ثورة هادئة: كيف تحاول الصين قيادة مستقبل الواجهات الدماغية؟
26 فبراير 2026
تشهد صناعة الواجهات الدماغية الحاسوبية (BCI) في الصين تسارعًا ملحوظًا في الانتقال من المختبرات البحثية إلى السوق، في وقت تحاول فيه شركات غربية مثل Neuralink التابعة لإيلون ماسك أن تقدم نفسها كرائدة في هذا المجال.
وحسب ما نقله موقع "تيك كرانش" عن مطورين ومستثمرين، فإن الشركات الصينية بدأت بالفعل بناء منظومة تجارية متكاملة تجمع بين الابتكار الطبي والدعم الحكومي والاستثمار الخاص.
يقول فينيكس بينغ، مؤسس شركتي NeuroXess وGestala، إن الصناعة الصينية تتحرك على مستويين: الأجهزة المزروعة جراحيًا التي توفر إشارات دماغية دقيقة، والواجهات غير الجراحية التي تعتمد على تقنيات مثل الموجات فوق الصوتية. ويرى بينغ أن المستقبل لا يقتصر على علاج الأمراض العصبية، بل قد يمتد إلى "تعزيز قدرات الإنسان" عبر وصل الدماغ بأنظمة الذكاء الاصطناعي، في رؤية يعتبرها البعض طموحة وأخرى تثير أسئلة أخلاقية عميقة.
دعم سياسي وتمويل متزايد
تعتمد الصين على استراتيجية وطنية لتطوير هذا القطاع. ففي آب/أغسطس 2025 أطلقت عدة وزارات خطة تهدف إلى تحقيق أهداف تقنية بحلول 2027 وتوحيد معايير الصناعة بحلول 2030، مع السعي لبناء شركات قادرة على المنافسة عالميًا. كما أُعلن عن صندوق بقيمة 11.6 مليار يوان (165 مليون دولار) لدعم الأبحاث والشركات الناشئة.
بدأت الصين في بناء منظومة تجارية متكاملة تجمع بين الابتكار الطبي والدعم الحكومي والاستثمار الخاص
هذا الدعم انعكس على مستوى الاستثمارات. فقد جمعت شركة StairMed Technology، المتخصصة في الأجهزة المزروعة، نحو 48 مليون دولار في جولة تمويلية. كذلك أعلنت شركة BrainCo التي تطور تقنيات غير جراحية وأطرافًا صناعية ذكية، أنها تسعى لإدراج أسهمها في بورصة هونغ كونغ بعد جمع مئات الملايين من الدولارات.
ويرى الخبراء أن هناك أربعة عوامل رئيسية تدفع الصين إلى الأمام:
السياسات الحكومية: تنسيق بين الهيئات المختلفة لتوحيد المعايير ودعم التأمين الصحي لتغطية بعض التطبيقات الطبية.
البيئة السريرية الواسعة: توفر قاعدة كبيرة من المرضى وانخفاض تكاليف الأبحاث، ما يسرّع التجارب السريرية. ففي سيتشوان وهوبي وتشيجيانغ جرى تحديد أسعار الخدمات المتعلقة بالواجهات الدماغية تمهيدًا لإدراجها في نظام التأمين.
الصناعة التكنولوجية المتقدمة: وجود بنية تصنيع قوية في الإلكترونيات والرقائق والذكاء الاصطناعي.
رأس المال: تدفق الاستثمارات من صناديق حكومية وخاصة.
وبحلول 2025 قُدرت سوق الواجهات الدماغية الصينية بنحو 3.8 مليار يوان، مع توقعات بأن تتجاوز 120 مليار يوان بحلول 2040. وإذا تحقق ذلك، ستصبح الصين لاعبًا عالميًا رئيسيًا ينافس شركات غربية مثل Synchron وParadromics.
تنقسم الواجهات الدماغية إلى فئتين:
الواجهات المزروعة: توفر دقة عالية لكنها تتطلب جراحة وتحمل مخاطر طبية. تستخدمها شركات مثل NeuroXess وNeuracle.
الواجهات غير الجراحية: تعتمد على أجهزة قراءة النشاط الدماغي عبر الجمجمة مثل نظارات EEG. أقل دقة لكنها أكثر أمانًا وقابلية للتسويق.
تتوسع الأبحاث أيضًا في تقنيات الموجات فوق الصوتية والتحفيز المغناطيسي وغيرها من الأساليب التي قد تفتح تطبيقات لعلاج الألم المزمن والسكتات الدماغية والاكتئاب.
وتقول شركة Gestala إن تجاربها الأولية خفضت مستويات الألم لدى بعض المرضى بنسبة 50% لأسابيع بعد جلسة واحدة، وهو ادعاء يحتاج إلى مزيد من التحقق العلمي.
في المقابل، تستثمر شركة Zhiran Medical المدعومة من HSG (المعروفة سابقًا باسم Sequoia China) في تطوير أجهزة مزروعة ذات أقطاب مرنة لتحسين الاستقرار طويل المدى وتقليل الالتهاب.
تحديات أخلاقية وتنظيمية
مع توسع السوق، تتزايد الأسئلة حول خصوصية البيانات الدماغية، حيث تخطط الصين لتشديد الرقابة على البيانات التي تولدها هذه الأجهزة، إضافة إلى تعزيز متطلبات الموافقة المستنيرة والرقابة الأخلاقية.
كما تتوقع الصناعة أن تتقارب القواعد الصينية مع المعايير الدولية، مستلهمة من إرشادات جهات مثل هيئة الغذاء والدواء الأميركية والمنظمات المعيارية العالمية، ويُنظر إلى هذا التقارب كخطوة ضرورية لتمكين التعاون الدولي وتصدير المنتجات.
ويرى مؤيدو التقنية أن الواجهات الدماغية قد تفتح بابًا لعلاج اضطرابات عصبية مستعصية، أو مساعدة المصابين بالشلل على التحكم بالأجهزة عبر التفكير. وفي حالات متقدمة، يتحدث البعض عن إمكانية توسيع قدرات التواصل مع الذكاء الاصطناعي.
لكن منتقدين يحذرون من مخاطر الخصوصية والتلاعب المحتمل بالبيانات العصبية. كما يثير استخدام الأجهزة المزروعة مخاوف طبية وأخلاقية تتعلق بالموافقة والآثار طويلة المدى.
تتحول الواجهات الدماغية من حلم علمي إلى صناعة ناشئة ذات مليارات الدولارات. تقود الصين هذا السباق عبر مزيج من السياسات الحكومية والاستثمارات الضخمة والقدرات الصناعية. وفيما تسعى شركات غربية إلى الحفاظ على موقعها، يبدو أن المستقبل سيشهد منافسة عالمية حادة على ما يسميه بعض الباحثين "الجسر بين الذكاء البيولوجي والاصطناعي".