تعتيم فضائي على حرب إيران.. من يملك الصورة يملك الرواية
6 ابريل 2026
أعلنت شركة "بلانيت لابس" مؤخرًا وقف نشر صور الأقمار الصناعية المرتبطة بالحرب مع إيران إلى أجل غير مسمى، استجابة لطلب من الحكومة الأميركية، في قرار يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا، ليطرح أسئلة عميقة حول السيطرة على المعرفة في أوقات الحرب.
هذا القرار يعكس انتقالًا تدريجيًا من سياسة "الإبطاء" إلى "الحجب". فبعد فرض تأخير زمني على نشر الصور، اختارت الشركة الآن التوقف الكامل، بما في ذلك أرشيف الصور منذ 9 آذار/مارس، وهو ما يشير إلى أن المخاوف لم تعد مرتبطة فقط بالصور الآنية، بل أيضًا بإمكانية استخدام البيانات التاريخية لتحليل الأنماط العسكرية واستنتاج تحركات مستقبلية.
يتجاوز قرار شركة "بلانيت لابس"، بوقف نشر صور الأقمار الصناعية، الإجراء التقني، ويطرح أسئلة حول السيطرة على المعرفة في أوقات الحرب
تأتي هذه الخطوة في سياق تصعيد عسكري بدأ في 28 شباط/فبراير، عندما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات داخل إيران، لترد طهران بهجمات استهدفت إسرائيل، واعتداءات طالت دول الخليج. هذا التوسع الجغرافي للصراع جعل من كل صورة فضائية محتملة قيمة استخباراتية عالية، سواء لتحديد الأهداف أو تقييم الأضرار أو حتى قراءة نوايا الخصوم.
وفي قلب هذا التحول تكمن حقيقة أن الأقمار الصناعية لم تعد أدوات حصرية بيد الحكومات. حيث طورت شركات مثل "بلانيت لابس" نماذج عمل قائمة على بيع صور عالية الدقة بشكل شبه يومي، ما خلق سوقًا عالمية للمعلومات الجغرافية. هذا الانفتاح أتاح للصحفيين والباحثين والمنظمات الدولية مراقبة النزاعات بشكل مستقل، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام استخدامات عسكرية من قبل أطراف غير حكومية أو دول "معادية".
هنا تحديدًا يتجلى القلق الأميركي، من خلال إمكانية حصول إيران أو حلفائها على صور حديثة، حتى عبر وسطاء، ما يعني امتلاك قدرة إضافية على تحسين دقة الضربات أو تفادي الاستهداف. وبالتالي، يصبح تقييد تدفق هذه الصور جزءًا من الاستراتيجية العسكرية، وليس مجرد إجراء احترازي.
لكن هذا المنطق الأمني يصطدم مباشرة بمبدأ الشفافية، فقد لعبت صور الأقمار الصناعية خلال السنوات الأخيرة دورًا حاسمًا في كشف وقائع ميدانية لم تكن لتظهر لولاها، سواء في تتبع تحركات الجيوش أو توثيق الدمار أو حتى كشف انتهاكات محتملة. ومع غياب هذه الصور، تصبح الرواية الرسمية أكثر هيمنة، بينما تتراجع قدرة الجهات المستقلة على التحقق.
تحاول "بلانيت لابس" التخفيف من حدة هذا التناقض عبر اعتماد نظام "توزيع مُدار"، يتيح نشر الصور في حالات محددة تُعتبر ضرورية أو تخدم المصلحة العامة. إلا أن هذا النموذج يثير تساؤلات جوهرية حول من يحدد هذه "المصلحة"، وما إذا كانت الشركات الخاصة قادرة فعلًا على الحفاظ على استقلاليتها في ظل ضغوط حكومية مباشرة.
في موازاة ذلك، تكشف مواقف الشركات الأخرى عن غياب نهج موحد داخل القطاع. فقد أكدت شركة Vantor، المعروفة سابقًا باسم Maxar Technologies، أنها لم تتلق طلبًا مشابهًا، لكنها تطبق منذ سنوات سياسات تقييد مرنة خلال النزاعات، تشمل التحكم في الجهات التي يمكنها الوصول إلى الصور أو شراءها. أما شركة BlackSky Technology، ففضلت الصمت حتى الآن.
صمت وزارة الدفاع الأميركية بدوره لم يكن مفاجئًا، إذ اكتفى البنتاغون بالتأكيد على أنه لا يعلق على القضايا الاستخباراتية، وهو ما يعزز الانطباع بأن القرار جزء من منظومة أوسع لإدارة تدفق المعلومات خلال الحرب.
ما يجري اليوم يكشف عن تحول أعمق في مفهوم "السيطرة" خلال النزاعات. ففي الماضي، كانت السيطرة تعني امتلاك الأرض أو التفوق العسكري، أما اليوم فهي تمتد إلى التحكم في البيانات والصورة والرواية. ومع تزايد اعتماد الجيوش على المعلومات التجارية، تصبح الشركات الخاصة لاعبًا أساسيًا في معادلة الأمن، سواء أرادت ذلك أم لا.
في هذا السياق، قد لا يكون قرار "بلانيت لابس" مجرد استجابة ظرفية، بل مؤشرًا على اتجاه عالمي نحو إعادة تنظيم سوق المعلومات الفضائية في أوقات الأزمات. وإذا ما تم تعميم هذا النموذج، فقد نشهد مستقبلًا تُدار فيه الحروب ليس فقط عبر الجبهات، بل أيضًا عبر "ما يُسمح برؤيته".
نحن الآن في وقت تُصبح فيه الصورة نفسها سلاحًا استراتيجيًا، يخضع للرقابة والتحكم مثلما تخضع الأسلحة التقليدية، حيث لا تقل المعركة على الحقيقة أهمية عن المعركة على الأرض، ومن يملك الصورة يملك الرواية أيضًا.