمل على وقف الحرب.
وأرجع ترامب هذا التحرك بصفته استجابة لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالتدخل والدفع نحو وقف القتال وفتح مسار لتسوية سياسية، مشيرًا إلى أنه سيعمل بالتنسيق مع السعودية والإمارات ومصر، إلى جانب شركاء إقليميين آخرين، من أجل إحلال السلام وإنهاء ما وصفه بـ"الفظائع" الجارية في السودان، معتبرًا الأزمة واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في العالم.
غير أن هذا الإعلان لم يُترجم، عمليًا، إلى خطوات ملموسة على الأرض، إذ لم يشهد الملف السوداني منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وحتى مطلع العام الحالي أي تحرك أميركي فعّال يعكس هذا الالتزام المعلن، فيما بدا وكأنه انخراط لصالح حسابات نفوذ وليس رغبة في إنهاء واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية الراهنة.
وبدلًا من تهدئة المشهد أو خفض منسوب التوتر، واصل الصراع مساره التصاعدي، في ظل تعاظم حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي الداعمة لطرفي النزاع، الأمر الذي عمّق المأساة الإنسانية وزاد من تعقيد فرص التسوية.
كما أن امتناع إدارة ترامب عن ممارسة ضغوط حقيقية على القوى المتورطة في تأجيج الصراع أسهم في إبقاء الأوضاع على حالها، دون أفق واضح لأي اختراق أو حلحلة محتملة للأزمة، وسط شكوك في جدية التحرك الأميركي ورغبة واشنطن في إطالة أمد الصراع بما يخدم مصالحها في البلد الأفريقي.
في إطار هذه المقاربة البراغماتية، يمكن فهم التحول في الموقف الأميركي تجاه المشهد السوداني؛ إذ انتقلت واشنطن من مسافة ابتعادٍ نسبي حين لم يكن الملف ضمن أولويات حساباتها، إلى انخراطٍ محسوب عندما بدأت تلوح في الأفق فرص المكاسب وتقاطعات المصالح، سواء في بعدها السياسي أو الاقتصادي.
تعميق الانقسام حول قضية الصحراء
مع مطلع ولايته الثانية، عاد ترامب ليؤكد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على كامل إقليم الصحراء، وهو الموقف الذي كانت إدارته قد أقرّته رسميًا عام 2020، في سياق الاتفاق الذي ربط هذا الاعتراف بقرار الرباط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، قبل أن يُعاد تثبيته مجددًا مع عودته إلى البيت الأبيض.
وشكّل هذا التأييد الصريح لمقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط لحل النزاع تحولًا واضحًا مقارنة بموقف إدارة سلفه جو بايدن، التي اكتفت خلال ولايتها بتبني مقاربات ضبابية وحذرة، التزمت فيها بسقف الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية وبمحاولة موازنة العلاقات مع مختلف أطراف النزاع، دون تبنٍ واضح لأي مسار حاسم.
ويعكس تثبيت هذا الموقف استمرار مقاربة الربط بين ملفات السيادة والنزاعات الإقليمية من جهة، وخيارات الاصطفاف السياسي والأمني في الشرق الأوسط من جهة أخرى، ما جعل قضية الصحراء جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز بعدها الإقليمي المغاربي.
تحولت السياسة الخارجية إلى مشروع يركز على تحقيق المصالح المباشرة، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي ومفاهيم التسوية السياسية التقليدية
السياسة الخارجية كصفقة تجارية"
تجسّد مواقف ترامب ذهنيته البراغماتية كرجل أعمال قبل أن يكون سياسيًا؛ ذهنية "التاجر الكبير" الذي ينظر إلى قضايا العالم بوصفها صفقات قابلة للمقايضة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية.
فالبوصلة التي توجه خياراته ليست اعتبارات قانونية أو سيادية خالصة، ولا تقدير موقف سياسي تقليدي، بل حساب دقيق للمصالح والمكاسب. وبهذا المعنى، يغدو الملف أكثر من مجرد قضية مبدئية، ليصبح ورقة تفاوضية تحدد قيمتها بما تحققه من عوائد ملموسة.
من هنا، بدأت إدارة ترامب في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من غزة إلى سوريا، مرورًا باليمن والعراق ولبنان والسودان والمغرب، وفق بوصلة أميركية صرفة.
تحولت السياسة الخارجية إلى مشروع يركز على تحقيق المصالح المباشرة، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي ومفاهيم التسوية السياسية التقليدية.
وهكذا، تبدو المرحلة الحالية بمثابة مفترق طرق في مسار العلاقات الدولية، تختبر فيه المنطقة قدرة القوة الأحادية على إعادة تشكيل توازناتها وقياس مدى صمود العالم أمام منطق الهيمنة والضغط.