تغييرات جذرية في خارطة الطاقة العالمية.. آسيا تندفع نحو الرياح البحرية
10 ديسمبر 2025
تشهد دول جنوب شرق آسيا تحوّلًا متسارعًا نحو الاستثمار في طاقة الرياح البحرية، في وقتٍ تتباطأ فيه وتيرة هذا القطاع داخل الولايات المتحدة بفعل التحوّلات السياسية والقيود التنظيمية.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، فإن هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل يعكس تغيّرًا في خريطة الطاقة العالمية، حيث بدأت آسيا تستغل الفراغ الذي خلّفه التراجع الأميركي في دعم مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصًا مع المواقف المتشددة التي تبنّتها إدارة دونالد ترامب تجاه هذا النوع من المشاريع.
ففي السنوات الأخيرة، واجهت مشاريع الرياح البحرية في الولايات المتحدة عراقيل متزايدة بسبب تعليق أو تأجيل التراخيص الفيدرالية، ما دفع العديد من الشركات والمستثمرين إلى إعادة توجيه بوصلتهم نحو أسواق أكثر انفتاحًا، وكان جنوب شرق آسيا الوجهة الأبرز. دول مثل فيتنام والفلبين بدأت تتحرك بخطى ثابتة لبناء بنية تنظيمية وقانونية تسمح بإطلاق مشاريع ضخمة في عرض البحر، مدفوعة بارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء وبالرغبة في تقليل الاعتماد على الفحم والغاز.
بدأت آسيا تستغل الفراغ الذي خلّفه التراجع الأميركي في دعم مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصًا مع المواقف المتشددة التي تبنّتها إدارة دونالد ترامب تجاه هذا النوع من المشاريع
في فيتنام، تضع الحكومة خططًا طموحة لبناء قدرات تصل إلى عشرات الغيغاواطات من طاقة الرياح البحرية خلال العقد المقبل، مستفيدة من سواحلها الطويلة ورياحها القوية. أما الفلبين، فقد أطلقت أول مناقصات رسمية لمزارع الرياح البحرية، في خطوة اعتُبرت تاريخية في مسار تحول البلاد نحو الطاقة النظيفة. هذه الخطوات لم تكن ممكنة لولا دخول شركات صينية وأوروبية بخبراتها الهندسية وقدراتها التصنيعية، ما ساعد على تقليل التكاليف وتسريع الجدول الزمني للمشاريع.
ولا يقتصر التحرك الآسيوي على الإنتاج فقط، بل تسعى دول مثل سنغافورة إلى لعب دور «المركز الإقليمي» لهذه الصناعة، عبر استضافة مؤتمرات كبرى للطاقة المتجددة، وتوفير منصات للتعاون بين الحكومات والشركات العالمية. هذا التوجّه يعكس إدراكًا متزايدًا في المنطقة بأن المستقبل الاقتصادي مرتبط بشكل وثيق بالطاقة النظيفة، وبأن التحول المبكر يمنح هذه الدول موقعًا متقدمًا في سوق عالمي آخذ في التوسع.
ورغم هذه الطموحات، تواجه مشاريع الرياح البحرية في آسيا تحديات طبيعية وتقنية، أبرزها الأعاصير والعواصف البحرية العنيفة التي تتطلب تصميم توربينات قادرة على تحمّل ظروف مناخية قاسية. كما أن بعض الدول لا تزال بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية من موانئ وخطوط نقل كهرباء واسعة النطاق. ومع ذلك، يشير خبراء الطاقة إلى أن هذه التحديات باتت قابلة للإدارة في ظل التقدم التكنولوجي والشراكات الدولية المتزايدة.
التحول نحو آسيا لا يعكس فقط تغيرًا في الموقع الجغرافي للاستثمارات، بل يكشف أيضًا عن عمق تأثير القرارات السياسية الأميركية على الأسواق العالمية. فعندما تراجعت واشنطن عن دعم الرياح البحرية، لم يتوقف القطاع، بل انتقل بثقله إلى مناطق أخرى أكثر استعدادًا لاستقباله. هذا الواقع يعزز فكرة أن مسار التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد حكرًا على الدول المتقدمة، بل أصبح فرصة تنموية حقيقية للدول الناشئة.
في المحصلة، يُظهر صعود دول جنوب شرق آسيا في مجال طاقة الرياح البحرية أن العالم يتجه تدريجيًا نحو مراكز جديدة للطاقة النظيفة، وأن المنافسة على قيادة المستقبل الطاقي باتت مفتوحة على مصراعيها. وبينما تتباطأ بعض الاقتصادات الكبرى في دعم هذا التحول، تسعى دول آسيوية إلى ملء الفراغ، واضعةً نفسها في موقع متقدم في سباق الطاقة العالمي.







