تفاؤل أميركي باتفاق مع إيران يلوح في الأفق.. وإسرائيل في دائرة القلق
7 مايو 2026
تشير التصريحات الأميركية والإيرانية المتبادلة خلال الساعات الأخيرة إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة جديدة من التفاوض الحذر بين واشنطن وطهران، بعد أسابيع من التهديدات والتصعيد العسكري المرتبط بمضيق هرمز والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وبين تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمزيد من القصف في حال فشل المفاوضات، والإشارات الإيرانية إلى دراسة "المقترح الأميركي"، تبدو الأزمة وكأنها تتحرك على حافة خيارين متناقضين: تفاهم مؤقت يخفف حدة التوتر، أو تصعيد أوسع يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
ترامب بين التهديد والتفاوض
يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقديم نفسه بوصفه القادر على إنهاء الأزمة سريعًا، لكنه في الوقت نفسه يستخدم لغة ضغط قصوى تجاه طهران. فتصريحاته الأخيرة جمعت بين الحديث عن "فرصة جيدة" لإنهاء الحرب، وبين التهديد بـ"قصف بلا هوادة" إذا رفضت إيران الاتفاق المطروح.
هذا الأسلوب يعكس استراتيجية أميركية تقوم على مبدأ "التفاوض تحت الضغط"، وهي المقاربة التي اعتمدها ترامب خلال ولايته الأولى مع إيران. فالإدارة الأميركية تدرك أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، كما ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مستشاري ترامب باتوا يخشون من الكلفة السياسية لارتفاع أسعار الوقود، ما يدفع الإدارة الأميركية إلى السعي لإنهاء سريع للأزمة قبل أن تتحول إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. وهو ما يفسر الاستعجال الأميركي الحالي للوصول إلى صيغة تفاهم، ولو كانت مؤقتة.
الإدارة الأميركية تدرك أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، كما ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي
ما الذي تريده واشنطن؟
تكشف الشروط الأميركية المسرّبة أن واشنطن لا تسعى فقط إلى احتواء التصعيد العسكري، بل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني بصورة جذرية. فالمقترح المطروح يتضمن مطالب واسعة تبدأ بتعهد رسمي من طهران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مرورًا بتفكيك المنشآت النووية الإيرانية، وتجميد عمليات تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى عشرين عامًا، وصولًا إلى تسليم المخزون الحالي من المواد المخصبة وفرض حظر كامل على أي نشاط نووي تحت الأرض. كما تربط واشنطن بين إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا وبين الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وتخفيف العقوبات المفروضة على إيران.
وعمليًا، تبدو هذه المطالب أقرب إلى محاولة فرض إعادة هندسة كاملة للبرنامج النووي الإيراني، أكثر من كونها مجرد تفاهم مرحلي لخفض التوتر. وهو ما يجعل قبولها بالكامل من قبل طهران أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا أن إيران تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره جزءًا من سيادتها الوطنية.
وفي ضوء ذلك، تبدو واشنطن وكأنها ترفع سقف شروطها التفاوضية إلى الحد الأقصى، في محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات، قبل الانتقال لاحقًا إلى صيغة اتفاق أقل تشددًا وأكثر قابلية للتطبيق.
المقاربة الإيرانية: فصل الملفات وتخفيف الضغط
في المقابل، تبدو طهران وكأنها تحاول إدارة الأزمة من زاوية مختلفة، تقوم على الفصل بين الملفات الأمنية العاجلة والخلافات الاستراتيجية بعيدة المدى. فبحسب المعطيات المتداولة، قدمت إيران مبادرة تضم 14 بندًا، ركزت بصورة أساسية على قضايا الملاحة والأمن البحري، مع إرجاء الملفات الأكثر تعقيدًا المرتبطة بالبرنامج النووي إلى مراحل تفاوضية لاحقة.
وتشير المؤشرات إلى أن القيادة الإيرانية تسعى، في المرحلة الحالية، إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف الحصار البحري المفروض عليها، بالتوازي مع تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. كما تحاول طهران كسب مزيد من الوقت في الملف النووي، مع الحفاظ على الحد الأدنى من قدراتها النووية دون تقديم تنازلات نهائية قد تُفسَّر داخليًا على أنها تراجع استراتيجي.
ويعكس هذا الفصل بين "الأزمة الأمنية العاجلة" و"الملف النووي طويل الأمد" إدراكًا إيرانيًا بأن الأولوية الحالية تتمثل في منع تفاقم الضغوط الاقتصادية وتجنب حرب واسعة قد تكون كلفتها باهظة داخليًا وإقليميًا، خاصة في ظل استمرار العقوبات الغربية وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران.
وفي الوقت نفسه، تحاول إيران الحفاظ على خطاب سياسي يقوم على مبدأ "الصمود" وعدم الظهور بمظهر الطرف الخاضع للضغوط. ولهذا شدد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف على أن الحصار البحري والضغوط الاقتصادية والحملات الإعلامية تستهدف دفع إيران نحو "الاستسلام"، في رسالة تعكس حرص القيادة الإيرانية على التمسك بخطاب التحدي حتى أثناء الانخراط في مسار تفاوضي محتمل.
مضيق هرمز: جوهر الأزمة الحقيقي
رغم أن الملف النووي يحتل الواجهة السياسية والإعلامية، فإن جوهر الأزمة الحالية يرتبط فعليًا بمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
فالولايات المتحدة تعتبر أن أمن الملاحة الدولية خط أحمر، بينما تنظر إيران إلى المضيق باعتباره جزءًا من أمنها القومي ومنظومتها الدفاعية. ولهذا ربط الحرس الثوري "العبور الآمن" بالالتزام بالقواعد والإجراءات الإيرانية.
وتكشف الحوادث الأخيرة، سواء استهداف السفن أو تعطيل ناقلات النفط، أن المضيق تحول إلى مساحة اشتباك بين الطرفين. كما أن أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط العالمية، وهو ما يفسر الضغط الدولي المتزايد لإعادة فتحه بالكامل.
ومن هنا، قد يكون الاتفاق المرتقب في جوهره اتفاق حول مضيق هرمز أكثر منه اتفاقًا حول البرنامج النووي، أي تفاهمًا يهدف أساسًا إلى ضمان الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، مع تأجيل الملفات الكبرى إلى مفاوضات لاحقة.
القلق الإسرائيلي: اتفاق يمنح طهران فرصة جديدة
في إسرائيل، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي أي تفاهم أميركي إيراني جديد إلى إعادة تجربة الاتفاق النووي الذي أُبرم خلال عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والذي تعتبره تل أبيب اتفاقًا سمح لطهران بالحفاظ على جزء كبير من قدراتها الاستراتيجية مقابل قيود مؤقتة.
وبحسب ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن القلق الإسرائيلي يتركز على عدة ملفات أساسية، في مقدمتها غياب أي قيود واضحة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، إلى جانب احتمال الإبقاء على أجزاء من البنية النووية الإيرانية وعدم تفكيكها بالكامل. كما تخشى تل أبيب من أن يؤدي الاتفاق المحتمل إلى تقييد حرية تحرك الجيش الإسرائيلي في المنطقة، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى مرتبطة بالنفوذ الإيراني.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن استمرار الضغوط الاقتصادية والحصار المفروض على إيران قد يكون أكثر فعالية من التوصل إلى اتفاق يمنح طهران تخفيفًا للعقوبات وفرصة لاستعادة توازنها الاقتصادي والسياسي، من دون إنهاء كامل لقدراتها الاستراتيجية. وتعتبر بعض الأوساط الإسرائيلية أن أي تفاهم مرحلي قد يتحول عمليًا إلى "طوق نجاة" للنظام الإيراني في لحظة يواجه فيها ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة.
كما يثير الحديث عن فرض قيود زمنية تمتد إلى 15 أو 20 عامًا قلقًا واسعًا داخل إسرائيل، إذ ترى تل أبيب أن مثل هذه البنود لا تنهي المشروع النووي الإيراني بقدر ما تؤجله فقط، ما يمنح إيران فرصة للعودة إلى تطوير برنامجها النووي بمجرد انتهاء مدة الاتفاق، وهو ما يدفع المسؤولين الإسرائيليين إلى التشكيك في جدوى أي تسوية لا تتضمن تفكيكًا دائمًا وشاملًا للبنية النووية الإيرانية.
هل نحن أمام اتفاق فعلي؟
تشير المؤشرات الحالية إلى أن واشنطن وطهران تقتربان من تفاهم أولي يهدف إلى احتواء التصعيد أكثر من التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي يعالج جميع الملفات العالقة بين الطرفين. فالإدارة الأميركية تبدو معنية بتهدئة سريعة تمنع مزيدًا من الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية وتخفف الضغط السياسي الداخلي الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود، في حين تسعى إيران إلى كسر الحصار البحري والاقتصادي وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تكون مكلفة على مختلف المستويات.
ورغم الأجواء الإيجابية الحذرة التي تحيط بالمفاوضات، فإن العقبات لا تزال كبيرة ومعقدة. فحجم التنازلات المطلوبة من إيران في الملف النووي يظل نقطة خلاف جوهرية، خاصة مع تمسك طهران بالحفاظ على جزء من قدراتها النووية. كما يشكل الموقف الإسرائيلي الرافض لأي اتفاق "مرن" عامل ضغط إضافيًا على الإدارة الأميركية، إلى جانب حالة انعدام الثقة المتراكمة بين واشنطن وطهران بعد سنوات طويلة من التوتر والعقوبات والمواجهات غير المباشرة.
ويضاف إلى ذلك أن أي تفاهم محتمل يبقى معرضًا للاهتزاز عند أول اختبار ميداني، سواء في مضيق هرمز أو في ساحات النفوذ الإقليمي الأخرى، وهو ما يجعل فرص انهياره قائمة في أي لحظة إذا تصاعدت الاستفزازات أو وقعت مواجهات غير محسوبة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في إعلان "مذكرة تفاهم" أو اتفاق مرحلي يركز على ضمان الملاحة في مضيق هرمز ووقف التصعيد العسكري، من دون الوصول إلى تسوية نهائية للملف النووي الإيراني، الذي سيبقى على الأرجح محورًا لجولات تفاوضية أطول وأكثر تعقيدًا.