"حدث ذات مرة في السينما".. عن عتمة مضاءة بالحكايات
13 يوليو 2026
عبر العصور، لم تكن للفنون وظيفة واضحة غير قهر الواقع، تخريبه، تفكيكه، وبالتالي عدم قبوله؛ فمن يريد الامتثال لواقع لم يرتقِ مرة إلى مصاف الرغبات، فما بالك بالأحلام؟ هذا ما يترنح تحت وطأته فيلم "حدث ذات مرة في السينما" (Once Upon a Time in a Cinema)، إذ يقف المكان الذي لم ينفك يعرض مقترحات لتحقيق الأحلام مهددًا بالزوال، ويقف صاحبه أمامنا ممزقًا بين إرث أبيه وإغراء الفكاك من لعنة تلك التركة المتهالكة.
نحن في العام 1984، في مدينة ليمريك الأيرلندية، تلك المدينة التي رسّخها الروائي فرانك ماكورت في الذاكرة العالمية وقدّمها كعاصمة للفقر والرطوبة والموت المبكر في عمله "رماد أنجيلا"، حيث حضرت صالات السينما ملاذًا لأطفال الأزقة الهاربين من بؤس لا يُطاق.
صالة السينما.. ومكان أول للحكاية
في "حدث ذات مرة في السينما"، نحن في صالة سينما متهالكة ذات شاشة واحدة تقف في قلب المدينة؛ يدخلها السكارى، المتعبون، عمّال يريدون قليلًا من الأمل، وبعضًا من النسيان. يدخلون الصالة للتطهر، كما قد يفعل أحدهم حين يدخل الكنيسة، إذ تحضر كما لو أنها ملاذ أخير لجماعة أنهكها الاقتصاد وأغرتها الهجرة. ذلك أن أيرلندا الثمانينيات كانت بلدًا ينزف شبابه في دفقات هجرة نحو لندن وبوسطن ونيويورك؛ بلدًا تقترن فيه البطالة بطبق البطاطا الشهير والمطر الذي لا يتوقف، حيث لم يكن للفقراء من ترف سوى تذكرة تشتري لهم ساعتين من العتمة المضاءة بالحكايات، بالحب، بالأحلام. من هنا تحمل الجغرافيا دلالاتها في الفيلم: الصالة هي الحدث نفسه، هي أيرلندا مصغّرة، إرث جميل مهترئ يتنازعه الحنين والإفلاس، وتاريخ لبلد يحمل مجدًا ثقافيًا هائلًا يغرقه اقتصاد مثقوب.
في "حدث ذات مرة في السينما"، نحن في صالة سينما متهالكة ذات شاشة واحدة تقف في قلب المدينة؛ يدخلها السكارى، المتعبون، عمّال يريدون قليلًا من الأمل، وبعضًا من النسيان
الواقع والخيال وصراع معلن
يحارب "حدث ذات مرة في السينما" عدوًا واقعيًا محدد الملامح: جهاز الفيديو المنزلي، ذلك الشريط الممغنط الذي زحف في الثمانينيات على صالات العالم واعدًا الجمهور بالأفلام في غرف الجلوس، من دون غرباء يشاركونهم طقوس الفرجة أو عتمتها الاختيارية. بوعي ودراية، وإعادة إنتاج لحكاية عائلة، يخبرنا المخرج ديفيد غليسون عما حصل؛ فالفيديو ليس سوى عدو متجدد الأسماء: بعده جاء بث التلفزيون الفضائي، ثم الأقراص المدمجة، ثم المنصات، ثم الجائحة. وفي كل مرة نُعيت السينما، ثم خرجت من نعشها لتبيع الحكايات والتذاكر من جديد. الفيلم إذًا يتحدث عن 1984 ليحدثنا عنّا نحن، جمهور 2026 الذي يشاهد رثاء صالات السينما وهو جالس في صالة منها.
عن سحر المكان.. وقصص لا تنفك عن التوالد
أما محتد الفيلم فيمر عبر سلالة عريقة من الأفلام التي جعلت من صالة العرض بطلًا: "سينما باراديسو" لتورناتوري، فتصير الصالة ذاكرة القرية وقلبها؛ ثم "آخر عرض سينمائي" لبوغدانوفيتش، إذ يتماهى موت الصالة مع إعلان موت بلدة بأكملها؛ وصولًا إلى "إمبراطورية الضوء" لسام منديز و"عائلة فابلمان" لسبيلبرغ في موجة أفلام الحنين الأخيرة.
كل ما في الفيلم يحمل مرثية احتفالية، حتى العنوان نفسه أتى استعارة غير مغفلة من سيرجيو ليوني، من "حدث ذات مرة في الغرب" و"حدث ذات مرة في أميركا"؛ تلك الصيغة التي تحوّل المكان إلى أسطورة والزمن إلى مرثية. لكن الاستعارة سلاح ذو حدين؛ فمن يستعير عباءة ليوني يعقد مع المشاهد عهدًا بالملحمة، لكنه لا يحصل هنا سوى على أنشودة رعوية.
عن وريث سحقه الفقر
في قلب الحكاية وريث وتركة. إيرل كلانسي، بأداء كولن مورغان الذي عرفه الجمهور في "ميرلين" و"السقوط"، هو مدير متجهم يدير مملكته الصغيرة، "صالة السينما"، بمزيج من السخط المكبوت والإخلاص القسري، مؤمنًا بأن العرض يحمل قدسيته، ويجب أن يستمر ولو إكرامًا لذكرى أبيه الراحل، حتى يأتيه عرض لشراء الصالة التي يتمنى فعلًا لو يستطيع بيعها. التركة هنا مفككة بالمعنى الحرفي: أنبوب مياه ينفجر، عامل عرض ثمل، انقطاع كهرباء، جرذ يسرح في المبنى؛ وكل عطل من هذه الأعطال يطرح السؤال ذاته بصيغة جديدة: ما جدوى الحفاظ على إرث يتداعى؟
عن فيلم يغرف من روح صانعه تفاصيل وآلام
للفيلم بعد ذاتي يمنحه صدقه؛ فغليسون ابن عائلة امتلكت صالات سينما، وامتدت مسيرة أبيه في هذه المهنة ثمانية وسبعين عامًا، هي الأطول في تاريخ السينما الأيرلندية إن لم تكن في العالم. والفيلم، بهذا المعنى، تصفية حساب حنونة مع سيرة العائلة. صُوّر الفيلم في صالة "رويال" العريقة في ليمريك، التي كانت مغلقة منذ ثلاثة عقود تقريبًا، فأُعيد فتحها وترميمها خصيصًا للتصوير، واستُدعي أكثر من 150 كومبارسًا ليملؤوا مقاعدها من جديد، وكأن الفيلم مارس فعليًا ما يبشر به: أعاد صالة من الموت.
بين الحماسة والطموح والواقع.. كثير مما يُقال
الفيلم طموح بلا ريب، لكن أدواته تظل دون طموحه؛ فلا في الصورة ما يُبهر، ولا في الإيقاع ما يُفاجئ، ولا في البناء ما يتجاوز الحرفة الأمينة إلى الرؤية. وفي هذا مفارقة موجعة بعض الشيء، إذ يدافع الفيلم عن السينما بوصفها سحرًا لا يُعوّض، بلغة سينمائية خالية من السحر تقريبًا، فيغدو كمن يلقي خطبة عن الشعر بلغة نثرية مستوية.
حيلته السردية الأذكى أنه يُروى في زمن حقيقي أثناء عرض فيلم "منقطع الأنفاس" (Breathless) بنسخة ريتشارد جير، وفي الاختيار مفارقة لذيذة؛ فتلك النسخة نفسها إعادة تدوير هوليوودية لتحفة غودار، أي علامة على سينما بدأت تجترّ ذاتها. غير أن تواضع الفنيات لا يلغي صدق النبرة؛ فثمة أفلام تعيش بجمالها، وأخرى تعيش بضرورتها وحرارة موضوعها، وهذا من النوع الثاني: فيلم قد يُحب لما يدافع عنه، لا لما هو عليه.