توازنات تتغير.. مجموعات مؤيدة لفلسطين تتحدى "أيباك"
26 مارس 2026
تشهد الساحة السياسية في الولايات المتحدة تحوّلًا لافتًا في موازين النفوذ المرتبطة بالشرق الأوسط، مع تصاعد نشاط مجموعات ضغط مؤيدة لفلسطين تحاول كسر الهيمنة التقليدية التي طالما تمتع بها اللوبي المؤيد لإسرائيل، وعلى رأسه لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك".
ويأتي هذا التحول في سياق تتقاطع فيه الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة مع تغيرات داخلية عميقة في المزاج السياسي الأميركي، خاصة داخل الحزب الديمقراطي، ما يفتح الباب أمام تغيّر في موازين التأثير في واشنطن.
دخول مؤيدي فلسطين قلب العمل السياسي الأميركي
على مدى سنوات، ظل الدعم للقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة محصورًا بشكل أساسي في النشاط الشعبي والحقوقي، لكن المشهد بدأ يشهد تحولًا ملحوظًا مع دخول التيار المؤيد لفلسطين إلى قلب العمل السياسي المنظم، من خلال تأسيس لجان عمل سياسية تسعى للتأثير المباشر في الانتخابات.
ويقود هذا التحول ثلاث مجموعات جديدة دخلت المشهد السياسي هذا العام كقوة مقابلة محتملة للمنظمات المؤيدة لإسرائيل، مع التركيز على دعم المرشحين التقدميين في الحزب الديمقراطي. هذه المجموعات لا تكتفي بمناهضة "أيباك"، بل تسعى لمنافستها باستخدام الأدوات نفسها، عبر التمويل الانتخابي والإعلانات وبناء شبكات دعم للمرشحين.
هذا التحول لم يعد مجرد مؤشر رأي عام، بل بدأ ينعكس في الخطاب السياسي، حيث بات عدد متزايد من المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي بتبني مواقف أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية
أول هذه المجموعات هي لجنة "السلام والمساءلة والقيادة" (PAL PAC)، التي تأسست في شباط/فبراير على يد مارغريت ديروس، المديرة التنفيذية لمعهد "فهم الشرق الأوسط". وقد دعمت اللجنة حتى الآن تسعة مرشحين للكونغرس، ويتيح موقعها الإلكتروني للزوار التبرع لحملاتهم.
المجموعة الثانية، "الأولويات الأميركية" (American Priorities)، تقودها هانا فيرتيغ، استراتيجية شاركت في حملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020. تأسست اللجنة في كانون الثاني/يناير، وتخطط لإنفاق ما لا يقل عن 10 ملايين دولار لدعم مرشحين "أقوياء في القضايا الخارجية والداخلية". وتركز في اختيار المرشحين على التقدميين، خصوصًا أولئك الذين حصل خصومهم على تمويل من "أيباك".
أما المجموعة الثالثة، فهي "مواطنون ضد فساد أيباك" (Citizens Against AIPAC Corruption)، وقد أسسها القائمون على منصة (Track AIPAC) التي تنشر بيانات تبرعات "أيباك" للمرشحين، بهدف "إنهاء هيمنة اللوبي الإسرائيلي على الديمقراطية الأميركية".
وقد تعهدت بعض هذه المجموعات بإنفاق ملايين الدولارات في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في محاولة لتقليص الفجوة مع "أيباك"، التي لا تزال تتمتع بقدرات مالية ضخمة ونفوذ مؤسسي متراكم.
تحوّل داخل الحزب الديمقراطي
يتزامن هذا الحراك مع تغير ملموس في مواقف القاعدة الديمقراطية، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع واضح في التعاطف مع إسرائيل، مقابل ارتفاع الدعم أو التعاطف مع الفلسطينيين.
هذا التحول لم يعد مجرد مؤشر رأي عام، بل بدأ ينعكس في الخطاب السياسي، حيث بات عدد متزايد من المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي بتبني مواقف أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، ويدعون إلى إعادة النظر في الدعم العسكري الأميركي غير المشروط.
وبذلك، لم تعد القضية الفلسطينية ملفًا هامشيًا، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في الصراع داخل الحزب الديمقراطي بين التيار التقليدي والتيار التقدمي.
المال السياسي: فجوة مستمرة رغم التحدي
رغم هذا الزخم، لا تزال الفجوة في الموارد المالية تمثل تحديًا رئيسيًا أمام المجموعات المؤيدة لفلسطين. ففي عدة سباقات انتخابية، أنفقت لجان مرتبطة بـ"أيباك" ملايين الدولارات لدعم مرشحين أو لإسقاط آخرين، بينما كان إنفاق المجموعات المنافسة أقل بكثير.
ومع ذلك، تشير بعض النتائج إلى أن التأثير لا يعتمد على المال وحده، إذ تمكن بعض المرشحين المدعومين من هذه اللجان من تحقيق نتائج قوية وفوز بمقاعد، مستفيدين من العمل الميداني والدعم الشعبي والنشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
"أيباك" تحت الضغط: إعادة هيكلة في الظل
في المقابل، تواجه "أيباك" ضغوطًا متزايدة تدفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها والدخول في مرحلة إعادة هيكلة داخلية حساسة، في ظل تراجع نفوذها السياسي وتصاعد الضغوط في الحياة السياسية الأميركية.
وتسعى المنظمة، التي اعتمدت على نفوذها المالي والسياسي للتأثير على صنع القرار في واشنطن، بشكل سري إلى تعيين مدير للعمليات السياسية ومستشار قانوني جديد، في خطوة تعكس محاولة لإعادة تموضع استراتيجي. وتهدف هذه التغييرات ليس فقط إلى تعزيز نفوذ المنظمة، بل أيضًا إلى إدارة المخاطر السياسية والإعلامية بحذر، في بيئة أميركية أصبحت أكثر عدائية تجاهها، خاصة داخل قاعدة الحزب الديمقراطي.
وتشير وثيقة سرية صادرة عن المنظمة إلى أن الدور المطلوب لا يقتصر على الجوانب القانونية التقليدية، بل يجمع بين إدارة النشاط السياسي وحماية المنظمة من المخاطر القانونية والإعلامية، بهدف تمكين "نشاط سياسي قوي لكنه محسوب". وتعكس لغة الإعلان مستوى التعقيد الذي تعمل فيه أيباك اليوم، وتشير إلى أن التوظيف يتم في بيئة "تحت تدقيق شديد"، ما يعكس حساسية العمل السياسي والجدل المتزايد حول نفوذ المنظمة في الولايات المتحدة.
حرب السرديات: من يحدد الخطاب؟
إلى جانب المال والسياسة، يدور صراع موازٍ على مستوى الخطاب والرواية. فبينما تتهم أطراف مؤيدة لإسرائيل هذه المجموعات بمحاولة "إسكات الأصوات المؤيدة لإسرائيل"، يرى ناشطون مؤيدون لفلسطين أن "أيباك" تمارس نفوذًا مفرطًا على القرار السياسي الأميركي.
هذا التباين يعكس انتقال المواجهة من مجرد تنافس انتخابي إلى صراع أعمق حول تعريف المصالح الأميركية نفسها، وحدود الدعم لإسرائيل، ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
تواجه "أيباك" ضغوطًا متزايدة تدفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها، وتشير المعطيات إلى أن المنظمة دخلت مرحلة إعادة هيكلة داخلية، تبحث خلالها بشكل سري عن قيادات جديدة
انتخابات حاسمة واختبار للنفوذ
مع اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية في عدة ولايات، تبدو الساحة مفتوحة أمام اختبار حقيقي لقدرة هذه المجموعات على ترجمة الزخم إلى مكاسب سياسية.
وفي المقابل، من المرجح أن تواصل "أيباك" إنفاقها المكثف، مستفيدة من موارد مالية كبيرة وشبكة علاقات راسخة داخل المؤسسة السياسية.
لحظة انتقالية في واشنطن
تشير مجمل هذه التطورات إلى أن الواقع السياسي يشهد تحوّلًا في توازنات النفوذ المرتبطة بالقضية الفلسطينية. فبينما لا تزال أيباك لاعبًا قويًا، فإن ظهور منافسين جدد، وتغير المزاج السياسي، وتصاعد الجدل حول دور اللوبيات، كلها عوامل تعيد تشكيل موازين التأثير في الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يملك المال، بل حول من سيتمكن من إعادة تشكيل الوعي السياسي والانتخابي، وهي معركة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من انتخابات التجديد النصفي القادمة.